Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

معارضة بقيادة عميل (3)

{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا } يوسف 26

قبل أن نواصل تتبعنا في مسيرة السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف لابد لنا أن نمر ولو مرور الكرام على عدة نقاط جسدت شخصيته وكانت أبرز الدعامات التي شكلتها (وهذا من خلال معرفتنا الوطيدة به طوال عقود من الزمن من جهة ومن شهادات العديد من المعارضين المخضرمين وقد أجملناها في عدة نقاط) :

1. أن السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف وأذنابه قد دأبوا على لعق أحذية الأمريكيين والبريطانيين وغيرهم، وإبلاغهم بكل صغيرة وكبيرة في ليبيا، إما من أجل حفنة من الدولارات أو أملا في أن تحملهم أسنة صواريخ هؤلاء وأولئك إلى سدة الحكم في ليبيا.

2. أن السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف والشلة المحيطة به قد أثروا بصورة مشبوهة وانتفخت جيوبهم وتكاثرت مشاريعهم في الوقت الذي موهوا فيه حسابات تنظيماتهم، ومع ذلك لم يكفوا عن التلفع بلباس النزاهة والأمانة والشرف.

3. أن كل تصرفات السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف تفتقر إلى الديمقراطية رغم أن كلمة الديمقراطية ذاتها قد تعبت من ترديد العميل المقريف لها.

4. أن السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف قد غرر بالشباب الليبي وزج به في مستنقعات دامسة الظلام من أجل أوهام لا توجد إلا في رأسه، في الوقت الذي لم يرتضي فيه ذلك لأبنائه وإخوته، والذين عاشوا حياتهم بالطول والعرض

5. أن هناك حالة من الخواء الأيديولوجي تعتري السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف جعلته في حيرة وتخبط لا يدري كيف ينفس عنهما.

6. أن السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف لا تعنيه المصالح الوطنية الليبية بقدر ما هو مريض بحب الظهور والزعامة والطبل والرقص في الزفة واللهث وراء المنافع الذاتية المادية والمعنوية.

7. أن كل أفعال السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف تفتقر إلى برنامجيات واضحة أو أجندات محددة، كما تنم كل تحركاته عن حالة من الجنون وذلك بسبب اليأس التي وصل إليها.

وهذه المرحلة الحساسة جداً (التي سنتكلم عنها في حلقتنا اليوم) والتي تمثلت في فترة ما بعد الرباط 1982حيث كان لابد لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية من أن تشكل بمساعدة_طبعا_ من السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف نواة للتدريبات العسكرية كما أسلفنا في حلقتنا الماضية, وتوقفنا في شئ من التفصيل عند نقطة معينة وهي محاولة اغتيال القذافي فيما عرّفته الجبهة فيما بعد باسم عملية باب العزيزية.

وحلقتنا هذه بإذن الله سنقسمها إلى جزئين رئيسين:

الجزء الأول يتمثل في التعريف بهذه المجموعة المغرر بها ومكان تدريباتهم وعلى من تلقوا تلكم التدريبات.

الجزء الثاني هو شهادة لأحد الضباط الرئيسين الذين أشرفوا على تدريب هذه المجموعة وبعض التفاصيل الخطيرة جدا والتي تكشف وبجلاء حقيقة السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف.

الجزء الأول..

مما لا يستطيع السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف إنكاره أن معظم أفراد هذه المجموعة هم ممن أرسلتهم ليبيا للدراسة في الخارج أو كممثلين لها في دول العالم فغرر بهم ورجعوا حرابا غرسها السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف بيده الآثمة في ظهر الوطن ليبيا الذي جعل منه سفيرا فأبى إلا أن يكون جاسوساً عميلاً وأزهقت بسبب عمالته وغدره أنفس وأتلفت أرواح.

ولعلنا سنذكر بعضا من هؤلاء المغرر بهم وأماكن بعثاتهم على سبيل المثال لا الحصر: محمد هاشم الحضيري& مصطفى الجالي أبو غرارة& أسامة السنوسي شلوف& الخفيفي& شكري السنكي& محمد الحاسي& دخيل(الهيئة العامة للتصنيع الحربي" التابعة لرئاسة الأركان بالقوات المسلحة، في 31 مارس 1981 إلى ألمانيا في شركة سيمنس)& المهدي رجب إلياس (اليونان1981)& أحمد احواس (قائم بالأعمال الليبية في غويانا)& وزج بكل من محمد ونيس الرعيض& عبد الله الماطوني& جمال السباعي& كمال الشامي& مجدي الشويهدي& عبد الناصر الدحرة.

وأما بالنسبة لمكان تدريباتهم والتدريبات التي تلقوها فسنعرض لها بالتفصيل الممل في شهادات ضباط ومعارضين عاصروا هذه الأحداث بل وكان لهم تأثير جوهري في بعضها.

الجزء الثاني:

وحيث أن معظم الحقائق في عالمنا المعاصر لم تعد متاحة إلا لدى أجهزة المخابرات؛ فقد كان لزاماً علينا أن نتحرى ونستوثق من ضباط عركوا هذا المجال وواكبوا عملية تحول السفير السابق الجاسوس الحالي المقريف من مجرد لص هارب إلى عميل للمخابرات الأمريكية يحمل رقماً في دهاليزها.

