Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

إمرأة من بلادى (4)

عندما تركض بحُرية شخصية فى ارضك , تتعرف على وجوه كثيرة , فتختار منها هذا وذاك لتكون لك رفيق فى مسيرة الايام , خصوصاً عندما ينتابك شعوربالوحدة خلال تجوالك بصحارى الغربة الشاسعة . وجه هذه المرأة رافقنى سنوات عديدة ليصبح امر مفارقتها من اصعب الامور, لما زرعته فى نفسى من شعور غبن وقهر حملته طيات نفسها , ليصبحا بذور للذنب ِ كوطنى بوطنى .

يعيش اهل بنغازى الصامدة الصابرة , شهر رمضان الكريم كعادة جميع ابناء ليبيا , فى حركة دائمة بدون توقف بنغازى فيها نوع من السحر والتفرد لن تجده فى اى مكان اخر , فشخصية مدينة بنغازى هو نتاج اندماج بقية الاجناس بها . الا ان المُجتمع بها يزداد إنكسارً وإندحاراً وتقهقراً وتيهاً , و يزداد خصاماً واستقطاباً ما بين فئتين , فئة الاغنياء والفقراء المُعدمين , وفى يأس الزمان تبدو بنغازى وقد فتحت ذراعيها للجميع ,, كعادتها دائماً .

هى إمراة من بلادى شدتنى صورتها لتُحدثنى عن نظرتها فى الحياة . عجوز ستينية , على ما يبدو انها كانت من اشراف قوم , ولكنها ربما بضغط الزمان او لظروف معينة وصلت الى هذا الحال , لتطويها الايام والدنيا , تحت كنف الفقر والفاقة , وليثقل الزمان كتفيها . إمراة طويلة القامة , نحيلة , نتيجة عدم قدرتها على اشباع حاجتها الضرورية وان مجتمعها قد عجز عن توفير مستلزماتها المادية والمعنوية من مأكل وملبس وحذاء . النظر الى وجهها يعطيك انطباع على انه وجه مألوف لاحد قريباتك , يفصل بين عمرها والزمان مسافة كبيرة

تدخل محل القصاب مُلتفة بجردها , لتقف مُترددة خلف طابور طويل , طابور علم الليبيين الصبر وقوة التحمل وطول الاناء , تفسح المجال لكل زبون يدخل المحل بعدها , ان يقف امامها , استراتيجية تعلمتها ألمرأة ,, دائماً تتحرك الى الخلف , حتى يجعل الله امراً مفعولاً بدولةِ التُعساء .

تلهث كل صباح من اجل التفكير بتبرير لقمة الوجود المُر , لتواجه يوم اخر وكيفية تدبيره بكُل عناء . نظرات بؤس وشفقة وخوف واستجداء , تجعلها تموت فى الدقيقة الف مرة , لا حول ولا قوة لها الا الحلم بالحصول على ما اتت للبحث عنه

خرجت من بيتها ذاك الصباح بعد عناء يوم طويل امضته فى التفكير لتجد طريقاً ما , لتنثر فى افواه من تكفلت بمعيشتهم بلقمة تتسولها على حياء . جاءت الى هذا المحل لتُلملم لقمة هذا اليوم متحملة برد الشتاء واعين وازدراء الفضوليين , لأعيش واُعايش حالة من البؤس التى تعيشه تلك المرأة , والتى لا يختلف حالها عن حال ابناء وطننا فى هذا الزمن الغابر , زمن الفقراء .. .. تقف مُترددة تتأمل فى استغراب , الخرفان المذبوحة وكميات اللحوم الهائلة بكافة اشكالها , مُتسألة بدخيلة نفسها , من له القدرة على شرائها واين تذهب كل هذه الكميات كُل يوم ؟ يقف فى مواجهتها الجزار القادر على نحر مدينة من الخراف والعجول بسكاكينه الحادة , بلا رحمة ولا رأفة , فرحاً بمتعة النحر والنقود والدماء , فتنعكس على روحه ونفسيته ليصبح اشد قسوة . يراها فيسألها بفظاظه " تفضلى يا أمى شنو طلباتك ؟ " تجيبه هامِسة "سقد اللى قدامى يا وليدى " ولكنه مصر على حماية سمعة محله , فمثلها لا وجود لها ههنا , فيعيد السوءال بلهجة اكثر قسوة " تفضلى شنو تبى ؟ " لتدل كلماته على انه عصبى المزاج لدرجة لا تُطاق , اكثر مما توقعت من جزار, فتتقدم على استحياء وبصوت اقل همساً " قطعة ريه يا وليدى نطيب بها شربة لرقاد ارياح وايتام الله يربحك " فيجيبها برأفة جزار "ربى يسهل يا حاجه ,انتى عارفة الريه اتجى مع القلب والقلب الكامل بتلاطاشر دينار !! " فترد عليه بصوت مهزوم " صدقت يا وليدى وسامحنى " لتغادر المحل بكل ادب واحترام متعثرة فى دموع وطنها الغريق , تلعن باعة الوطن , ليزحف على قلبها , الذى ثُقب بشظايا الحاجة , حزن بلد بأكمله.

