Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

رد على مقال أبو العشة "حقيقة ولد بوه / حقيقة بوه"

الشوارعزم : نقل ثقافة ولغة الشارع للحوار السياسي

دوماً ما كانت هناك آداب للحوار السياسي، وإدارة الخلاف والصراع مع الآخرين، تصب في النهاية في توصيف بات متعارف عليها وهو " ثقافة الاختلاف والحوار مع الآخر ". وتحدد تلك الثقافة مضامين استخدام مفردات الحوار والنقد، أو محاولة تشريح القضايا محل الخلاف، بقصد إحداث نوع من التمايز بين المواقف وبلورة بدائل سياسية ممكنة لما يعتبر تأزم حادث حالياً. وهناك علاقة ارتباط قوية بين قيمة الفرد أو الجماعة ومستوياتها الأخلاقية وعدالة القضية التي يدافعون عنها، والطريقة التي يديرون بها الخلاف مع الآخرين أياً كانت مستوياته.

إذ كلما ارتقى الناس في أخلاقهم وسلوكياتهم العامة، كلما أتت مضامين إدارتهم للخلاف والحوار مع الآخرين خالية من السوقية والبذاءة والبعد عن لغة الشوارع وعدم تغليبها على لغة وجماليات الكتابة في الإعلام. ويكاد يكون العكس صحيح تماماً، إذ كلما انحط هؤلاء وتدنت مستوياتهم الأخلاقية وسلوكياتهم العامة والشخصية كلما كانت نوعية أدارتهم للحوار والاختلاف مع الآخرين أشبه بمعركة ساحتها الشارع، بما يشمله ذلك من استدعاء لثقافة هذا الحوار وممارسة نوع من البلطجة السياسية على الآخرين. وهنا نجد أنفسنا أمام حالة اشتباك تمارس فيها كل معارك الشوارع، ومفرداته اللغوية غير المحترمة، أو تعبر عن ثقافة جديرة بالرد العقلاني.

ومن يطالع مقال فرج أبو العشة مؤخراً على موقع ليبيا وطننا في 15 أغسطس الماضي، يجد أنه ينتمي إلى الشق الثاني الذي نتحدث عنها، فهو يحاول معالجة قضايا جوهرية في الشأن الليبي مثل التغيير السياسي وأبعاده بقدر عال من ركاكة اللغة والانحطاط العام في توظيف المفردات اللغوية التي تنتمي لعالم السوقية، دون أدنى تقدير للتفرقة ما بين لغة الشارع وهي بطبعها لغة منطقة ومبتذلة في أدارتها للحوار والخلاف، وبين لغة الكتابة المفترض فيها الرقي والتزام الآداب العامة. ولذا نجد أنفسنا أمام حالة أقل ما توصف به هو الشوارعزم، وهو مصطلح صكه الكاتب المصري الدكتور عمر عبد السميع يشرح فيها كيفية انتقال العشوائية التي تتسم بها التفاعلات داخل الشارع بكل ما فيها أحياناً من دونية واستخدام لمفردات يعاقب عليها القانون إلى الكتابة والحوار السياسي داخل النخب.

ولذا فنحن أمام ثقافة جديدة لا تحاول الارتقاء بالناس وتغليب ثقافة الحوار الجاد المسئول إلى الشارع والناس، وإنما استدعاء ثقافة هذا الشارع إلى الفضاء الاجتماعي ــ السياسي العام وإجبار النخب للتعاطي معها على نفس الأرضية الدونية والمنحطة. ولذا نحن أمام نخبة، أو هكذا يفترض فيها، عوضاً عن أن ترتقي بلغة وثقافة الحوار الجاد والمسئول، وتحط بها إلى لغة وثقافة عشوائية.

مهما كانت نوعية وقضايا الخلاف السياسي، فإن ذلك لا يكون أبداً مبرراً على هذا الانحطاط الثقافي، والعشوائية في تناول قضايا باتت تمس المستقبل الليبي. فهناك دوماً في لغة الثقافات والبيئات المرتبطة بها مستويين في إدارة الخلاف والمعارضة:

أولهما، ذو طابع رصين يركز على القضايا العامة، ويدعو إلى مناقشة نوعية الأداء الرسمي فيها، تشريح سلبياته مع بلورة بدائل ممكنة لهذا الأداء. وتلك الفئة تندرج تحت مسمي المعارضة الجادة التي لها برنامج وإطار سياسي ــ ثقافي حاكم لها.

ثانيهما، ذو مستوى عشوائي وتهيجي، لا يناقش القضايا العامة من منطلق سياسي متمسك أو ثقافة رصينة، وإنما عبر منطق الإثارة وعدم طرح البدائل، هما أهم ما يميز تعاطي هذا المستوى مع القضايا الاجتماعية والسياسية. وهنا يتحول الصراع من صراع حول الرؤى والأفكار، إلى صراع شخصي تستخدم فيه كافة الأكاذيب ولي الحقائق لتحقيق مبدأ الإثارة والتهيج بدون طرح بدائل حقيقية، لكون شخوص هذا المستوى الثاني واقعياً لا تمتلك القدرة على طرح البديل السياسي، المهم عندها هو التغيير وبعدها ربنا يسهل.