ولم نجد أفضل من الرائد عزت عبد السلام السنهوري الذي عمل في أوائل الثمانينات كضابط برتبة ملازم في شعبة ليبيا بجهاز أمن النميري، ثم ضابطاً بالاستخبارات العسكرية في عهد المشير سوار الذهب، ثم مديراً لمكتب مسئول الأمن بحزب الأمة إبان حكم الصادق المهدى. وفي الثلاثة عهود كانت له مع المقريف وجماعته لقاءات ومواقف منحته الكثير من العائد المعلوماتي عما يسمى بالمعارضة الليبية، لاسيما وقد كان المشرف المباشر على تأمين أعضائها ومقارها وإذاعتها ومن ضمن الفريق المكلف بالإشراف عليها.

وقد أجرينا معه حواراً مطولاً استبانت فيه كل خفايا وأسرار المقريف وجبهته المزعومة.. كان نصه:

س1- كيف ومتى بدأت علاقتك بالمقريف وجماعته؟

• عشقت العسكرية منذ صغري، فقبيلة الجعليين التي أنتمي إليها معروفة بانضباطها وتفوق أبنائها في هذا المجال، وأجدادنا سجلوا أسماءهم في أنصع صفحات تاريخ السودان، كالملك نمر وغيره. وبحكم البيئة والرغبة نبغت كما يقولون، فحطت بي الرحال – للأسف - في جهاز أمن النميري، ذلك الشخص الذي باع وطنه وشعبه.. بل ولاجئيه من اليهود الفلاشا للكيان الصهيوني، وكان من الطبيعي أن يتآمر المذكور على جيرانه العرب والأفارقة. وبالفعل، وبعد استغلال الترابي لجهله؛ حيث نصبه إماماً للمؤمنين وانتزع له البيعة بالإكراه، صدرت التعليمات لجهاز الأمن بتسخير كافة الإمكانيات البشرية والمعلوماتية لتدمير ليبيا واغتيال العقيد القذافي تحت إشراف ضباط من الـC.I.Aكانوا قد حضروا للخرطوم خصيصاً لهذا الغرض. وحيث أنني كنت في شعبة ليبيا التي تم دعمها من كافة النواحي، وتحولت إلى فرع أسموه التنفيذ والمتابعة، فقد كنت مواكباً ومطلعاً على كل الأحداث قبل حضور المقريف وجماعته، ومسئولاً عنهم بعد حضورهم، بل وعن الاتصال بهم بعد خروجهم، وذلك بالطبع بسبب تقلبي في كافة الأجهزة الأمنية.. ليس تغييراً لمبادئ، وإنما اقتناعاً بدوري كضابط مخابرات محترف يحمي التراب الوطني ويفديه وليس مَن يتولى السلطة فيه، وقد شهد لي رؤسائي وقادتي بذلك.

