Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 21 نوفمبر 2008

previous letter                 next letter                 list of all letters

النزيف

1

طرقت أذنيه أصوات الماضي كأنها أتية من بئر مهجورة ….. تراءت له كل الخيالات و الاحدات كأنه يفعلها من جديد ولكن في نسق مقلوب تماما.... يبداء بالحاضر ويغور شيئا فشيئا في الماضي …. في هذه الليلة بالذات همدت الصحراء و سكنت كأنها جثة اسطورية …. أو موميا عتيقة تقارع العصور بوجه يابس بلاحياء بلاعبوس بلاابتسام !! كل الاشياء في الجوار امست تسلك سلوك غير مألوف … النار الحزينة بالجوار خمدت …ثم لم ثلبث ان انطفأت تماما امام اصرار الظلماء العنيد…. أمتلآت كل المساحات بأقدام الظلام الهمجية التي تحول الليل الي بقعة سوداء كبيرة تسيطر علي الناس و تستغرق العالم فتهوي بأحزان الساهدين الي غير قرار…..القمر يبدوا غائبا عن ذاته ذاهلا عن نجومه ضائعا في مساره… أنه يسير بلاتردد في الاتجاه المضاد….. الريح ….السحاب …حبيبات الرمل …..حتي فكي الناقة يلوكان الطعام بطريقة عكسية !
حاول ان ينتفض ان يقفز ان يتدحرج فوق الرمال الجافة ..ان يغرز يديه في الرماد لعل بعض الجمرات المختبئة تحرق اصابعه فتعيد له اليقظة ...حاول ان يصرخ ..فالصراخ في الصحراء يولد الصدي......والصدي انعكاس للحياة والبدوي يتأكد من وجوده بالصراخ فالصراخ انعكاس للذات وعندما ينطفيء الصراخ في الحناجر ينتحر الصدي فلاتدرك الذات ذاتها هكذا يتلاشي الانسان في كينونة الصحراء العظمي وينتهي الي العدم...... لهذا السبب يغني البدوي بأعلي صوته عندما يقود النوق مخترقا البيد ويمتليء بالحماس للاصوات المدوية كالبارود ويبداء حربه بالصراخ ........حاول الصراخ مرة أخري ولكن صوته انتحر في حنجرته ......تلاشى .....فأخترقته موجة ذعر عاتية وبليدة .....فهو بلاصراخ بلاصدي بلاذات انه قطعة من عدم في كينونة الصحراء الجافة.
هل هو ميت ؟ أنتفض في نفسه عند مرور هذه الفكرة في خياله حرك يديه ورجليه و كامل أعضائه و لكن جسده لم يستجب أبدا كان متصلبا مثل غصن طلح يابس لاشى يتحرك ولاشي ينبض البتة . رأي أحدات الليلة الماضية تمر امام عينيه في تسلسل مقلوب . يبدا بالحاضر ويغوص شيئا فشيئا في الماضي , رأي نفسه يشعل النار ....يجلب الحطب ....يعقل الناقة....يضع الاحمال ...رأي كل شى ... أنه بلاريب يحلم ولكن أي حلم هذا أنه كابوس مروع يغتال عقله .. كابوس يغوص في الماضي باضطراد لاينقطع ولايتلاشي مثلما يغوص الجسد في ماء البركة مع كل خطوة الي الامام ومثلما يغوص البعير في الرمال المتحركة .

قبل يوم واحد

هاهو يري الآمس يري نفسه وهو يكابد عاصفة القبلي التي حاصرته وسط الصحراء عندما كان في طريقه الي هذا المكان... يري القافلة التي التقاها ....نفس الرجال نفس الكلمات ...نفس الوجوه الكالحة التي ارهقها القبلي وسطي عليها العطش الشى المروع حقا انه راي قرص الشمس اللافح... شمس الامس رأها تشرق من الغرب وتغرب الي الشرق تماما لينتهي يوم ويبداء يوم اخر من ايام الماضي فتشرق الشمس من جديد من الغرب تماما ليبداء اليوم مقلوبا رأسا علي عقب نعم لقد انفلتت ايام الماضي من عققالها فتداعت مثل الطوفان فأمسي العمر يسير الي الوراء حاول ان يصرخ للمرة الثالثة لعل احدا ما ينقذه فيعيد له اليقظة لعل احدا ما يسمعه ولو كانت ناقته او احد دواب الصحراء التي تبحث عن فريسة في هذا الليل البهيم ولكن ناقته همدت في الجوار تلاشت في الضلمة فهوا لايستطيع حتي ان يحدد مكانها ربما هي الاخري تعاني من نفس الكابوس فهو يراها معه في كل الاحدات التي تتراء له نعم ربما الزمن يتراجع القهقري حتي خارج الذات... وربما هذا الكابوس يسيطر علي الدنيا الان فيرجع بالعالم الي نقطة البداية حاول الصراخ مرة اخرى واخرى ولكن دون جدوي فمفاصله مفككة وعضلاته نخرت في الصميم وأرادته لاتتعدي عقله المشوش الراحل الي الماضي .