وضمن هذا السياق يمكن التدليل على الفرق بين المستويين في التفكير وإدارة ثقافة الحوار والاختلاف السياسي من خلال تجربة عبد الناصر عام 1956 خلال أزمة العدوان الثلاثي على مصر، حينما بدأت العديد من الإذاعات الموجهة لمصر تنال من عائلة عبد الناصر وتصف أمه بالمرأة اللعوب... والتركيز على وضاعة أصله ونشأته، وهي تقارير كتبتها استخبارات دول مجاورة وتحديداً الأردن والسعودية. وفي يوم ما عرضت عليه تقارير حصلت عليها إدارة الإذاعة المواجهة، التي أنشئت لمواجهة تلك الإذاعات المعادية لمصر، وكانت تخص ممارسات أم الملك الحسين اللأخلاقية، وعلاقاتها مع بعض رجال الديوان الملكي، بالإضافة لممارسات العديد من الأمراء السعوديين وزوجاتهم وبناتهم، فرفض عبد الناصر بإصرار إذاعة مثل هذا التقارير عبر الإذاعة المصرية الموجهة للرد على الإساءات الشخصية التي يتعرض لها من الخارج، فرغم تأكده من صحتها في ذلك الوقت، قائلاً أن العربي لا يذم الآخر في عرضه أو عائلته.

هذه هي معادن الرجال الحقيقية يا سيدي، وليس أشباه الرجال الذين يدعون أنهم يدافعون عن قضية أمة وشعب، وأنهم اضطروا للاغتراب الخارجي بعدما ضاقت بهم أرض الوطن لا لسبب سوى معارضتهم للنظام الليبي. فالكل داخل وخارج ليبيا يعلم السبب الحقيقي لتوجه فرج أبو العشة نحو المعارضة الليبية، واختياره المنفي الخارجي كمكان للإقامة..!! وهي قضايا شخصية لن نخوض فيها لأننا انزلقنا فيها كثيرا وننزلق إلى عشوائية الشوارعزم التي جرنا إليها أبو العشة وبعض التافهين في السابق.

يبدو أن الحوار الهادئ ومناقشة القضايا المختلف عليها بموضوعية بعيداً عن السب والصوت العالي، قيمة يبدو أن العديد من الرفقاء في المعارضة الليبية بالخارج باتوا لا يتحلوا بها، بعدما فاجأتهم عجلة التطورات والتغييرات الحادثة داخل ليبيا، والتي أن باتت تمضي بخطوات متأنية، فإنها انطلقت على العموم من الصعب وأدها، وبات ما قبلها نوع من الماضي الذي تحن إليه شخوص المعارضة التي فقدت أي فاعلية خارجية، لبلورة خطابها السياسي. كما أن شخصنة القضايا لا يفقد الكاتب سمة الموضوعية في التحليل فحسب، وإنما تجعله أيضاً أسير الأهواء والرغبات والأحقاد الشخصية، وهي أشياء تعمي البصيرة وتجعله عاجز عن التفرقة بين ما هو عام وما هو خاص.

بعيداً عن عشوائية التناول الذي حاول به أبو العشة تقويم التحولات الحادثة حالياً داخل ليبيا، وتدني لغة الكتابة، وخلط الأمور، فإننا نتوقف على مسألتين أثارهما في مقاله الأخير بشكل سوقي، وعكسا نوعية الإشكالية التي تعاني منها المعارضة السياسية الليبية في الخارج التي باتت بمثابة الطائر الذي يغرد خارج السرب، بعدما فقدت جميع مقومات الفاعلية السياسية، والبيئة الحاضنة لها، بعد نجاح النظام في تطبيع علاقاته مع الدول التي كانت في حالة صراع محتدم معه من قبل.

المسألة الأولى، تكمن في قضية الشعارات السياسية. إذ يتهم أبو العشة الحركة الإصلاحية التي يقودها سيف الإسلام بسرقة شعارات المعارضة في تبني الإصلاح السياسي ــ المجتمعي. يا سيدي ما هذه الشوفينية في التفكير، فالعالم منذ القدم وحتى الآن يحوى قاموسه اللغوي بمقولات ورؤى وشعارات إصلاحية تعين أي مفكر أو شخصية على سرد برامج ورؤى إصلاحية دون الحاجة إلى اللجوء إلى شعارات المعارضة الليبية، وتعينه على تقديم رؤيته للواقع السياسي ــ الاجتماعي ونمط التغيير المستهدف، وفقاً لخصوصيات هذا الواقع. فالمعارضة الليبية وشعاراتها التي باتت تخلوا حالياً من أي مضمون سياسي بعد تجاوزها عجلة الأحداث، هي في التحليل النهائي ليست حكراً على شخصوها مهما بلغوا من قيمة أديبة ومعنوية، فهي قيم إنسانية نابعة من الموروث التاريخي، وهو موروث له حق المشاع بين الناس، دون احتكار للحقيقة.

