Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
المثقفون والمسئولية التاريخية

من صقر بلال إلى جلال الوحيشي
في مثل هذا الشهر مايو من عام 1970 وتحديداً على امتداد الايام من 6 الى 10 منه عقد النظام الانقلابي ما أطلق عليه " ندوة الفكر الثوري " والتي كانت بحق " شركاً ماكراً " نصبه القذافي بخبث للمثقفين الليبيين. ونعيد بهذه المناسبة نشر مقال " المثقفون والمسئولية التاريخية " للأستاذ موسى عبدالحفيظ الذي سبق نشره في العدد الاول لمجلة الانقاذ الصادر في يوليو 1982.


المثقفون والمسئولية التاريخية
موسى عبدالحفيظ
مجلة الانقاذ ـ العدد الأول ـ يوليو 1982

حين تم الانقلاب العسكري في ليبيا في أول سبتمبر من عام 1969 م.، وجاء بالقذافي إلى الحكم، لم يكن الليبيّون قد مروا بما يكفي من التجربة السياسية لتنبههم إلى الاخطار التى كانت تحيق بهم . وانطلقوا، أو انطلق كثيرون منهم يؤيدون الانقلاب حتى قبل أن يعرفوا من الذي قام به ، لا تأييدا منهم لمن استولى على الحكم، ولكن تأييداً للتغيير الذي كانوا يحلمون وينادون به.

ولكن الأمر لم يلبث أن تبين بسرعة . وتكشفت الحقيقة لمن كان له أدنى بصر. ولعل ندوة " الفكر الثوري" ( الندوة – الشرك ) كنت أولى التجارب التى انكشفت على محكها الحقيقة . والذي يرجع بذاكرته إلى تلك الأيام التي دارت خلالها الندوة ويتذكر كيف كان القذافي ينصت ببراءة تامة لجموع المثقفين التي كانت تتوالي في طلب الحديث، وتنطلق فيه بإخلاص ونية طيبة، منخدعة بالإطار الذي دعيت للإسهام فيه ، والأهداف الحقيقية التى كان يمكن أن يخدمها ذلك الاطار، يستطيع ان يستوعب ولكن بعد فوات الأوان للأسف، كيف كانت تلك الندوة شركاً ماكراً، نصبه القذافي بخبث للمثقفين ، لكي يعرفهم ، ويميزبينهم من يمكن أن يمثل خطرا عليه وعلى طموحاته المجنونة للاستبداد بأمر ليبيا، وقيادتها الى المصيرالرهيب الذي قادها اليه.

كانت تلك الخطوة بالنسبة للقذافي ذات أهمية حيوية ،. فقد كان يعرف أن الخطر الوحيد الذي يمكن أن يهدد رغبته الطاغية في السيطرة يأتيه من جانب المثقفين، الذين يفترض – بحكم تعريفهم – أن يكون لديهم من الوعى وبعد النظر والبصر ببواطن الامور وأبعادها ما يجعل قيادتهم أمرا بالغ العسر، كان القذافي يعرف أن المثقفين هم الحجر الذي ينبغي إزالته حتى تتمهد الطريق لاستبداده المطلق بالحكم ولتنفيذ أفكاره وأوهامه التى كان يحلم أن يدخل عن طريقها التاريخ ، كما دخله كثيرمن العظماء والأنبياء والقادة والزعماء، فالمثقفون لن يقبلوا أن ينزلوه المنزلة التى كان يحلم بها ، وهي منزلة القائد والزعيم والمخلص، لمجرد أنه استولى على الحكم بالقوة على رأس حفنة من المخدوعين في شخصه وحقيقة نواياه، والمثقفون لن يقبلوا ، انطلاقا من الموقف السالف ذكره ، أن يطاوعوه على كل ما يقول أو يسلموا بكل ما يفعل دون مناقشة أو تمحيص ومن ثم فإنهم يكونون عقبة أمام تنفيذ إرادته وبالتالي أمام طموحاته للاستبداد وحده بالامر.