تماهى الحزن مع نظراتها المكسورة , المُرسلة لبريق الالم والوجع , لتخرِج روحها مكسورة .هذه المرأة ضُربت بيد الفقر والمجهول , لتسقط ادميتها . الفاقة نكهة سكنت قلوب لوعها الفقر واضناها الاحتياج . فليصرخ الكون كُله او ليسقط , فليختفى , او لتُحرق الشموس والاقمار والنجوم , وليهتز الماضى والحاضر والمُستقبل , ليتضاءل الايمان ويخبو بريقه بفعل الجوع والم البطون.
يقذفك هذا الاحساس الى الصحارى والهجرة والهجران , حين لا يبقى بالوجود رحمة ولا فى الكون ضياء . عندما يبكى الوطن لروءيا القلوب المهزومه .

سكننى الفراغ وتهاوت الاشياء من حولى واندثرت المعانى وتبددت المشاعر . حملت ذاتى المكسورة على ذاتى المشلولة . نظرت للناس من حولى , لم ارى الا وجوه تظللها الكأبة . شعرت بغصة جارحة حارقة . لا ادرى ما هو الحل ؟
يا ويل الاحياء الاموات من غضب الموتى الاحياء
دموعها التى ذرفتها وما اطلقه صدرها من اهات ورنين استجداء , لم توقظ كهوف ضمائرهم
من اين لوطننا الغريق بلوح خشبى او بطوق نجاة ؟؟

اُماه اُماه أُماه

اكتُبى بجراحك ما تشائى كما تشائى . فالضمير اعمى والنهار تلفه سُحب الدماء والناس بُخلاء
الناس لم يقروء حاجتك وعوزك , فلون وجهك اسمر ومُغطى بالردا , وصوتك المسكون بحشرجة الصلوات والدعوات ينتفض فى الفضاء
قلوبهم جُلف لن تهزها لغة البكاء ولا الاستجداء
اكتبى بجرحك ما تشائى كما تشائى فعالم العدل لدينا سطروه الاقوياء الاغنياء
اُماه لا تنتظرى الخير من احد , فهذه الارض اصبحت مجرد ذاكرة من التاريخ والاشخاص فى زمن البلاء
لا تنتظرى مِداداً ولا يداً فبلاد المليار ضاقت بأبتسامتك وقلبك الممزق حين سُلط عليك الضياء
اكتُبى بجراحك ان شعبك بأمتك العزيزة قد غفل غفلته الطويلة فقاطعك , وانه لا يعرف معنى للحزن العميق ولا يسمع البُكاء
فلا تكثُرى الرثاء ولا يثبطك الهرا
إنما انثرى جروحك على وريقات للهواء عسى ان تجدى من يسمع الدعاء

اه يا وطنى اه يا ليبيا

اهلى واحبابى

هذه ألمرأة لم تأتى تتسول , ولكن ظروف المعيشة الصعبة والفقر فرضا طقوسا وعادات تعد فى نظر مُعظمنا سلوكا منبوذاً ومتدنياً , ولكن هذه الطقوس والعادات هى الطريق والسبيل الوحيد لكسب الرزق وسد الرمق فى وقت سُدت فيه جميع المنافذ . سادتى , ليس من العبث مقارنة الفقر بأنجازات الفاتح , فليس ثمة شك ان ظاهرة الفقر والعوز والحاجة ظاهرة اجتماعية اهم مظاهرها إنخفاض استهلاك الغذاء وإنخفاض الوضع الصحى والمستوى التعليمى والسكنى والبطالة و إنتشار الفساد وتدنى الاجور . اليوم فتيان وفتيات ورجال ونساء ليبيا الفقراء , بكل الاعمار والمستويات , اصبحوا صورة مُتكررة ومشهد مألوف نراه فى جميع الاماكن , بأبواب البيوت والمساجد , امام المصالح الحكومية وبمفترقات الطرق , كلهم تقاسموا الفاقة والعازة فى وطن ينتموا اليه ولا يملكو منه سنتمتر مربع .اعدادهم فى ازدياد مُستمر , كل يوم , مع زيادة الاسعار وتدنى مستوى المعيشة وحجب المُرتبات .

