Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

إمرأة من بلادى

طرقات مدوية على باب البيت , يعقبها تكسير وهرج وسوءال اين فلان , ليتم عصب عيناه وتكتيف يداه وليقتاد الى المجهول , تسألت قبل الخروج به اين تأخذوه ؟ اجابوها بأبتسامه صفراء ؟ مجرد ساعه من الزمان . وخرج السجين ليدخل دائره الاعتقال والتعذيب والامتهان .

ماذا فعلت ايها البائس بطرقك على بابها وكيف سمحت لنفسك ان تمس كبريائها بهذه القسوة , بهذا الحقد تمكنت ان تختطفه من دارها ؟ كيف تسوغ لك نفسك المجرمة ان تسرق احلامها ؟؟ اين ستذهب من حقدها وغضبها ؟ اين ستذهب من البركان الاتى من ناحيتها ؟؟

لا تدرى الى مدى سيطول الامر وهى ترتاد المحاكم ومراكز الامن والتنقل بين المطارات داخل اسوار الوطن الواهن . تسأل عن المفقود وما من مجيب .

غاب الحبيب وغاب جميع المدافعين عن الحق . مهزلة ان لايعطى المسجون فرصة للدفاع عن نفسه او ان لا يأتى بشاهد او ان لا يعطى الحق بالطعن فى تزوير ضده . فكل اقواله ملعونة وافعاله مُثبتة . فيساق الى قدره الذى لا يعلمه الا الله علام الغيوب سبحانه وتعالى , فيدخل كهف النسيان الا كهفها هى .

كان لابد ان تُلوى جميع المُسميات وان يتخطى المجرمون المزورون كل العقبات , فلا يصح الا باطلهم ولا يُثبت جُرمهم , ويصبح الخونة العصاة , ابطال شرفاء مُنقذون . فكان لا بد ان يتحدث الصامتون ضد الواقفون على حافة الادانة .

فى الجلسة الاخيرة حاول القاضى ان ينتزع الحكم رغم جميع اساليب الترهيب والترغيب والمراوغة , بأناة وصبر ايوب وبكلمة صادقة شجاعة , يشرح فيها اسباب حكمه ليعطى هذه المرأة الحق فى معرفة مصير المُغيب ولتجد الاجابة اين هو , اين هم ؟؟ الكل يريد معرفة الحقيقة .

كيف تنسى ثوانى ودقائق وايام واسابيع وسنين . طابت نفساً بحكم القضاء فدعت الايام والسنين تفعل بها ما تشاء .بودها لو تغمض عينيها فيمر الوقت ليعود اليها فتراه من جديد لتحتويه بين ذراعيها .

ذهبت تستجدى كأساً من سرابه فهى إمرأة نرجسية جعلت من حبها له صورة من العشق الذاتى . فخوفها عليه وحبها له يدفعاها الى إعادته من جديد ليس لحياتها فقط ولكن الى احشاءها كى تحميه وتقيه شر اخطار العالم وشر اخطار البوليس والترحيل وبوابة ابى سليم . احبته اكثر من كل شىء فهى انانيه . حبه يشدها الى ضفاف ناظريه كى تصدق انه مازال حياً . هو والوطن كلاهما سكنا قلبها , كلاهما اعلنا عصياناً عليها وها هى بينهما جثه ملقية من قبل الغسق الى مقبرة الاحباب السرمدية .

اصبحت صبح بلا شمس وليل ميت بلا نجوم , تخاف ان يخرج فيجد ان نخلة عمرها قد هرُمت . استنجدت وتوسلت , تقدمت بطلب تلو الاخر لدوائر الامن السرية والعلنية . لم تعجز ان تطرق الابواب الموصدة وان تكسر الحواجز المنيعة لتصل اليه . كانت مصرة ان يصل صوتها الى كل اذن , والا فانها قد قررت بتنويم صوتها , فما معنى الغناء بدون ربابة موسيقية .

تنظر الى عصفور قابع فى عشه مسترخياً غير مبالى . يغط فى نوم عميق , تحسده على خلوده لملكوت الفرح و الحرية , تحلم بأن تكون مثله فتطير من النافذة المفتوحة الى حيث يوجد الاسير فى اى مكان لتراه .

اعوام مضت وهو فى كهف الصمت . لا يستطيع رفع راسه , ناكساً اياه تحت سطوة الجبروت واذلال القوة . ترى فى منامها احذية الجلاد الثقيلة , لامعة , قاسية ذات زاوية حادة مدببة تلسع يديه ورجليه . تصرخ من الالم وتبكى من الوجع , هذا ما يحسه , انه فى جسدها هى .

حثالة تاجروا بأوجاعها وبأوجاع وقهر الاسير الذى ضحى من اجل خلاص بلاده من الاستبداد والعهر السياسى . كثيرون استفادوا من دماء وعذابات الاسير النازفة لان غايتهم مال وموءتمرات وحسابات وقصور واستعراض . هوءلاء هم احط الناس سلوكاً وقيماً وخلقاً ,بالطبع لا اقصد العقيد فهو اسواء من ذلك بكثير .