ولكن القذافي كان يعرف أيضا أن المؤهل العلمي يمكن في كثير من الاحيان أن يكون مجرد ورقة تشير إلى اجتياز عدد من الاختبارات بنجاح . ولا يعنى بالضرورة أن حامله قد اكتسب شيئا من الإحاطة ببعض من فروع المعرفة ، ولا يترادف بالضرورة مع الثقافة . إن المؤهل قد يعطي لحامله لقبا من الألقاب العلمية فيكون أستاذاً او طبيبا أو مهندسا أو قاضياً أو محاميا، ولكنه لا يضفي عليه حتما، وبالضروروة صفة المثقف. فالثقافة غير العلم والثقافة ليست لقبا يمنح أو شهادة تعطى. إنها مرتبة أعلى يصلها المرء حين يتعدي العلم إلي العمل به. حين يتفاعل العلم في نفسه وعقله فينعكس سلوكا وعملا في طريقة تفكيره وتدبره للأمور، وفي معاملاته مع الناس، وفي مقدرته على النظر إلى بواطن الأمور واستيعاب أبعادها الشمولية التى تتعدي كيانه الفردي لتشمل كيان الجماعة كلها ، وتتعدي اللحظة الحاضرة لتشمل الماضي والمستقبل، وتتعدي المكان المحدود لتشمل الوطن والعالم والكون كله.

ولكل هذا كان القذافي محتاجا لمعيار آخر غير معيار المؤهل العلمي والشهادات الجامعية ، ليميز عن طريقه المثقفين الحقيقيين بين حاملي المؤهلات العلمية، وكان بحاجة قصوى لهذا الفرز ليزيح الأولين من طريقه، وليستغل الآخرين في تحقيق مآربه وأغراضه.

وكانت فكرة الندوة الشرك، وغصت قاعة الاجتماعات بمئات من حاملي الشهادات ومدعي الثقافة . وكان خليطاً يمثل ما يحفل به كل مجتمع من أشكال المؤهلين. من مؤهلين حقيقيين ، دفعتهم وطنيتهم ورغبتهم الصادقة في الاسهام بآرائهم فيما صور لهم على أنه محاولة لوضع الخطة والتصورات الكفيلة بإنقاذ البلاد مما كانت تعانية من أمراض ومشكلات، ومن منافقين وصوليين رأوا في تلك الندوة الفرصة الذهبية ليظهروا مواهبهم وقدراتهم الدفينة في تأييد الحاكم والتصفيق له مقابل أحلامهم الأنانية في السيطرة والكسب المادي .

وقد تبينت حقيقة نوايا القذافي بعد انتهاء الندوة مباشرة . فلم يمض على انقضائها وقت طويل حتى ألقى بعدد من المثقفين في السجون. ولم تكن جريمتهم إلا أنهم كانوا مثقفين حقيقيين ، وكانوا يمثلون أول عقبة ينبغي إزالتها من الطريق ، فيما وجد عديد من بقية المؤهلين الذين أعلنوا عن هويتهم واستعدادهم للعمل الصاغر طوع إرادة الحاكم، طريقهم على أولى درجات السلم.

ولم تمض مدة طويلة على ذلك حتى بدأ القذافي يعمل للإعلان عن حقيقته بشكل أكثر صراحة وكان يعرف أكثر من غيره أن المسرحية التى يريد تمثيل الدور الرئيسي فيها مسرحية هزلية تهريجية، تتطلب نوعا خاصاً من الجمهور الذي يمكن أن يستسيغها أو يتظاهر باستساغتها، ومن ثم يصفق لها ويؤيدها، ولم تكن تلك المهزلة غير مهزلة الثورة الشعبية ، وكانت اللجان الشعبية أولى مراحلها أو فصلها الأول.

كان القذافي يعرف جيداً أنه يحتاج ، لكي يتمكن من تنفيذ تلك المهزلة التى تنبني عليه كبطل وممثل وحيد، إلى أن يحيط نفسه، وهو يقوم بتمثيل الدور على خشبة المسرح، بممثلين ناقصى الموهبة لكي يبرز مواهبه على حسابهم ، ويملأ المسرح بجمهور ساذج يمكن أن تنطلي عليه اللعبة ، حتى ينبهر بها ويصفق في النهاية لذلك البطل الذي يصول ويجول ويملأ المسرح صراخا وتشنجات وتهريجاً.

