Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الدكتور الفيتوري والرأي الآخر (6)

الإمام مالك والرأي الآخر (4)

تناول الدكتور الفيتوري في مقاله الإمام مالك والرأي الآخر عددا من القضايا والتصورات والأحداث , منها ما تعلق بالإمام مالك رحمه الله ومنها ما تعلق بالعصر الذي عاش فيه , وسأتناول في هذه المقالة التعقيب على الجزء الأخير المختص بالإمام مالك رحمه الله.
مقدمة : قال ابن خلكان في وفيات الأعيان : كان مالك إذا أراد أن يُحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا متمكنا على طهارة، وكان يكره أن يحُدث على الطريق أو قائما أو مستعجلا ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة.

قال الدكتور عبدالحكيم: وفي المقابل تفاوت (تفاوتت) سياسة الخلفاء في خطها التاريخي في تعاملها مع الإمام مالك من التقريب إلى الجلد بالسياط ، ثم قال : ويبدو أن ذلك الخط المتعرج جعل الإمام في أخر عمره يمارس عملية نقد ذاتي واسعة على مسيرته،حملته في المحصلة النهائية إلى قرار اعتزال هؤلاء الظلمة وعدم مناصرتهم , فاختار قطع الأسباب والمسببات التي قد تحمل من جديد إليهم.

أقول : لم يعلمنا سعادة الدكتور في أي زمن وعهد بدأت وانتهت كل من سياسة التقريب , وسياسة الجلد بالسياط , ولكن بمعرفتنا للتاريخ , وعلمنا أن ثورة محمد النفس الزكية قد كانت في عهد أبي جعفر المنصور , و أن الجلد بالسياط قد وقع على الإمام مالك من قبل والي المدينة جعفر بن سليمان أثناء ولاية المنصور , فدل على أن سياسة الجلد قد ابتدأت في عهد المنصور , ونحن نتفق مع الدكتور أن الجلد قد كان في عهد المنصور ومن قبل والي المدينة , ولكن نختلف معه في مسببه وداعيه , وبالأخص أن صاحب ترتيب المدارك قد قال ( قال الطبري اختلف فيمن ضرب مالكاً وفي السبب في ضربه وفي خلافة من ضرب )

ولذا لا ينبغي لنا أمانة وللمنهجية العلمية أن نبني أحكاما وتصورات قبل أن نتثبت من صحة الرواية وتفسيرها وفق منهجية علمية وأخلاقية لئلا نستخلص أراء مغلوطة وتصورات خاطئه نحن في غنى عنها لأنها قد تعتبر تقولا بغير بينة ولا دليل.

وقال الدكتور يذكر الواقدي أن:مالكا كان يأتي المسجد،ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز،ويعود المرضى ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد،ويجتمع إليه أصحابه،ثم ترك الجلوس في المسجد فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه،وترك حضور الجنائز فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحدا يعزيه ولا يقضي له حقا، واحتمل الناس له ذلك حتى مات.(وفيات الأعيان) .

ثم قال: ولعل في لزوم الإمام مالك بيته،وترك الجماعة والجمعات، والصلات الاجتماعية،كان بمثابة طلاق بائن مع السلطة الحاكمة،وتحول في الموقع والمواقع فمن مؤيد إلى معارض،ومن مجّرم للرأي الأخر إلى محرر له.

ثم قال الدكتور وفي نفس المقال: كما وأن امتناعه عن ذكر أسباب لزوم بيته للناس ،يشير إلى ما ذهبت إليه من رأي ،فقد كان مالك يقول للناس:ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره.(ابن خلكان،وفيات الأعيان) .

أقول: لقد أستدل الدكتور عبدالحكيم برواية الواقدي , وأشار أن مرجعه هو كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان , وقد رجعت إلى الكتاب , وهذا نص رواية الواقدي كاملا : كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى ويقضي الحقوق , ويجلس في المسجد (4) ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد , فكان يصلي وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز , فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله , فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة ولا يأتي أحدا يعزيه ولا يقضي له حقا، واحتمل الناس له ذلك حتى مات عليه، وكان ربما قيل له في ذلك فيقول : ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره (5).