س2- إذاً، ما قصة حضور المقريف إلى السودان؟

• بعد انقلاب النميري في 25 مايو 1969، تصدى له الهادي عبد الرحمن المهدي إمام الأنصار، وأخذ يعبئ أنصاره ومريديه في معقله بجزيرة آبا وسط السودان، مما حدا بـالنميري أن يقصف المنطقة بأسرها بالطائرات الحربية، فاستشهد الألوف وأُسر المئات وانطلقوا حفاة عراة نحو الجارة أثيوبيا، فمنهم مَن قُتل على الحدود بدون محاكمة كالإمام الهادي نفسه ورفاقه، ومنهم مَن نجا بجلده ووصل أرض منليك سالماً، وهناك صدمتهم المفاجأة؛ فالإمبراطور هيلاسلاسي كان يخشى غضب النميري واستغلاله لآلاف اللاجئين الإريتريين والأثيوبيين الموجودين بالسودان ضده، فطلب منهم المغادرة سالمين إلى حيث شاءوا.ولم يجدوا سماء تظلهم وأرضاً تأويهم إلا في الشقيقة ليبيا، التي استضافتهم وكرمتهم عملاً بتقاليد الإسلام وحقوق الجوار، فطاش صواب النميري الذي أعمى الحقد قلبه وضميره، فطالب رسمياً بتسليمهم له.. واستندت الجماهيرية إلى اتفاقية جنيف الدولية 1933 والتي تقضي بعدم تسليم اللاجئين السياسيين، وكذا إلى غيرها من المعاهدات والاتفاقيات، كما دعمت موقفها بالأحاديث النبوية والأمثال العربية التي تنهى عن ظلم المستجير وكون تسليمه أعزلاً لعدوه لا يعدو إلا أن يكون عملاً غير أخلاقي.. فبُهت الذي كفر، وأقسم كاذباً أن يقتلهم في ملجئهم وأن يزعزع الأمن والاستقرار في ربوع ليبيا ويغتال قائدها. وتلقفت المخابرات الإسرائيلية الكرة، وأوعزت للـ C.I.A بدعم نظام النميري وتقويته عسكرياً وأمنياً لغزو ليبيا، التي أقضت مضاجع إسرائيل بدعمها المستمر للفصائل الفلسطينية وتبنيها للقضايا القومية، ولكن المخابرات الأمريكية رأت أن للدعم العسكري اللامحدود أضراره المستقبلية، لاسيما وأن ليبيا تعوم فوق بحيرة بترول، ويمكنها شراء أسلحة موازية، فيستحيل الانتصار عليها، وربما أيضاً يطاح بـالنميري فتؤول تلك الأسلحة لنظام وطني يوجهها إلى إسرائيل نفسها، ولذا تقرر أن يكون الدعم أمنياً ومخصصاً في اتجاهين، الأول: يتعلق بالتخلص من العقيد القذافي الذي أضحت تصريحاته وميوله تشكل تهديداً للأنظمة الدائرة في فلك المخابرات الأمريكية. والثاني: بتقوية القبضة الأمنية القمعية على الشعب السوداني حتى يستكين لجُلاده، وبالفعل تم اختيار مجموعة من كبار الضباط للتدريب في واشنطن وتل أبيب، وحضر إلى الخرطوم طاقم من أكفأ ضباط المخابرات الأمريكية ضم ميلتون الشهير بGARET GOONSE,MR,MELT والبروفيسور بوب وجاك ماكفيث، وتم التنويه لأعضاء جهاز الأمن السوداني بأن للطاقم الأمريكي حق الدخول لمكاتب محظورة حتى على معظم الأعضاء، وفتح الملفات السرية وحضور الاستجوابات والاطلاع على كافة القضايا الأمنية، مع سلطة إعطاء الأوامر للكل بدءً برئيس الجهاز وحتى أحدث جندي. وحيث أن الناس على دين ملوكها، فقد باع معظم قيادات الجهاز أنفسهم ودينهم بدنياهم، وصار عبرهم الجهاز عبارة عن كتيبة ملحقة بالمخابرات الأمريكية تأتمر بأمرها وتنفذ مخططاتها، واستغلت الولايات المتحدة هذا الخنوع والتخابر أسوأ استغلال، فعاثت في العلاقات الليبية - العربية عموماً والليبية - السودانية خصوصاً فساداً لا نظير له، وأوهمت النميري وحاشيته - عبر تقارير يفبركها جهازه نفسه - بأن القذافي يخطط للإطاحة بهم واغتيالهم، فخاف النميري وذهل، وطلب الرأي والمشورة عارضاً خدماته من كل نوع، فأفتوه بأن خير مَن يخلصه من القذافي هو ليبي موثوق به في رئاسة الـC.I.Aيدعى محمد يوسف المقريف، وما عليه إلا الاتصال به في واشنطن ودعوته ومنحه الأرض للمعسكرات والإذاعة، وسيتولون هم والأجهزة الموالية لهم دعمه بالمعدات العسكرية المتطورة والخبراء، كما سيتكفلون بكافة نفقاتهم، مع التوصية للكونجرس بزيادة الدعم المخصص للسودان. وابتلع أمير المؤمنين الطعم، وأرسل المرحوم التجاني أبو جديري وأحمد عبد الرحمن، من قيادات جبهة الترابي، لدعوة زميلهم في حركة الأصوليين العالمية عاشور الشامس ليُحضر محمد يوسف المقريف، وأذكر أن الترابي حينها كان مستشاراً للرئيس النميري ووزيراً للعدل!!

• وبالفعل حضر المقريف للخرطوم لاهثاً لجمع المزيد من الثروة، ورافلاً في الزي السوداني كاملاً (عبارة عن جلباب وطاقية وعمامة وعباية) مدعياً أن ذلك من حبه للشعب السوداني ورئيسه!! وحيث أنني كنت ضابط الأمن المرافق له، فقد شهدت له ثلاثة لقاءات مع النميري، نوقشت فيها بالتفصيل عملية اغتيال القذافي. وعبر النميري للمقريف أمامي عن مشاركته أمل التخلص من العقيد القذافي، ثم أثنى على ما تقوم به الـC.I.A في هذا الصدد، وذكر العديد من الأمثلة على خبراتهم ونجاحهم في محاولات مشابهة. وأصدر النميري أوامره لوزير شئون الرئاسة بمنح المقريف قصر الضيافة رقم (2) الكائن (25) ش الجمهورية كمقر له ولجبهته، على أن يتولى جهاز الأمن استئجار المنازل الآمنة لجماعته ومنحهم جوازات سفر سودانية دبلوماسية وعادية، وكذلك اختيار معسكرات التدريب ومدها بالمعلمين، مع إدخال كل الأسلحة والمعدات الواردة من الخارج لهم بدون إطلاع سلاح الأسلحة - الجهة الوحيدة المناطة بذلك رسمياَ في الجيش السوداني - عليها، وذلك لسبب - تبينته فيما بعد - وهو أن المعدات والأسلحة والذخائر التي جلبوها كان معظمها صناعة إسرائيلية!!

س3- من أين بدأ المقريف نشاطه .. وكيف؟

• المقريف كان أداة للتنفيذ، وقد أمرته الـ C.I.Aباختيار مجموعة من عناصره لبث برامج الغرض منها غسل مخ BRAIN WASHING الشعب الليبي، يقوم بإعدادها خبراء أمريكيون عبر إذاعة متقدمة انطلاقاً من الأراضي السودانية. ثم كانت الخطوة الثانية متمثلة في المعسكر والتدريب وخلافه.