ومرة أخرى وجد القذافي نفسه في مواجهة مع المثقفين. فهؤلاء لم يكن ليستطيع أن يخدعهم عن حقيقة المهزلة التى يريد إخراجها على المسرح . ولم يكن أيضاً ليجد من بينهم ممثلين يقبلون أن يلعبوا إلى جانبه تلك الأدوار الثانوية التى ينبغي في تصوره ألا تتعدى تدعيم دور البطل وتسليط الأضواء عليه . ولم يكن بالطبع ليجد بينهم الجمهور الذي تنطلي عليه الخدعة، بل أن يشهدها ويصفق لها.

ولكل ذلك عمد إلى إزاحة أولئك المثقفين الذين كان يخشى أن يقفوا عقبة أمام وضعه المهزلة موضع التنفيذ. ولم يكن عبثا أن النقاط الخمس التى أعلن عبرها ثورته الشعبية قرنت بين الثورة الشعبية والثورة الثقافية. فقد كانت الثورة الثقافية هي الشر الأساسي لإمكان تحقيق الثورة الشعبية. ولم تكن التهم التى لفقت لأولئك الذين زج بهم في السجون إلا أقنعة أريد بها إخفاء التهمة الحقيقية التى سجنوا بسببها ، وهي كونهم مثقفين واعين لم يستطع القذافي أن يقحمهم في أحد الادوار الثلاثة التى أشرنا اليها:

قبول المهزلةالتى يريد تمثيلها .
قبول تمثيل أحد الأدوار الثانوية فيها .
قبول الجلوس في المسرح للهتاف والتصفيق.

وحين تمت إزالة تلك العقبة تمهدت الطريق أمام رفع الستار عن أول فصول المهزلة ، وهو فصل اللجان الشعبية . حيث شهدت بلادنا بداية أكبر عملية تدجيل تحدث لشعب من الشعوب. وإننا حين نعود اليوم بالتأمل الى تلك السنوات وأحداثها لا نستطيع إلا أن نخلص الى نتيجة مهمة مريرة وهي أن القذافي لم يكن ليستطيع أن ينفذ وحده تلك المهزلة الكبرى.ولقد استطاع أن يجد حوله عشرات من أولئك المحسوبين على المثقفين يقيم عليهم، أو على اشلائهم في حقيقة الأمر مهزلته:

وجد من يقبل، دون أن يستطيع ادعاء الجهل وعدم الوعي بالحقيقة ، أن يعمل معه وزيرا أو مستشاراً أو خبيراً.

وجد من يقبل أن يصعد على أكتاف حفنة من المغرر بهم ليضعوه، كما يضعون شيئا من الأشياء على رأس لجنة من تلك اللجان التى سميت شعبية.

ووجد بينهم من يقبل كل ذلك الدجل ، ومن يكتب في الصحف والكتب، أو يقف في المحافل والندوات، محللا ومفصلا لإبداعات المفكر والمؤلف والممثل الأكبر، ثم من يؤلف ويلحن ويغني الأغاني والأناشيد في تمجيد القذافي والإشادة بعظمته. وبالطبع لم يكن الأمر ليتوقف عند ذلك الحد. فمرحلة اللجان الشعبية لم تكن إلا الفصل الاول - كما قلنا – في المهزلة الكبرى، التى تطورت بعد ذلك فصلا بعد فصل، فكان الفصل الثاني تشكيل المؤتمرات الشعبية، وكان الثالث تشكيل اللجان الثورية. وسنشهد الرابع والخامس وغيرهما ما بقي القذافي ، فإنه، من حيث هو ممثل ، لا يمكن أن يعيش بدون دور يمثله، وبما أنه كان دائما هو المؤلف والبطل فلن يعجز عن أن يخلق لنفسه دوراً يمثله كلما انتهى من تمثيل دور.

وقد صارت الخطة التى انتهجها منذ البداية، وهي إزاحة المثقفين من الطريق ، سهلة التنفيذ، وصارت تتم تلقائيا مع كل مرحلة ينوي الدخول فيها. وكان طبيعيا أن يتطور الأمر أيضا من حيث الوسائل التي تنتهج في ذلك . فبعد السجن كان الارهاب والتعذيب ، وتطور هذا حتى انتهي إلى نصب المشانق والتقتيل داخل البلاد وخارجها.