وقد علق المصنف الذي احتج به الدكتور على المراد من قول الإمام مالك ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره, مبينا أن عذر الإمام هو سلس البول, ولكن للأسف لم يورد لنا الدكتور ذلك بل احتج بخلافه وهذا مما يستغرب, وهذا نص التعليق(5) وإنما كان تخلف عن المسجد لأنه سلس بوله فقال عند ذلك: لا يجوز أن أجلس في مسجد الرسول (ص) وأنا على غير طهارة، فيكون ذلك استخفافاً، كذا وجد في نسخة بخط المصنف).

وأقول: فإذا علم ذلك يا سعادة الدكتور فلا مجال للتعليل والتأويل والبحث عن ما يوافق الرأي ..

ثم دلل الدكتور على كلامه السابق قائلا : فقد جاء عند الطبري ما يؤكد هذا الطلاق والتحول ، قال سيعد بن سنان: أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد ، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر, فقال:إنما بايعتم مكرهين،وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته.(تاريخ الطبري)

أقول: أعلم يا سعادة الدكتور لو أننا وافقناك على قولك ورأيك وأنه قد تم طلاقٌ وتحولٌ حقيقي بين الإمام مالك والسلطة السياسية بعدما أفتى الإمام مالك الناس بجواز الخروج مع محمد النفس الزكية , ولزوم الإمام مالك بيته بناء على ما استدللت به ( فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته ) فإن الحقائق التاريخية تخالف رؤيتك , لأن ثورة النفس الزكية قد قضي عليها سنة 145هجرية في منتصف عهد أبي جعفر المنصور الذي استمرت خلافته من سنة 136هجرية إلى سنة 158هجرية .

ومن المعلوم أنه قد تولى بعد أبي جعفر المنصور الخليفة المهدي الذي استمرت خلافته من سنة 158هجرية إلى سنة 169هجرية , ثم الخليفة الهادي الذي لم يدم حكمه إلا سنة واحدة , من سنة 169هجرية إلى سنة 170 هجرية , ثم تولى الخليفة هارون الرشيد الحكم واستمرت خلافته من سنة 170هجرية إلى سنة 193هجرية , وفي خلافته توفي الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى .

وفي خلال هذه الفترة قد ثبت أن الإمام مالك قد كانت له صلات وزيارات مع الخليفة المهدي وكذا مع الخليفة هارون الرشيد وكلهم تولى الخلافة بعدما انتهت ثورة النفس الزكية بأكثر من ثلاثة عشر سنه !! وقد ذكرت الشواهد المؤكدة لذلك في مقالاتي السابقة , الإمام مالك والرأي الآخر.

ثم قال الدكتور : وبعد...فإذا كان وعي الإمام مالك بخطورة تكبيل العقول والجوارح ،وإلغاء قيمة الحريات، قد تأخر إلى أخر عمره ، فإنه لم يجعله يتهيب خوض ممارسة نقد السلطة الكسروية- حليفها السابق- ولو بالسر في صورة من صور ممارسة الرفض الدراماتيكيا.علما بأن تصور هذا المشهد السياسي بين الخلفاء والعلماء تصويرا فنيا بكل حيثياته البيئية يبقى عنصرا مؤثر تأثيرا قويا في عملية تحرير القاري من هيمنة التاريخ والقراءة التمجيدية ، إلى الانفكاك والقراءة النقدية ، وبالتالي التعرف على هوية خاطفي كلية الحرية ، وقيمة الرأي الآخر التي جاءت بها نصوص الوحي!!

أقول: فإذا علم ما سبق فإن هذه النتيجة التي توصلت إليها يا دكتور لا اعتبار لها لأنها لم تبنى على وقائع صحيحة ومعطيات سليمة بل فيها تعدي وظلم لإمام جليل القدر والمنزلة وللحقيقة التاريخية , مع العلم بأن الإمام مالك كان واعيا لعصره مدركا لطبيعته عالم بالناس وبأحوالهم , متأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه الظاهر والباطن , وقد شهد له المخالف قبل الموافق بالدين والعقل وعليهما تبنى الاجتهادات والأحكام.

بقلم/ معاذ
muazlibya@yahoo..com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home