قبل اربعة اشهر

كانت القافلة تشق الصحراء في خط مستقيم الي الجنوب ....لاتوجد حرية في هذا العالم تضاهي تلك التى يدركها المرء عندما يهاجر الي الجنوب هذا ماكان يعتقده دائما ! عندما تنغمد في ذات الصحراء تقترب من الآله فتتخلص من كل القيود تستطيع في الحمادة ان تنسي اسمك وتستطيع ان تبقي عاريا وتستطيع ان تصرخ بأعلي صوتك وسوف تجيبك الجبال بالصدي والحنين الابدي الي صوت البشر وانفاسهم انه الان يقف عند ذلك القبر هذه العادة لازمته منذ الصبا كان كلما وجد قبر في الصحراء وقف عنده برهة من الزمن ليؤنس وحدته ويستشعر روحه الهائمة ربما كان يفعل ذلك لاءنه كان يشعر في دخيلة نفسه دائما بحاجة الي احد ما الي جانبه نعم هومن كان يستاءنس بالارواح الهائمة وبالقبور النائمة بسلام في اطراف الحمادة لاءن الوحدة قد انهكته ولم يجد فى بني البشر علي اختلاف مشاربهم من يؤنس وحدته نعم كان يشعر دائما بأن الوحدة مصير ابدي سوف يعانيه في حياته وقد تتحول الي لعنة تلاحقه حتي بعد الموت و ان الصحراء قد تعزله عن الناس في الحياة والموت انه الي هذه اللحظة لايدرى اذا ماكانت الوحدة كأس شقا ام انها لحظات سرمدية مملؤة بالنشوة والسعادة بعيدا عن وجوه البشر وانفاسهم أنه لايدري ما اذا كان الغوص في الصحراء انتحار بطي مؤلم ام أنه التقاء سرمد ي بالذات ولكن الحقيقة الواحدة التي سطرها اصحاب الناموس منذ الازل وروجت لها العرافات كل هذه العصور أن موطن الاءنبيا لايمكن ان يصبح الانسان جزء منه فينغمد في ذاته في ذات الله الا اذا اخترقه فردا وحيدا ربما حتي بدون ناقة.

قبل سبع سنين

_ هذا الغلام ياسيدي يساوي ثقله ذهبا .....قد لاتصدق ياسيدي اذا قلت لك ان اصحاب القافلة اللذين حملوه الي هنا....لم يأسروه ولم يختطفوه ولم يشتروه بل جاء معهم طواعية هربا من الجوع لذي فتك بقري السودان الشمالية...هل تصدق ذلك ياسيدي اما الحرية مع الجوع الكافر أو العبودية مع لقمة العيش الحياة مؤلمة الي هذا الحد ومع ذلك يحرص الانسان عليها ويخاف الموت ليس لانه مؤلم ولكن لآنه مجهول .... الانسان يخاف الاشياء المجهولة ويحرص علي الواقع ولو كان ردي ...نعم الانسان لايتحصل علي كل شي في هذه الحياة الفانية .....هناك علة مجهولة تجعل الحياة ناقصة فتدفع بالبشر الي الصراع دون هوادة علة ما تتسلي بمصائرنا!!
- لم أتي الي هذا السوق لكي استمع الي الحكمة من افواه النخاسين ..... ولم أتي لكي اشتري انسان ....لست في حاجة الي استعباد احد... انا احب الغوص في الصحراء و التلاشى في روحها ولاشى غير ذلك ...جئت ابحث عن جمل ...نعم سوف اشتري جمل أنت لاتدرك الفرق بين الجمل والعبد ...الجمل لايفكر ..اما العبد فهو رجل مغبون مملؤ بالعقد.... في الصحراء من الحكمة ان ترافق الاشياء التي لاتفكر والتي لاتشاركك اناء الماء.