س4- ما قصة معسكر التدريب الذي أنشأته المخابرات الأمريكية ودعمته المخابرات الإسرائيلية لجماعة المقريف بالتفصيل؟

• تم اختيار هذا المعسكر - واسمه معسكر مندرة - في منطقة جبل الأولياء العسكرية بالقرب من الخرطوم، أطلق عليه أمنياً اسم (كافكو-1) وكلفت بالإشراف على نقل عناصر المقريف إليه ليلاً وبشكل سري للغاية. وبدأنا تدريبهم في مطلع الأمر على دورة فدائيين متقدمة، شملت النواحي الأمنية والعسكرية والعقائدية تحت إشراف جهاز المخابرات الأمريكية، وتنفيذ مشترك ضم جهاز أمن الدولة السوداني وبعض المختصين بالقوات المسلحة، وشارك فيه من الجانب السوداني كل من:
* اللواء أمن عثمان السيد (وزير الدولة للأمن الخارجي بجهاز أمن الدولة وسفير البشير حالياً بأثيوبيا).
* العقيد أمن الفاتح محمد أحمد عروة (مدير فرع التنفيذ والمتابعة ومستشار البشير للأمن ومتقاعد الآن).
* الرائد حيدر حسن أبشر (رئيس شعبة ليبيا بالمخابرات الخارجية والمدير الحالي لشركة S.S.L لأمن المنشآت والتابعة للسفارة الأمريكية بالخرطوم).
* الرائد عبد المنعم فودة (من قوات الصاعقة-الفرقة الرابعة المحمولة جواً).
* الرائد تاج السر عبد الله (من إدارة الاستخبارات العسكرية).
* النقيب حسين عبد الكافي (من سلاح الأسلحة – شعبة المفرقعات).
* الملازم عزت السنهوري (ضابط الأمن المكلف بمتابعة وتأمين المعارضة الليبية في السودان).

ومن الجانب الأمريكي تولى القيادة الفعلية للمشروع الطاقم المخابراتي الذي أشرت إليه من قبل، بالإضافة إلى روبير والذي وصل مع المعدات العسكرية، وكان يتحدث العربية بطلاقة ولكن بلهجة شامية مما زاد من شكوكنا في أنه ليس إلا ضابطاً في المخابرات الإسرائيلية (الموساد) "طبعا سنفرد حلقة كاملة بالأدلة التي تثبت تورط المقريف في التعامل مع الموساد أيضاً!!!". وبدأنا تسجيل وتحليل كل ما يجري في المعسكر، وإن كان ذلك محل اطلاع ومراجعة وحذف وتوجيه مسئولي المخابرات الأمريكية، وقد بلغ عدد العناصر التي تم تدريبها ثمانية عشر فرداً، تم تقليصهم فيما بعد إلى أربعة عشر فقط، ثم أعطى مستر ميلت إشارة البدء بعقد دورة عقائدية لكبار السن ورجال الصف الأول من المعارضة الليبية كي يقوم هؤلاء بتلقينها فيما بعد للعناصر المدربة عسكرياً وأمنياً.

وقد بدأنا التدريب الفعلي في أوائل عام 1983، ومن التدريب على الأسلحة التقليدية الموجودة بمخازن الجيش السوداني، كبنادق G.M.3، انتقلنا بالعناصر إلى التدريب على استخدام رشاشات عوزي الإسرائيلية وصواريخ ميلان الفرنسية (وهي صواريخ موجهة مضادة للدروع، يبلغ طول الواحد منها 0,75 متراً، وقطره 115 ملم، ويبلغ وزن الإطلاق 6.75 كجم، وسرعته تتجاوز 200 متر في الثانية، فيما يصل مداه الأفقي الفعال إلى 2000 متر) والتدريب كذلك على مناظير الرؤية الليلية وكواتم الصوت، وكيفية صنع القنابل والمتفجرات عظيمة الأثر بالمكونات المحلية. وبناء على تعليمات عليا، تم تكثيف الدورة واختصار مدتها الزمنية بهدف التعجيل بتسريب فريق الاغتيال لليبيا وتنفيذ الخطة المرسومة له.

س5- هل توقف الدور الأمريكي الموسادي عند هذه المرحلة؟

• لا، فقد أحضر جاريت جونس مظروفاً به صورة بالأقمار الصناعية لمنزل العقيد القذافي قمت بتسليمها للمقريف شخصياً، وأبلغته توجيهاً شفهياً من العقيد عروة بضرورة تحرك مقاتليه فوراً، وبالفعل أعطاني المقريف جوازات المجموعة، وتوجهت إلى وكالة سفر سودانية وحجزت لهم - كنوع من التمويه - لثلاث دول، على أن يتم اللقاء الأخير في تونس في موعد محدد لقنته لهم، كما أجرينا معهم عدة لقاءات تنويرية شرحنا فيها القواعد الأمنية بشأن السلامة الشخصية والاطمئنان على استيعابهم لما درَّسناه لهم من قبل في هذه الناحية. وفي الحقيقة، كانت الدورة العقائدية التي لقنتها لهم الـC.I.Aعبر "عواجيز" الجبهة قد نجحت في غسل أدمغتهم تماماً من أية ميول وطنية أو إنسانية، وهذا طبيعي لصغر سنهم؛ فلم يكن أكبرهم يتعدى الخمسة والعشرين عاماً، ومعظمهم كانوا طلبة في دورة دراسية بشركة سيمنز العالمية بألمانيا، وغرر بهم المقريف عبر مساعده سليمان الضراط ومنَّاهم بوزارات وسفارات جعلتهم يرتكبون حماقة الإقدام والمجاسرة دون أدنى تفكير عقلاني، ولذا لم نتبين مدى استيعابهم لما تلقوه. ورغم أن الأمريكيين كانوا معنا في الصورة، إلا أن دورهم تراجع في هذه المرحلة الأخيرة.