وإننا مضطرون عند هذا الحد للخلوص الى نتيجتين مهمتين:

الأولي أن القذافي قد وجد في كل خطوة خطاها، وفي كل دور مثله، من يدعمه ويعمل معه ويقف الى جانبه على خشبة المسرح. والثانية أن كل من يعمل مع القذافي لا يستطيع أولا يقبل منه، أن يعتذر بأنه لم يكن يعلم أو يفهم حقيقة ما يتم وما كان يراد له ان يتم.

إن كثيرين ممن عملوا مع القذافي وساعدوه على تنفيذ ما أراد بالشعب وبالوطن هم من أولئك المحسوبين على المثقفين هم من أولئك الذين يحملون الشهادات العلمية من أصغرها إلى أكبرها. وإن احدهم لا يستطيع أن يدعى أنه لا يعرف أو لا يفهم أو لا يرى ما يحدث. إننا قد نقبل ذلك الجاهل الأمي، وإننا قد نغفر لأولئك الذين لا يعلمون ، والذين لا يملكون من المعرفة أوالتجربة ما يساعدهم على رؤية الأبعاد الحقيقية لما يفعل بهم أو لما يقحمون على فعله أو قبوله أوالتصفيق له. أما اولئك الذين يعلمون، أو يحملون من المؤهلات العلمية ما يفرض اعتبارهم ممن يعلمون ، فلا غذر لهم . ولا يمكن قبول احتجاجهم بأنهم فعلوا ما فعلوا وهم غافلون أو غير مدركين.

إنهم قد فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون الدور الذي يمثلونه. ومهما كانت الدوافع الكامنة وراء ذلك، سواء كانت الرهبة من العقاب، أم الطمع في الثواب ، فإن الشعب سيقف منهم حتما وعما قريب موقف السؤال. وسيسألون عن الامانة التى تحملوها حين تعلموا، وحين تكبد الشعب تكاليف توفير المدارس والجامعات لهم. ولن يسأل أحدهم عما فعله بيده وحسب. ولكن سيسألون عن كل ذنب ارتكبه القذافي عن طريقهم وبعونهم وتأييدهم. سيسألون عن كل ما ارتكبه القذافي وقاموا هم بالموافقة عليه والتخطيط والإشراف على تنفيذه. سيسألون عن كل ما ارتكبه القذافي وقاموا هم بتزيينه وتبريره والتهليل له. وإننا لا نملك إلا أن نذكرهم بقوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)

إن الذي يعلم لا ينبغي أن يكن ثمة ما يدفعه لأن يخون علمه. وقد أشرنا الى دافعي الرغبة والرهبة، وهما الدافعان اللذان يمكن أن يكونا وراء سلوك الذين اندفعوا في تزيين منكر القذافي وترسيخه والدعاية له. إن أولئك ليسوا إلا احد اثنين : خائف من العقاب أو راغب في الكسب والثواب. ولكننا نعود ونؤكد أن هذه الدوافع غير كفيلة بأن تدفع من يعلم او من يفترض أنه يعلم لأن يقبل المنكر، بل أن يؤيده بيده أو بلسانه. إن الذي يعلم ينبغي ان يكون أول علمه أن الإنسان ليس بيده أن يفعل للإنسان شيئا. وأن شعاره ودليل عمله ينبغي أن يكون دائما قوله تعالي ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ). ومن ثم فلا يقبل منه أن يفعل ما يخالف ضميره وعقله ودينه خوفا من عقاب يناله من الحاكم ولو بلغ ذلك العقاب الموت. وأن الطمع في الثواب ، مهما جزل، لا ينبغي له بالمثل أن يدفع المرء لذلك ، فأنه حين يبيع نفسه مقابل المال أو الجاه والسلطان ، يكون أولا وآخرا هو الخاسر. يكون قد خسر نفسه بل قتلها قتلا.

وإن واجب كل ليبي، وبخاصة أولئك الذين قبلوا الإسهام في مهزلة القذافي الكبرى، مهما هان في نظرهم الدور الذي يلعبونه، ومهما صغر شأن الخدمة التى يقدمونها، أن يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها، ويتوبوا الى الله . قبل أن يقفوا من الله موقف الحساب فيومها سيسأل كل امريء عما قدمت يداه.


صقر بلال


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home