حدت هرج في السوق ....تفرق الناس يهرولون في كل اتجاه....وتدافعوا في كل اتجاه .
: لقد حاصر الجنود السوق ياسيدي ....انهم يجمعون كل الرجال ...يقبضون علي كل العور ويقودونهم الي مكان مجهول ..يبدوا ياسيدى ان ثمة رجل اعور قد اقترف عمل شيطاني استوجب غضب جيش ايطاليا ..... يقولون ان احد جنود ايطاليا كان قد ذبحه رجل اعور ولكنه لم يمت لقد تمكن الاطباء من انقاد حياته وعلي الرغم من انه فقد حاستي السمع والكلام الاأنهم قد اتوا به ليجمعوا امامه كل العور في البلاد لعله يتعرف غلي الجاني اما ادا لم يتعرف علي الجاني من يدري.... قد يقتلون كل العور ....عذرا ياسيدي ولكن اعور مثلك قد يغري بالقتل حتي بدون جناية أ حس بحاسته الخاصة يومها ان الامر قد يتطور فيغدوا خطيرافاطلق ساقيه للريح اتجه جنوبا الي الصحراء لقد كانت تلك أخر لعنات النحس التي طاردته طوال حياته ولبسته مثل ثيابه وألتصقت به مثل ظله لقد نجي بأعجوبة خارقة من الموت الذي ضل يطارده كاللص من مكان الي اخر كل الاحياء يطاردهم الموت وفي النهاية يسطوا علي ارواحهم عندما تذكر هذه الحقيقة المرة يومها توقف عن الجري توقف تماما وأخذ يلتقط انفاسه مرت كل هذه الاحدات برعبها وضجيجها امام ناضريه تم لم تلبث الشمس ان غربت الي الشرق تماما وأشرقت مصفهرة مكفهرة من الغرب فكان يوما اخر ثم اخر ثم اخر كل الماضي بلعناته ونحسه يتوالي يوما بيوم ويتعاقب وهو لايقوي علي الصراخ أو الفرار من الماضي الي الحاضر العمر كله يتراجع يمضي الي الوراء بسرعة رهيبة لايمكن ايقافها الشباب الغائب المتصدع امام جبروت الشيخوخة المهيب المملوء بالتجاعيد والشيب و الآم المفاصل يستعيد نظارته وقوته ورحيقه ....أنه يحس بذلك في عروق جسده في تفكيره في اعصاب جلدته الصحراوية الخشنة التي تشبه جلد الجاموس !! أنها المرة الاولي التي تنهزم فيها الشيخوخة امام قوة الشباب فتتولد القوة في رحم الضعف ولكن الزمن لن يتوقف عن التقهقر في هذه النقطة وسوف يصل الي نقطة الطفولة الي الضعف من جديد وربما تعداها الي المجهول نعم العمر لن يتوقف عن التراجع القهقري ومن بعد القوة سوف يصل الي الضعف من جديد ولافرق ابدا في تبدا حياتك من الطفولة الي الشيخوخة او العكس فالآنسان يولد من العدم ضعيفا عالة علي غيره وينتهي الي الموت ضعيفا عالة علي غيره والحياة كلها نفحة قوة مابين ضعفين ليس الا ......الحمادة نفسها ....كانت يوما ما صحراء ميتة ثم جاء العصر المطير فأمتلئت بالغابات وقطعان الغزال و الودان وكل الاحياء كانت مستنقع الحياة الذي لاينضب عندما كان الشمال يغطيه الجليد الآن وقد تلاشت الامطار تحولت الحمادة من جديد الي بقعة يا بسة مقفرة ميتة من جسد العالم الغض كل الاشياء تبداء وتنتهي هكذا و الله لايخلق الاالضعفاء حتي اذا ما قووا وطغوا وأعتقدوا بأنهم سوف يخرقون الآرض وسوف يبلغون الجبال طولا يرجعهم الي ضعفهم الابدي!! هذه الحقيقة تجاهلتها نواميس الصحراء ولكن كهوف الصحراء تؤكد ان الحمادة كانت في ريعان شبابها قبل ان تقطفها يد الله .