س6- لماذا تراجع الدور الأمريكي في آخر مراحل العملية كما ذكرت؟

في تقديري أنهم توجسوا من فشلها بسبب رعونة فريق الاغتيال الذي تم تدريبه، وكي يبدو الأمر في هذه الحالة كأنه صراع ليبي- ليبي. (حيث إن رؤية الوكالة نفسها لهذه المجموعة المعارضة لم تكن تقل قسوة عن رؤية مَن انشقوا عنها عام 1987.. وقد كان جون ماكماهون - المخابراتي المحترف - يعلم أن هذا الجنون لن يلبث إلا أن يقود إلى كارثة، كما حذر من الاقتراح باستخدام المجموعة المعارضة في اغتيال القذافي قائلاً: "إن مجموعة المعارضين مثل صبية الكشافة لا يستطيعون إنزال زورق مطاطي على الساحل الليبي" وفي مناسبة أخرى، وتحديداً بعد ذلك بعام، تضمن تقرير سري لوكالة المخابرات المركزية تحليلاً أشار إلى أن" خصوم القذافي في المنفي لا يشكلون أي تهديد لحكمه، انطلاقاً من أنه إذا كانت هذه المجموعة لا تستطيع إنزال زورق مطاطي على ساحل ليبيا، وإذا كان الأمريكيون يريدون اغتيال القذافي ولا يريدون - في نفس الوقت - الظهور بمظهر مَن اغتاله، فإنه من الطبيعي أن تتحول هذه المجموعة المعارضة في هذا السياق إلى قفاز، لا يستطيع العمل بمفرده ولكنه يغطي أيدي مَن يستطيعون", وحين وصل الأمر إلى الكونجرس، تساءل عضوان منه: "كيف يمكن تجنب خطة دعم المبعدين والمنشقين الخاصة بالاغتيال طالما أن حركة المبعدين تريد قتل القذافي؟ إن دعم القَتَلة يعتبر ارتكاباً لجريمة قتل". ويقول وودورد إن العضوين أرسلا رسالة سرية جداً إلى الرئيس ريجان يحتجان فيها بعنف ويتساءلان.. كيف لا يعتبر ذلك اغتيالاً؟ وأجاب البيت الأبيض.. بأنه لا توجد خطط للاغتيال، وطلب من العضوين أن يحذفا كلمة "اغتيال" الملهبة من رسالتهما، ولكن العضوين رفضا, ثم يعود الكاتب الأمريكي ليقول: "لم يظهر أن المعارضين الليبيين كانوا أقوياء أو يقومون بواجباتهم، وكان ماكماهون على حق عندما قال أنهم مثل صبية الكشافة.. ضعفاء وهواة. وقال كيسي أن الحل الوحيد هو السماح لوكالة المخابرات المركزية بالعمل مباشرة ضد القذافي وليس من خلال المعارضين").

س7- كيف كنتم تتابعون أخبار العملية؟

• معلوماتنا كانت تأتي عبر محطتنا الخارجية بسفارة السودان في تونس، وبعد إطلاع ضباط الـC.I.Aعليها كنا نحولها إلى جماعة المقريف، وفي الغالب تكون مع توجيه لهم بإصدار بيانات صحفية في إطار معين، ونفرض على وكالة السودان للأنباء "سونا" أن تذيعها على أساس أن التقاطها من روما، ومن ثم يُتداول الخبر في أوسع نطاق.

س8- ماذا كان رد فعل المقريف بعد فشلها؟

• اعتبرها كسباً ونصراً إعلامياً وكسراً لما أسماه بحاجز الخوف، ورغم أنه السبب الأساسي في الأرواح التي أُهدرت فقد كان منتشياً؛ حيث ارتفع رصيده في دهاليز المخابرات الأجنبية معنوياً ومادياً (– رغم الكارثة التي وقعت – اعتبر مقتل أحمد أحواس نصراً إعلامياً لجبهة الإنقاذ حسبما صرح المقريف وهو برفقتي" أنا الدكتور يوسف شاكير" وفتحي لياس، وبالتحديد في سيارة فتحي لياس من طراز Buick sky lark على كوبري 15 مايو بالقاهرة؟!.. وفي مصلحة من كان يصب هذا النصر المزعوم الذي راح العشرات ضحايا له؟.. هل في مصلحة الجبهة؟.. أم في مصلحة من كان يخشى أن ينتزع منه أحواس الأضواء؟.. ). (1)


س9- بخلاف التدريب، هل شارك أي سوداني في نشاطات جماعة المقريف؟

• في الحقيقة.. لا، بخلاف اثنين، الأول: جمال محمد حسن المعروف بجمال حسنين والذي أوصى عليه الترابي للعمل موظفاً معهم، وعمل بعد ذلك ضابطاً بالإدارة الفنية لجهاز أمن السودان، والثاني: سوداني الجنسية من أصل ليبي، وأسرته مقيمة في السودان منذ أمد بعيد، وهو يونس الجويلي.