تعيش ايام مُهيبة فى جو روحانى وايماناً مُطلق لا نظير له , تصوم وتصلى وتدعى وتستخير وتتضرع لله بأن يكون الاسير بسلام . يطول سجودها وهى تدعوا الله ان يقر عيناها به , تدعوا ان يكون عملها الصالح بعد وفاتها , تبكى وهى تتخيل انه فارقها يوماً لا تعرفه فلم تكن تتمنى بعده عنها , ولكن البعد فرض عليهما .

احياناً يتغلب عليها صخب الحياة والاولاد فتُرهق اعصابها وتتحمل , لانها إمراة عظيمة , عليها ان تصبر وتتجلد , إمراة تعجز الجبال عن مضاهاتها وتقف الرجولة اعجازاُ وإعزازاً وإكباراً لها . صمدت ولا زالت تصمد بقوة ايمانها وبكلمة تعلمتها مع الاسير : إن الله معنا .

لن ترهبها الاصوات المتعالية من حولها ولن توهنها , ولا تبالى بالنظرات الساخرة ولا بالاتهامات الجزافى بأنها قد فقدت عقلها . إمرأة لا تخاف الصواب اذا وقفت تصرخ بأعلى صوتها , اريد معرفة مصير السجين . وحيدة تصرخ بكل شجن . تصرخ بأعلى صوتها انتقدونى , حاكمونى , اكتبوا كل مالديكم واسجنونى وسجلوا اراءكم ضدى , فبالنسبة لى ليس هناك خطوط حمراء ولا صفراء ولا سوداء , لانه ليس هناك شىء اُخفيه فأنا الغريق فما الخوف من البلل .مشاعرها جارفة حارقة لن يصيبها الوهن .ونظام لا يقدر مشاعر ونفسية إمراة ترفع عقيرة صوتها صارخة لتتعارك مع المجهول . تحزن وتبكى , تريد من يمسح دمعها ويداوى جرحها ويجد البلسم الشافى لحزنها . إمرأة لها الحق ان يُسمع صوتها . إمرأة تواجه تحديات , بعضها على الجبهة الداخلية للمجتمع , متمثلة فيمن لا يشعر بحرقتها , فمنهم من ينظر اليها كأمراة خارقة عن حدود المألوف , ومنهم من يرى انها خرجت عن حدود المنطق والعقل , الكل يفعل ذلك , الاخ والجار , والكل ضعاف الضمير وهى ممن يطلق عليه ضعيف المبالاة . ظهورها قوى وصوتها اقوى ورغبتها صادقة ونارها حارقة وهى الدافع لها . جبهة اخرى لها تهديدات توءرقها وهى السبب فى تعثر طموحاتها لان النظام يقف وراءها . صوتها العالى وشكواها وصلا الى السماء ومعاناتها وخيمة ولكنها لازالت صامدة , لن تتوسل الوساطة . وضع مأساوى تعيشه الامهات , والزوجات , والبنات والاخوات , قريبات السجين .

إمرأة لا تنتمى الى حزب او موءسسة دينية او سياسية وليست من الدُعاة . تخاطب السجين كل مساء فأسمه مكتوب فى قلبها . اسمه احتفال بهى وليلة حقل ندى , وشرايين حبه اذا تعطشت شوق , فهى تسقيها شراب سرمدى . تخاطبه بأنه عليه ان يتذكر بأن هناك بقعة غسق تجعل من صدرها يفيض حُب ابدى .

تسمعه يناديها , وتشعر بحنانه وهو غائب عن مقلتيها . فى كل زمن وكل ساعة هو فى قلبها لا يفصل بينهما فاصل . حديقه حبه مليئه بدفء المشاعر داخل اسوار قلبها , فتسقيها وترويها وتنزع الحشائش التى تحاول ان تقضى عليها .

تعيش فى دنيا تصفو وتنقلب وهذه سُنة الحياة قبل الممات . ذاكرتها زاخرة بالمتاعب والليالى المُثقلة بالمأسى . لحظات موءلمة تمر بها يصعب الالمام بها او التعبير عنها بالكتابة . كُل شىء على عهده فى انتظاره , والبرد يتسلل فى جميع الاطراف دون استئذان , دون رحمة او شفقة. تسأل البرد بالله ان يكون رحيماً بالسجين فهو يعيش عزلة قاتلة . لا زيارات ولا قلم ولا اوراق ولا موسيقى ولا صوت يبعد عنه المساحات المغلقة والحزن والكأبة .

نوم متقطع واحلام مزعجة تراودها , والخوف يتسلل الى اطرافها فيشلها جزءاً جزءاً , تصحوا مذعورة مفزوعة والدمع ينهمر من مقلتيها , صارخةً اين السجين ؟ اين هو ؟ اين هم ؟ماذا فعلتم به ؟ ماذا فعلتم بهم ؟ وما من مجيب .

نظام يرفض الكشف عن مصيرهم , وقائد يتحدى فيعترف , وقضاء يحكم مثل القضاء والقدر ولازال السجين مفقود فى وطنى, لا يعرف له مكان . هل فى الارض او فى السماء؟؟

لك الله يا ام وزوجة وبنت وشقيقة السجين.

تحية لكل إمرأة من بلادى وقفت فى وجه الطاغية امام محكمة شمال بنغازى لتنادى بأعلى صوتها اين السجين .

وطنى 100
6-20-2008


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home