قبل خمسة عشر سنة

وقف مترددا علي باب الدار لفترة طويلة من الزمن ......فكر في الاحجام عن الدخول ...ولكنه وجدهم خلفه مباشرة يرنون اليه بعيون كلها انتظار ورغبة مجنونة لاتضاهيها رغبة في الآنتهاء من كل شيء وبسرعة فائقة ..... دفع الباب العتيق فأحدث صريرا مكبوتا كأنه انين أندفع الي داخل الدار أستلقي بجانبها علي الارض .... تأمل وجهها الملائكي علي ضؤ السراج .... تأمل قطرات الحزن لازالت تنساب فوق خديها في صمت وقنوط يالله أي جمال هذا .... تلمس يدها الغضة بلهفة ...لم تتحرك لم تستجب ألتصق بجسدها حتي وضعها في حضنه ضمها بين دراعيه شعر برغبة غريبة في البكاء فمنذ زمن طويل جدا لم تكلف انثي واحدة نفسها ان تضمه الي صدرها أو ان تمسح أثار التعب التي تراكمت فوق جدار نفسه كل هذه السنين لقد كان دائما يشعر انه غير مرغوب فيه في دائرة الانسانية دس رأسه في لحمها الغض لبسها ولبسته و أبتداء رحلة الغياب عن العالم وعن ابعاد الزمان والمكان التي تسير في حتمية لولبية قد لاتؤدي الا الي الهلاك في نهاية المطاف نعم لقد كان يدرك منذ زمن بعيد ان اللذة ليس لها الامعني واحد وهو الغياب عن الدنيا الانسان لايبحث عن اللذة لذاتها بل يبحث عن فقدان ارتباطه بهذا العالم المضني ....تقول النواميس الضائعة في الصحراء ان ابن ادم كان في طبيعته مخلوق يقظ لاينام البتة فيما بعد لم يستطع مجابهة هذا الواقع السرمدي الذي وجد فيه قسرا فتعلم لعبة النوم لكي يتلاشي من خارطة الوجود ثم لم يلبث مع مضي الازمان ان تعلم كيف تنطلق نفسه في اللازمان و اللامكان فتعلم لعبة الاحلام وادمن علي العقاقير المنومة والمخذرة و ارتمي الذكر في احضان الانثي و ارتمت الانثي في احضان الذكر في شبق ليس له حدود الي ان يرث الله الارض ومن عليها..... نعم لقد اكتشف الانسان في وقت مبكر أنه لايوجد ألم يضاهي عذاب اليقظة و لاتوجد لذة الذ من الغياب عن هذا العالم والتراجع الي ظلمات البداية أنه لايزال يتذكر عندما قال له أحد البدوا أن الانسان يبلغ قمة النشوة والسعادة عندما يرتمي في أحضان انثي ليس حبا في الانثي بل هربا اليها هربا من الوعي الي اللاوعي من عالم مملؤا بالوجوه ومكتض بالشرور الي عالم سرمدي لاقاع له ولاقمةبلاقوانين بلاضوابط هذا العالم يوجد فوق صدر الانثي وبين ثناياها لهذا السبب يعشق البدوا صدور الاناث حتي النخاع ...... ولذات السبب تنقر فرق الصوفية فوق الدفوف طوال الليل وحتي الصباح بدون توقف أوكلل ليس املا في لقا الله و التجلي في ذاته العليا ولكن أملا في التراجع مع رنين الدفوف المتواتر حتي نقطة النشوة في غيبت العالم السرمدي بعيدا عن وجوه البشر و أحزانهم لقد قال له ذلك البدوي أن بعض الزهاد والعابدين يلجأون الي نفس الحيلة أثناء الصلاة ولكن فقدان الوعي في الصلاة لايعد صلاة لآن الله لاتدركه الا ذات واعية ...... أستفاق مذعورا لطرق الباب بشدة حتي شعر بأن مفاصله تكاد أن تنخلع أو ان الدار كلها علي وشك ان تقع فوق رأسه ٍ من شدة الطرق سمع صوت طليقها الاجش :
: أخرج أيها الوغد أخرج قبل ان ادخل وأخلع عينيك فعاد من العالم السرمدي الي عالم ملئي بالاصوات و الوجوه و الزعيق والشرور .......أخرج قبل أن اسفك دمك وألق بجتثك من فوق الجبل للذئاب الجائعة و الغربان النهمة .....نهض مسرعا مذعورا ....فأمسكت يده : لا تطلقني لاأريد العودة الي هذا البعير....أحس بيدها الناعمة كما أحس بتوسلاتها .. ألتقت عينيها بعينيه فأمتلئت نفسه .....أحس بحبات المطر الدافئة تداعب صحراء نفسه المقفرة منذ سنين وسنين ....أحس انه يولد من جديد ....لايوجد عاقل في هذه الدنيا يطلق هذا الجمال..... ازداد قرع الباب حتي كاد ان ينفتح علي مصراعيه .....لعن الله النقود..... يقولون أن حكماء الصحراء قد أجتمعوا فعلا و الحقوا لعنة ابدية بأول رجل جلب النقود الي الصحراء .....قبل النقود كان الناس يرعون نياقهم ويزرعون الواحات و يقايضون الاشياء بسلام .....كل الاشياء تستوجب جهد وعمل ....