س10- هل تغيرت خطط جماعة المقريف بعد ذلك؟

• نعم، حدث تغيير كان سببه الأول الاعترافات التي أدلى بها أسامة السنوسي شلوف - أحد أعضاء فريق الاغتيال - خلال التحقيق الذي أجري معه بعد اعتقاله وأذيع على الملأ. وحقيقة لم أكن مطلعاً على كل المتغيرات، ولكن علمت بها من كتاب "سراب طرابلس.. القصة الكاملة لمحاولات المخابرات الأمريكية لاغتيال القذافي".

س11- هل هناك شخصيات ليبية كانت تدعم المقريف بخلاف الدعم الممنوح له من قبل المخابرات الأجنبية؟

• سمعت من شقيقه أنور المقريف أن هناك شخصيات ليبية تفرض نفسها على الجبهة بسبب الأموال التي تدفعها لها، ووصفها بأقذع الألفاظ والتي يعف اللسان عن ذكرها، وأذكر من الأسماء التي قالها: مصطفى بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق، حسين سفراكس سفير ليبيا السابق في الأردن وعزيز شنيب الذي كان ضابطاً بالجيش الليبي، وللمقريف معه قصص تحتاج لقاء آخر، كذلك أذكر من الأسماء التي قالها لي أنور كلاً من محمود دخيل وآخرين.

س12- هل اتصل المقريف بالحكومات السودانية التي أعقبت الإطاحة بالنميري؟

• نعم، ففي عهد سوار الذهب بعثوا برسالة لكل من اللواء فارس حسني عضو المجلس العسكري الانتقالي ومدير الاستخبارات العسكرية، طالبين منهما أسلحتهما التي تحفظ عليها الجيش ضمن الأسلحة الموجودة في مخازن جهاز أمن النميري، والشهادة لله، رفض اللواء فارس أي نوع من التعامل معهم واعتبرهم مرتزقة، ولم يكتفِ بذلك؛ بل أعطى أوامره بمصادرة أسلحتهم لصالح القوات المسلحة السودانية.

أما في عهد الصادق المهدي، وإبان مرافقتنا له في زيارة لدولة عربية، اتصلوا بنا وطلبوا مقابلته، فأوفدني مع العميد عبد الرحمن فرح مستشار الأمن الوطني، وزميلي الرائد عمار خالد من أمن الحزب لمقابلتهم، وبالفعل التقينا بعزات المقريف شقيق محمد يوسف المقريف، والذي تحدث معنا مطولاً عن مؤامرات ادعى أن القذافي يحيكها ضد السودان بسبب عدم إيمانه بالحزبية والأحزاب، وختم المقابلة برجاء أن توافق الحكومة السودانية على فتح قناة اتصال معهم عبر أية سفارة أجنبية بالخرطوم، ورفعنا الأمر من جانبنا للسيد رئيس الحزب والوزراء والذي لم يُعِر الأمر أدنى التفات.

س13- قبيل هذه المحاولة اعتقلتم في أمن النميري المواطن الليبي جمال على أبو بكر، الشهير بجمال بكار.. فهل لذلك علاقة بمحاولة المخابرات الأمريكية - عبر عملائها - اغتيال القذافي أم لماذا تم ذلك؟

• جمال بكار اعتقلناه مع قريبه على السنوسي النفار ولكن ليس بسبب المحاولة، وإنما لمعلومات تلقيناها من جبهة المقريف أكدوا فيها أن المذكور قادم من باريس لينفذ عمليات تخريبية، وأنه يعمل في الأمن الليبي، وأنه التقى في باريس بضابط مخابرات ليبي يدعى يونس بلال و.. و.. وتبين لنا فيما بعد أن البلاغ كان نوعاً من تصفية الحسابات الشخصية بين العائلات الليبية المقيمة في السودان.

س14- ذكرت في إجابتك السابقة أن هناك عائلات ليبية مقيمة في السودان، نود توضيح ذلك؟

• نعم، وهي عائلات أبو صفيطة والجويلي والنفار وبوبدرية، وهذه العائلات كانت تتاجر أصلاً في الكتكت (العملة التشادية) بالإضافة لتجارة الحدود. وبمرور السنين أصبح أعضاؤها في وضع اقتصادي جيد، فمنهم من يملك المصانع والمزارع والمتاجر، ومعظمهم حاصلون على الجنسية السودانية والتي كان الحصول عليها في السابق سهلاً للغاية، وإبان عداء النميري لليبيا وقفت هذه العائلات على الحياد حباً لوطنهم الأول، وتقديراً للبلد الذي استضافهم، فأكبرنا فيهم موقفهم إزاء أهلهم؛ فمن لم يكن فيه خير لأهله.. لن يكون فيه خير لغيره، وهذا بالطبع باستثناء آل الجويلي والذين ما زال ابنهم يونس يعمل مع جماعة المقريف.