كما أن القيمة المضافة التي يمكن أن تمثلها هذه المعارضة باتت معدومة في الحالة الليبية. إذ بخلاف المعارضات الوطنية التي تبنت أفكارها من واقع تجربة الكفاح على أرض الواقع، فإن معارضتنا الليبية تبنت أفكارها أولاً تحت ضغوط خارجية أمريكية تارة وسعودية تارة أخرى، وحينما انحصر عنها الدعم الأول والمهم لها، باتت تلتحف بالثاني، باتت تطلق شعاراتها من داخل القاعات المكيفة في الفنادق الكبرى بالخارج.

أضف لذلك حقيقة تبدو في غاية السخرية في موقف أبو العشة وأمثاله داخل المعارضة الليبية بالخارج، حينما يتهمون النظام السياسي بسرقة شعاراتهم وأفكارهم، وهو ادعاء أقرب للسخرية والضحك منه للمناقشة الموضوعية. فيا سيدي ما من أحد بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم يمكن أن يدعي الحقيقة المطلقة بهذا الكون، حتى هذا الرسول نجده يقول دوماً إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، أكمل وليس احتكر. أنا أفهم أن الإنسان يمكن أن يسرق خطط وإستراتيجيات لها تفاصيلها المحددة للتغيير، أو التحول السياسي ــ الاجتماعي، وأما أن يسرق شعار التغيير في حد ذاته، فهذا ادعاء أتحدى أن يجد أحد توصيفاً موضوعياً له، حتى صفة جنون العظمة لا توفيه التوصيف الكامل.

أما المسألة الثانية، فهي النابعة من الموقف السياسي من عملية التغيير والتحول داخل ليبيا. موقف المعارضة الليبية من هذه المسألة أن عكس شئ فإنه يعكس مبدأ الازدواج الذي تعاني منه المعارضة، افتقاد لبوصلة الرشادة في التعاطي مع الواقع الليبي بكل مفرداته وتجلياته المستمرة حالياً.

في البداية اتهم القذافي بالوقوف كعقبة أمام التغيير والإصلاح السياسي، ووصم نظامه السياسي بصفات تكاد تكون هي الأكثر بشاعة بالقاموس السياسي. وباتت المعادلة واضحة المعالم بين نظام سياسي يرفض التغيير وإعادة تقويم تجربته السياسية في الداخل والخارج، ومعارضة تطالب بالتغيير والإصلاح في الخارج وتدعو لتمكينها سياسياً من هذا التغيير. ومضت أبعاد العلاقة بين طرفي معادلة الصراع على هذا المنوال فترة طويلة من الزمن.

وحينما بدأت عمليات الإصلاح والتغيير من داخل النظام، والتي يقودها سيف الإسلام، ومجموعته الإصلاحية، انهارت معادلة الصراع التقليدية، فالنظام السياسي بدأ عملية إصلاح وإعادة تقويم سياسي لتجربته بالداخل والخارج على أرضية المصلحة الوطنية الليبية. وعوضاً عن البحث عن مقومات جديدة لإدارة الصراع مع النظام والدولة من قبل المعارضة بالخارج أو مناقشة مضامين هذه المحاولة الإصلاحية، بما يعنيه ذلك من عملية بحث دءوب عن أرضيات أخرى للخلاف والجدل السياسي، وتنشيط العقليات المعارضة التي عفي عليها الزمن، فإنها استسلمت لشعاراتها القديمة التي تعتبرها حكراً عليها دون سائر البشر، واستمرت في إدارة الصراع مع النظام على نفس الأرضية مع بعض التعديل في التكتيكات المستخدمة وفي مقدمتها:

ـ رفض عملية التغيير الحادثة داخل ليبيا، وتوصيفها بأنها لتحسين صورة النظام في الخارج والداخل.

ـ رفض عمليات المراجعة التاريخية الحادثة للتجربة والممارسة السياسية الليبية، توصيفها بأنها تعبيراً عن مأزق سياسي وإفلاس وليس عملية استجابة رشيدة من جانب النظام.

ـ وصم الشخوص القائمة على التغيير والمراجعة بالرجعية وافتقاد المصداقية، أو النظام لا يمكن أن يقود عملية تغيير حقيقية، إلا من خلالهم هم فقط، أما دون سواهم فإن المسألة استغلال ومضيعة للوقت والطاقات.

ولذا فإن كل خطوة نحو الإصلاح والتغيير، يقابلها تشكك ورفض حتى قبل أن تبدأ.

يا سيدي التاريخ لمن يقرأ ويعي، بها نوعين من التغيير السياسي ــ المجتمعي، الأول من خارج النخبة السياسية الحاكمة بقصد الإقصاء وبناء نمط للتفاعلات ونخبة جديدة مرتبطة بها، وهو ما يسمى التغيير الراديكالي.. والآخر داخلي عبر شرائح من تلك النخبة تقود عملية التغيير التدريجي بالمجتمع.

فلو سمحت الرحمة بنا وبعقولنا البسيطة من هذا الضجيج الذي لا طائل منه، ورحم الله الشاعر الكبير سيد درويش حينما قال.. دقيقة صمت لله ..!!

د. يوسف أمين شاكير


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home