أما الان فهوا سوف يتحصل علي جمل بدون الحاجة الي بذل أي مجهود سوف يدفعون له ثمن جمل وافر الوبر مكتمل السنام مقابل أن يحلل هذه المراءة لزوجها السابق الذى كان قد طلقها ثلاث مرات تأمل عينيها مليئا وتحسس يدها الناعمة هذه المراءة لاتساوي جمل ....... ربما تساوي قافلة بكاملها ...و العيب ليس في النقود فه ابتكار نافع يحدد القيم ... ويسهل الاستبدال .....العيب في الانسان ذاته نفحة القوة مابين ضعفين ..... المخلوق الذي لايستطيع أن يبقي يوما كاملا في وعيه فيغرز رأسه في صدر انثي كما تغرزالنعامة رأسها في التراب أو يعانق زقاق الخمر في عطش ابدي لاتطفئي جمرة ظمئه كل سوائل الدنيا..... أو ينقر الدف ويغني طوال الليل في هوس وضياع.... كان علي الحكماء منذ الازل أن يجتمعوا ويلعنوا الانسان ولكنهم لم يفعلوا ذلك ليقينهم بأن الانسان ليس في حاجة الي المزيد من اللعنات ......خرج اليهم فتلقفوه في ريبة و حذر أحاطوا به من كل الجهات كالاسير لم تمضي سوي لحضات من الزمن حتي كان وجه لوجه مع المأذون :( الآن عليك ان ترمي عليها يمين الطلاق )...... أمام هولاء الشهود ...نظر اليهم في أعياء ..... لم ينبس بكلمة واحدة .... أريد ماء ....حلقي يكاد يتمزق من الجفاف ... أحضروا لي كوب ماء علي وجه العجل !! ....في هذه الاثناء حدث امر عجيب للغاية كما يقفز الودان من بين أيادي الصيادين ويتلاشي في الشعاب والجبال .. وكما يمرق الغزال كالسهم البليد من بين براثن الاسود .. وبينما كانوا منشغلين عنه في احضار كوب ماء أ نتفض في مكانه و في قفزة واحدة كان خارج باب الدار ثم مرق كالسهم الطائش بلاأتجاه تبتلعه الظلمات ويواريه ستار الليل المهيب الذي يقهر الابصار .. قبل ان يأتي النهار , قبل أن يتبين الخيط الاسود من الخيط الابيض في كبد السماء كان في وسط الصحراء موطن الزهاد والفارين !! منذ تلك الليلة لم تقع عينيه علي تلك المراءة التي بقت علي عصمته كل هذه السنين ... لم يكلف نفسه حتي السؤال عنها لآنه لم يجرؤ علي العودة الي هناك مخافة أن يجده زوجها السابق فيسفك دمه أنه الي هذه اللحظة لايدري لماذا فعل كل ذلك ولكن جدته دائما كانت تقول أن المنحوس وحده يقوم بأعمال لايدرك عواقبها هذه الحادثة كانت قبل سنين وسنين و الزمن لازال في حالة نزيف يتراجع الي الوراء بلاتوقف بلاأستئذان حدث ذات مرة عندما نزل الي طرابلس و عمل في تحميل السفن أن قال له أحد البحارة اليونان كذبة سخيفة مفادها أن الارض تدور يومها أنفلت ضاحكا حتي كاد ان يقع علي قفاه كيف يمكن لهذه الصحراء الميتة أن تدور الموتي لايستطيعون الدوران ولا الوقوف ولا أي شيئ ا خر فالموتي موتي ولايوجد بعد الموت الا الموت يومها سألهم بلهفة لماذا لاتدور الارض في الاتجاه المعاكس ولماذا منذ الازل تشرق الشمس من نفس الاتجاه وتستقر عند الغروب الي نفس الاتجاه وتتعاقب الفصول في نفس الترتيب الممل الي حد القرف!! أجابه أحدهم عندما تدور الارض بالعكس سوف يبزغ قرص الشمس الناري من الغرب وسوف يبتلعه الافق عند المسا ءالي الشرق وربما تتعاقب الفصول في نسق مقلوب ....توقف يومها عن الضحك تماما لآنه تذكر فقيه القرية الشيخ( علي) صاحب العصاء الغليظة ذات مرة كان قدأ مسكه مع اذنه حتي كاد ان يخلعها و هو يقول له من علامات يوم القيامة أن الشمس تشرق من الغرب و تغرب الي الشرق تماما ومن علامات يوم القيامة ان دابة ضخمة تخرج علي الناس و ان المسيح الدجال يفتن الناس عن الحق في الواقع لقد وصل العالم الي طريق مسدود بحيث اصبح من الصعب بمكان تبين الحق من الباطل وهو في حياته لم يري دابة اكبر من الجمل في هذه الصحراء المهلكة وفي هذه الليلة فقط في مسافات التيه مابين الوعي واللاوعي مابين اليقظة و الحلم رأي قرص الشمس يشرق من الغرب ويغرب الي الشرق نعم هذا مايعتقده الان عندما تعود الصحراء من رحلة الموتي تنهض مثل روح شريرة من جديد ...تدور في الاتجاه المضاد ..فيبزغ قرص الشمس تماما من الغرب .... عندها تتراجع الايام ..... يتراجع الزمن الي ان يصل الي بداياته الاولي ..تتراجع كل الاشياء الي حالتها الاولي ويتحول العالم الي صحراء ميتة من جديد فيأتي يوم القيامة!!