س15- في بداية الحوار ذكرت أن الأمريكيين أقاموا إذاعة سرية موجهة ضد ليبيا تبث برامجها من السودان، وهم الذين كانوا يقومون بإعداد المادة الإذاعية والبرامج ثم تُترجم للعربية وتُسلم للمنشقين الليبيين لإذاعتها. نود توضيح هذه النقطة للرأي العام؟

• بالفعل تم كل ذلك، والغرض منه - كما أسلفت - كان غسل مخ الشعب الليبي حتى يتقبل التدخل الأمريكي في شئونه، ورغم أن الإذاعة الحكومية السودانية في أم درمان لا يصل بثها إلى أقاليم السودان الأخرى - بسبب شح الإمكانيات - فقد كانت هذه الإذاعة تُسمع بوضوح في العالم كله، فقد حكى لي يوماً العقيد حسن عبد الحفيظ - أول رئيس لشعبة ليبيا بجهاز أمن الدولة وقنصل السودان في روسيا - أنه يسمعها بوضوح في موسكو!! وقد استند وزير خارجية نظام النميري إلى قدرات وإمكانيات الإذاعة الحكومية السودانية التي ذكرتها في اجتماع وزراء الخارجية العرب بتونس سنة 1983 لبحث الشكوى الليبية ضد انتهاكات نظام النميري للاتفاقيات الدولية والعربية وحقوق الجوار والإسلام، وسماحه بممارسة أنشطة تخريبية تمولها المخابرات الأمريكية من أراضيه ضدها. عموماً، كانت الإذاعة على أحدث مستوى، ويشرف عليها هندسياً وأمنياً خبراء الـC.I.A، ويذيع مادتها أعضاء جبهة المقريف، وقد كان منوطاً بذلك كل من على عبد الله الضراط، فتحي علي بوعود، مجدي الشاعري، عبد الغني عبد السلام صوفية والرشيد، وقد كان التسجيل يتم في استوديو خاص بها يقع في منطقة شمبات، وهو عبارة عن منزل مستأجر من العقيد قاسم أحمد قاسم - قنصل السودان حينها بالسعودية - في حين كان البث الإذاعي يتم من منزل مستأجر من العقيد أمن أحمد محمد الجعلي مدير المخابرات المضادة. وبالإضافة لذلك، كان المنضمون للمقريف والموجودون في قصر الضيافة رقم 2 والـ RUN WAY ومنزل اللواء عثمان السيد بمدينة النيل ومنزل العقيد الفاتح عروة، ملزمين بكتابة تقارير يومية وأمنية عن ليبيا وشعبها، ومتابعة المصادر المفتوحة، ورفع ذلك لضباط الـC.I.Aبدعوى إنزالها كمادة خبرية بالإذاعة!!.

س16- الأخ السنهورى.. لا تدخلاً في الشئون الداخلية ولكن توضيحاً للحقائق وتدوينا للتاريخ.. ما قصة هذه البيوت التي ذكرت أنها مستأجرة لجماعة المقريف من كبار ضباط أمن النميري؟ ومَن الذي كان يدفع إيجارها؟

• في إطار الهيمنة الأمريكية على جهاز الأمن، كان لا بد من التأثير على كبار الضباط للعمل وفق مخططاتهم وعدم كشفها، لذلك طلبوا استئجار منازل آمنة بمبالغ ضخمة لأعمال سرية، شريطة حراسة عناصر الجهاز لها، مع عدم إطلاعهم على ما يدور بها إلا فيما ندر. وبالفعل، قام العقيد أمن الفاتح عروة بتحديد اثني عشر منزلاً كان أصحابها مرغوبين للتعامل أو متعاملين أصلاً مع الـC.I.A، وللتاريخ، فمنزل العقيد قاسم أحمد قاسم وُضع ضمنها للتمويه؛ فهو ضابط نزيه ووطني، وقد استؤجر منه بثمن بخس.. كما انصبت لعنة الشعب الليبي على مَن خانوه من أبنائه في المنزل فانهارت أرضيته من الداخل وتشققت جدرانه، وكلف ترميمه صاحبه أكثر مما دفعوه لإيجاره بمراحل، أما منزل اللواء عثمان السيد وزير الدولة للأمن الخارجي فقد كان مؤجراً بخمسة آلاف دولار شهرياً.

فاتني أن أذكر أن مرتبي كضابط بذات الجهاز حين ذاك كان يبلغ ثلاثمائة وستين جنيهاً (تعادل حينها حوالي خمسة وسبعين دولاراً فقط لا غير).

س17- بصفتك كنت أيضاً ضابطاً للاتصال بين جماعة المقريف والسلطات السودانية، هل طلب المقريف من الرئيس النميري التوسط له لدى بعض الشخصيات العربية والدولية لدعمه؟

• كثيراً ما كان يحدث هذا، ولكني أذكر منه واقعة علقت بذهني لغرابتها؛ فقد اتصل الحاج غيث عبد المجيد بمدير الأمن الخارجي طالباً ترتيب مقابلة عاجلة للدكتور المقريف مع اللواء عمر الطيب النائب الأول للنميري ورئيس جهاز الأمن حينذاك، بدعوى أن الأمر مهم للغاية، وكإجراء طبيعي كُلفت باستطلاع الأمر شفاهة، مع ترك حرية التقييم لي، فإن وجدته يستحق العرض على النائب الأول، عليّ أخذ مكتوب منهم بذلك. وبالفعل التقيت بالمقريف الذي حدثني - على انفراد - عن السبب في طلب المقابلة، وهي بشأن رجل أعمال ليبي يدعى يحيى عمر، وأن له علاقات على مستوى العالم، كما أنه مقتدر جداً ومحبوب في الخارج.. ولذلك يلتمس من اللواء عمر الطيب الاتصال به وتزكيته لديه، كما أقسم أن في ذلك مستقبل التنظيم كله، وأنه وجماعته لن ينسوا هذه الخدمة أبداً. وحتى أكون صادقاً معك، فقد أغراني ثناؤه على أخلاقيات هذا الرجل للتعرف عليه عن كثب؛ فأخذت منه مكتوباً بذلك ورفعته لرؤسائي، مصحوباً بالتوصية على أهمية التوسط له، نظراً للفوائد المترتبة على ذلك. وبالفعل وبعد موافقة Mr.GARRITE JONES ضابط المخابرات الأمريكي المشرف على المعارضة الليبية بالخرطوم، تقرر أن تقوم إحدى محطاتنا الأمنية الخارجية بالاتصال بالمعني في ذات الدولة العربية التي أبلغنا المقريف أن المذكور يتردد عليها، وبالفعل اتصل به قنصلنا هناك، وكان رده مخيباً للآمال؛ فقد رفض المعني وبشدة التعامل والتآمر مع أي جهاز أمني ضد وطنه وقال: (على الأمريكان أن يتركوا الليبيين وشأنهم )، وفيما أذكر أنه استشهد في رده على القنصل ببيت الشعر العربي:
بلادي وإن جارت علي عزيزة ......وأهلي وإن ضنوا على كرام.