ما نرصده من مواقف التسول هى فى الحقيقة مشاهد متكررة فى مسلسل حياتنا اليومية , لنتعود عليها ونألفها , لتدفعنا الى ان نقف امامها مصحوبين بشعور الامبالاة , دعنا نتسأل اين الخلل ؟هل فقدنا إنسانيتنا ؟ ام ان السائل والمحتاج فقدا مصداقيتهما ؟

غول الاسعار يواجهه تضخم فى بغض الحال والواقع المر . وطننا وصل الى ذروة الخير ولكن حال المواطن المقهور , كما هو , خيره يؤكل سُحتاً وظُلماً . ذمم اصبحت كل يوم قابلة للانحراف يقابلها إنعدام رقابة ومحاسبة . سرقة الوطن بدأت بسقوط والسقوط بدأ بخطوه خطوه , حتى تم الغرق للاذنين , لينكشف للسُراق انهم مجرد مسامير فى ألة , إن انسحبوا سحقوا وان تكلموا فضِحوا . نسمع جعجة ولا نرى طحناً , إلا طحن المواطن المسحوق والمغلوب على امره , والدولة سخية مع الغير إلا أبناء الوطن !!

اصبحنا نؤمن بالاحلام , فعشنا عالمين . عالم نراه ونلمسه وعالم ننتظره فى الجنة , إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب , فعلينا ان نتعلم فوق ما تعلمنا , ان نُشرِع شُرفات الحلم ونغمرها بستور الصمت والصبر . ما احوجنا الى رشفة من مياه الخير الذى يغير, لنرش بها قطرات تنعش الاطفال والمُعذبين والجياع والتائهين فى ربوع وطننا .

نسمع عن إرادات النفط , ولا نرى خيرها . هذه الكعكة الطيبة من الرزق الوطنى لا نصيب لهذه المرأة البائسة فيه . لو امتدت يدها طمعاً ورغبة فى خيرات وطنها , كما يفعل الثوريون والبقريون , لقطعها التمييز الثورى المُتعسف , تحت مسميات عديده , لا طائل لها بمعرفة مكنونها .

نظام الضمان الاجتماعى والخدمات الاجتماعية اثبت انه نظام مُتهالك وانه لا جدوى منه . اصابه القصور وضعف التخطيط والتمويل والفساد والافساد , كحال بقيه المرافق الاخرى .
نفتخر بحراك اقتصادى وسياسى لننتهى بإقامة عُرس اقتصادى يعقبه مأتم اجتماعى فى الليلة الواحدة , يحرمان ابناء الوطن المحتاجون , من خيرات بلادهم , والادهى من ذلك , بدون سبب مقنع , إلا وضع مائل وقائم , و توازن اقتصادى مفقود , وعدل إجتماعى مُنعدم وسمعة مفقودة لوطن بأكمله , رغم اننا مؤهلون بكل المعايير والمقاييس لكلتا الحسنيين .وطننا يئن تحت السياط وتحت كذب وإدعاء المشاريع التنموية الهائلة . وطن تساهل فيه المسئولين فى حقوق الاخرين . ليُنتج ظُلماً إجتماعياً ونظام طبقى , افرز تغلب شريحه بعينها دون سواها على مُقدرات بلد بأكمله , لاقتدارهم على السرقة وعلى خيانة الوطن , التذكرة الوحيدة لتجنب الجوع وليدفع المواطن البسيط , مثل هذه المرأة , الثمن بِكُل سهولة .

علينا ان نجد نقاط الضعف بهيكل مظهرنا الاجتماعى , الذى نتباهى بكماله وعظمته ونقائه , علينا التشكيك به , ببساطه لانه موحل فى القاع ,علينا بتعريته لنكون اكثر إنسانية , بدل ترقيعه وسد ثغراته ورفعه الى مستوى القداسه بتضليل انفسنا والاخرين . خطابى موجه الى من يحاكى النظام فى تصرفاته , بأن يتوقف وان يضع مصلحة ليبيا واهلها فى المرتبة الاولى , لا اعطى الحق لنفسى مُحاسبة هذا الشعب المطحون والمقهور الجائع للخير وللشر, وللقمة, ولكننى اكره ان اراه خاضع لاهواء نظامه التعيس ..

لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم

اللهم انى اعوذ بك من الهم والغم والجُبن والفقر والدين وغلبة الرجال

امين

وطنى 100
7-20-2008


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home