5

في الصباح وضعا الاحمال فوق الجمال .....شقوا كثبان الرمل العظيمة في خط مستقيم الي الشمال .... اثناء الطريق تعمد أهدار اكبر كمية من الماء بأحداث ثقوب دقيقة في" القرب " فتسللت قطرات المياه الغالية في غفلة عن الجميع لتعانق الرمال العطشانة منذ ملايين السنين ......لم يكد ينتصف النهار حتي صاح المبروك في ذعر ياالهي ان الماء ينفد من القرب ....جلس القرفصاء من فرط اليأس والدهشة ....لم يبقي الا القليل !!! نحتاج الي ستة أيام لكي نصل الي أول بئر من ابار الحمادة الجنوبية هذا الماء لايكفي لاربعة ايام ...لم يتكلم لم يرد ...شاح ببصره الي الافق البعيد الصافي ... تذكر كلام العرافة الشمطاء ... عندما مد يده لها لتقراء كفه ضلت تتأمل كفه طويلا ....زاغت بعينيها في العالم اللامرئي ... حتي انفصلت تماما عن دائرة المخلوقات ..قلبت اصابعه التي تشبه قطع الديناميت مرة أخري وأخري وعلي الرغم من انها تحاشت ان تنطق ببنت شفة لفترة من الزمن ألا أنها عادت وتمتمت بصوت خافت : نحس عبر كل المسافات لايمكنني ان اري غير النحس !!...أنتزع يده منها بقوة ...سرت ضحكة في الجوار مما جعله يشتم العجوز علانية ويبصق في وجهها المليء بالتجاعيد قبل ان يغادر المكان . كلام العجوز الشمطاء لازال له صدي في خفايا رأسه....ولكن من الحماقة في الصحراء ان يستسلم الرجل لنبؤات العرافات ...فالمستقبل في علم الغيب ....والغيب جزء من الزمن الذي لم يخلق بعد ...فكيف يتأتي لمخلوق ان يعلم ما لم يخلق....كيف لعرافة شمطاء نجسة أن تستقراء هذا الزمن .... ربما كانت العجوز تعني بنبؤاتها الجزء الفائت من حياته .... فعجائز القرية جميعهن يؤكدن دائما أن امه ماتت بمجرد ان ابصر النور ....وبعد عام لم يلبث ان مات ابوه ا يظا , فكفله عمه الذي لحق بهما تباعا بعد عامين اخرين ...مما جعل الناس يتطيرون منه . و بالفعل بعد ثلاثة أعوام اخري مات عمه الاخر الذي كفله تباعا ..... مما جعل الجميع يتخلون عنه فيما بعد.... الجميع يشفقون عليه ..يطعمونه ويكسونه ..ولكنهم جميع لم يرغبوا مطلقا ان يضموه الي قائمة ابنائهم.