س18- ما وجه الغرابة في هذا الرد الوطني والأخلاقي للسيد يحيى عمر؟

• في الحقيقة، الغريب كان تصرف المقريف، فقد انقلب - بقدرة قادر - إلى العداء السافر لمن كان يمدحه بالأمس، وقال فيه أمامي ما لم يقله مالك في الخمر، وكتب مذكرة أخرى كانت موجودة في أضابير جهاز أمن الدولة (الذي حُلَّ بعد انتفاضة الشعب السوداني من غفوته وخلعه للنميري، وتفرقت مستنداته كأيدي سبأ!!).

س19- وماذا جاء في مذكرة المقريف الثانية بشأن السيد يحيى عمر؟

• جاء فيها أن المذكور على اتصال بالعقيد القذافي وعميل له، ومكلف من جانبه باختراق الأنظمة العربية، كما طلب استغلال قنوات اتصالنا الرسمية مع أجهزة الأمن في السعودية وسلطنة عمان لإبلاغهم بذلك حتى يرحِّلوه لبلده.

وهنا تجلت لنا خيانة المقريف وإتقانه لسياسة الترغيب والترهيب مع المواطنين الليبيين في الخارج.

س20- ماذا كان رد النميري أو نائبه على المذكرة الثانية؟

• للأمانة والتاريخ.. لم نرفع الأمر، فقد عقدنا اجتماعاً في رئاسة الشعب للتدارس حوله، واجتمعت الآراء على سذاجة الاتهام، وأنه رد فعل طبيعي لرفض المعني تزكية الجهاز ودعم المقريف مادياً ومعنوياً، فلا يستقيم عقلاً أن يكون المدعو يحيى عمر مكلفاً باختراق الأنظمة العربية ويرفض وبشدة دعوة الأمن السوداني للحضور للخرطوم ضيفاً على النميري وللمدة التي يراها وبالكيفية التي يحددها، وحيث أن شهادتي هذه للتاريخ؛ فإننا في شعبة ليبيا ومن باب الحَيطة حينها، وتطبيقا للقاعدة الأمنية المعروفة (الأمن مبني على الشك) فقد وضعنا اسم يحيى عمر ضمن كشوفات المحظورين من دخول البلاد عبر كل المطارات والمواني والنقاط الحدودية السودانية.

س21- من ناحية أمنية بحتة، ما رأيك في ظاهرة المقريف؟ وما علاجها؟

• في عالم المخابرات، الأسلوب المكيافيللي مباح، فالمصلحة العليا فوق كل اعتبار، وحيث أن لكل دولة مصلحتها فتختلف الوسائل وتتعدد الأدوات.. الولايات المتحدة مثلاً ترى أن العقيد القذافي أصبح أملاً للجماهير العربية في الوحدة والحرية، وتخشى على مصالحها من المدِّ الثوري القومي الذي يمثله، ولذلك جعلته عدوها الأول، وحاربته بكل الوسائل بدءً من الشائعة والاتهام الباطل، ثم استقطاب ضعاف النفوس من الليبيين لاغتياله، وحتى ضربه بالطائرات والقنابل العنقودية، ولولا عناية الله به وبشعبه.. لَلَحِقَ بجده عمر المختار ورفاقه، ولذلك فالمقريف ليس إلا ورقة ضغط في يد المخابرات الأمريكية تستغلها ضد الشعب الليبي كله، والـC.I.Aليست بالسذاجة كي تقول.. ربما يثوب المقريف لرشده ويعود لشعبه، فحتماً تمسك عليه مستندات وصوراً ووثائق لا تمكِّنه من الانفلات منهم.. ولكن مَن معه ومَن يوجه إليهم سمومه هم الذين يجب أن يخاطبهم الرأي الآخر؛ فهو الأقوى لمَن في الخارج؛ حيث يعبر وينقد ويعارض بوطنية وأمانة، وأقرب لمَن في الداخل؛ لأنه المثال الحقيقي على صدق ووطنية بعض أبنائه بالخارج، والذين رفضوا العمالة وكشفوها وتصدوا لها – ومازالوا - غير عابئين بما ترتب ويترتب عليهم من جراء ذلك، فالمعاناة تهون أمام الوطن العربي الكبير.
يتبع.....

د.يوسف أمين شاكير
__________________

(1) تعليق كاتب المقال .


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home