6

عندما غادرت الشمس الذهبية افق الصحراء وتأهبت فقاعة الليل لتغزو بجانها وعفاريتها الوهاد والتلال ....أخرج مبروك بعض السويق و التمر ثم اخد عود حطب يابس وازاح الجمر بعيدا عن السنة اللهب ووضع عليه ايريق الشاي الذي لم يلبث ان تصاعد منه دخان كثيف ابتلعه الافق الصافي : سوف نتابع المسير ليلا ..... نهجع قليلا وفي منتصف الليل نتابع المسير قال ذلك ولم ينتظر جوابا ......بقي سامدا يراقب القمر..قلم يطرق النوم جفنيه ..في تلك الليلة بالذات كان القمر حاقدا حتي يكاد ينفجر .....كان بوجه عابس مكفهر....أحب فاطمة ...عشقها حتي النخاع ... ولكن فاطمة بعدما علقته رغبت عنه .....تعلقت بالمبروك هذا النائم بجواره ..هكذا ذاءب انثي البشر ..مثلما يصرخ البدوي في الصحراء ليستشعر ذاته ...لاتدرك الانثي ذاتها الابالهمس في قلوب الذكور .....تقول اسطورة شعب الامازونات الذي تقوده النسوة..ان انثي البشر كانت مثل اللبوة تماما أقوي من كل الذكور بحكم غريزتها في حماية الاولاد..ولكن بمرور الزمن تحولت الانثي الي شيء ناعم ...تلك العضلات المرعبة التي تجعل الذكر يتفرق رعبا تحولت الي اعضاء رطبة ناعمة الملمس يدس الذكر رأسه فبها للعبور من الدنيا الي بوابات العالم السرمدي ...حيث لاوجوه ولاشرور ولانحس .
في اليوم الرابع و علي الرغم من ان المسير لم يتوقف طيلة ثلاثة ايام ...كان الماء قد نفد تماما ..... ولم يصلا الي البئر ....اليوم الخامس كان اشد قيضا ....في اليوم السادس اسودت الدنيا في عيني المبروك و اصبح يمشى ووجه الي الارض ....وفي المساء كان يقف تماما علي فوهة البئر وبعد ان ازالا الغطاء الحجري الذي يغطي الفوهة الضيقة اطل المبروك برأسه : انها بئر عميقة وواسعة بالرغم من فوهتها الضيقة ولايمكن تسلقها نزولا ..ولايمكننا ان نعثر علي دلو بالجوار ......أخرج الحبل من احد الاحمال ولكنه لم يكن بالطول الكافي .... صنع من عمامتيهما حبل اضافي شده اليه فاصبح اكثر طولا .....اتخذ سبيله هابطا في البئربعد ان ربطه الي نصفه بينما اخذ هو يدليه رويدا رويدا حتي استقر بالقاع .......مليء القرب بالماء ...بعد ان اصبحت القرب خارج البئر ..انتظر المبروك الحبل ....تأخر الحبل كثيرا ....اضلمت البئر ....عندما رفع المبروك رأسه كانت فوهة البئر قد سدت بالغطاء الحجري ...والتي حتي لو استطاع تسلق البئر لايمكنه ازالتها من الداخل.

اجتاز" القريات " وصل الي وادي زمزم راقب القمر تلك الليلة ايظا ......في تلك النقطة من حياته لم يستطع ان يميز لون القمر ووجهه ...خيل اليه ان وجه القمر نقش منذ ملايين السنين ..وأنه لايتغير ولايتبذل ..لايبتسم ولايحزن..ولكن البحارة يقولون ان القمرايظا يدور....الدوران حركة تنتج عن فعل ...والفعل يصدر عن ذات ... وذات الصحراء هي نفسها ذات القمر ...ومن ينغمد في ذات الصحراء ينغمد في روح القمر ومع ذلك في هذه الليلة بالذات لايستطيع تمييز تجاويف وجه القمر ...ولاتبين ملامحه ..اغمض عينيه ..فلم يطرق النوم جفنيه ...قبيل الفجر غفا قليلا ...لم يلبث ان استيقظ علي قرقعة صاخبة ...وجدهم محيطون به وقد سطوا علي النياق ..حاول الاعتراض فركلوه علي قفاه ....استشاط غاضبا ..حاول الاعتراض مرة اخري ..فضربه احدهم بمؤخرة بندقيته ضربة قوية عي وجهه ففقاء احد عينيه ...تركوه يتخبط في دمائه تركوا له بعض السويق وبعض الماء : في الحمادة عليك ان تنام بعينين مفتوحتين مثل الارنب لاءنه من ينجوا من الذ ئاب لاينجوا من اللصوص .
عندما وصل الي تلك القرية النائية علي قمة الجبل أخبرهم ان لصوص الحمادة قد سطوا علي النباق وقد قتلوا المبروك و أنه قد واراه التراب في الحمادة الواسعة وحيدا بلاأنيس ....ارتابوا في اقواله..ولكنهم اضطروا الي تصديقه الي حين ...ذلك لم يطل علي أي حال فلم يلبث ان عاد المبروك ...بعد ما انقذه بعض السيارة من غيبات الجب .....سمعهم بأذنيه يتهامسون في اطراف القرية ....هذا المنحوس لم يكتف بما جلبه من نحس علي القرية منذ ولادته ......فحاول قتل المبروك ليخلوا له قلب فاطمة...... هذا الرجل يغدر برفيقه في السفر من اجل انثي ...اي منحوس وسافل !!..هل جزاء القاتل الاالقتل اليس هذا ماتوصي به جميع الاديان و الشرائع والاعراف !!!..سمعهم يرددون ذلك في تجمعاتهم في السر والعلانية ....فلوي رقبة ناقته في اتجاه الحمادة وتوغل في الصحراء ......منذ ذلك الحين لم يأنس الي البشر ....سدت في وجهه ابواب المدائن وضاق عليه الرحب الواسع وطارده القدر عبر كل المساحات فرفضته كل القري.. كان كلما ذهب الي قرية يسبقه النحس اليهافيفر منها مذعورا مدحورا الي مواطن الفارين في سهوب الحمادة حتي صار جزء لايتجزاء من كينونة الصحراء العظيمة . لقد كانت هذه الحادتة قبل اربعون عاما ....كل احداثها ....فصول ذكراياتها ...تقاسيم الزمن فيها مرت امام ناضريه ..كأنه يفعلها من جديد ...ولان الزمن لازال في حالة نزيف الي الوراء ..فكما تتفتق القوة في رحم الضعف ..في صراع المتظادات الابدي الذي تمسك بخيوطه قوي الغيب العاتية ....لايتولد الضعف الا من رحم القوة.. ...هاهو الشباب يمضي بكل ريعانه وعنفوانه وقوته ...فيعود الي الضعف من جديد الي الطفولة...يسبح في عالمها المليء بالشقاوة والاحلام واللامبالاة...مرت ايام الطفولة في تأني كما يمر السحاب علي الرواسي لذيذة...براقة ...بريئة....قال له الحاج عمر ذات مرة : أن الفرق بين الموتي و الاحياء ان الموتي تتحرر ارواحهم فلايشعرون بالمكان ولاتقيدهم الاازمان ...الانسان عندما يموت ..عليه ان يقطع المسافة بين الخياة والموت بين المكان واللامكان و بين الزمن واللازمن فيمر خلال النفق ويعبر البرزخ....عند تلك النقطة بالذات يري كل احدات حياته..كل اعماله الخيرة والشريرة تمر امام ناضريه في سرعة عجيبة ... انها عملية اشبه ماتكون بعودة الزمن الي نقطة البداية قبل الولادة حيث لازمن وكأن الزمن مخلوق بداخلنا ينمو معنا.....لهذا السبب فأن المحتضر يبقي مشدوها الي ان يموت ...انتابته موجة فزع لمرور هذه الخاطرة بباله ....ربما هو يحتضر الآن..ربما أصابه عارض اثناء الليل فأمرضه وهو الآن يحتضر وحيدا في الصحراء ..لاأحد يؤنسه حتي في لحظات التخلي عن هذا العالم ...ولكنه لايستطيع ان يؤكد ذلك فلاأحد يدرك كيف يكون طعم الموت ...فالموتي لايعودون للحياة ...ليخبرونا كيف هو شعور الموتي .....أنقضت الطفولة بكل رحيقها ونشوتها ...هاهو يعود الي لحظات الولادة ...عندما ابصر النور لاول مرة شعر بألم عظيم لايظاهيه الم..الم عظيم يتسرب الي عينيه .. و الم عظيم يتسرب الي رئتيه...عندما جاء الي هذه الدنيا و امتلئت عينيه بالنور ...ورئتيه بالهوا ....ملئي الدنيا صراخا وعويلا من شدة الالم الذي لايطاق..ادرك فيما بعد وجود علة كبري تدفعنا الي النور بدون هوادة ...لغاية لاتدركها الاهي .... أنه لايدري لما سخر منه قطاع الطرق عندما قال لهم ....انه علي الانسان ان يعشق الظلمات لانها مصدر الراحة !!......يومها استشاط غضبا..قائلا لهم: عندما تطلبون الراحة تقفلون عيونكم فتبتلعكم الظلمات وتنامون ....لولا الظلمات ماعرفتم الراحة ابدا ...شعر بأيدي غريبة تلتصق بجسده ...ترفعه برفق من مكان الي اخر ....تقراء بعض الايات والتعاويد ...اشتم رائحة البخور والجاوي تملاء المكان ...انها لحظات الولادة ...امه في الجوار لايستطيع ان يحدد مكانها ....ربما هي ميتة في تلك اللحظة فقد لفظت اخر نفس لها مع اول نفس كان قد استنشقه ......هو لايستطيع ان يحدد أي شي عدا شيء واحد وهو النور ...النور يملىء المكان ...ولكن الزمن لم يتوقف ..استمر في النزيف ....تراجع الي الوراء ...أختفي النورفتلاشي الاألم ....وزحفت الظلمات عبر كل المسافات ... فغمرته موجة ارتياح لاتظاهي ....ربما هو الان في بطن أمه ...فهو يشعر بتحركاته ويحس بأنفاسها ..ودفء احشائها ...انفتحت بوابات الزمن اكثر فأكثر فأستمر النزيف ..أختفي النور ...أختفي الظلام..أختفي المكان واختفي الزمان ..... توقف الاحساس ..تلاشي الشعور...وكان عالم سرمدي ..بلاقاع ... بلاقمة ...بلانور.. بلاوجوه..بلانحس بلاشرور....كأنه علي صدر انثي ....يستطيع ان يسبح في كل اتجاه... بلا قيد.. بلاقانون ....بلاناموس .

د. موسي أرميلة
بيزا-ايطاليا 2003


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home