Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

إمراة مِن بِلادى (7)

إبتسامة تعلو وجوه الجميع إبتهاجاً وفرحةً بقدومِ العيد , تشرق شمسه على كُلِ مُسلم ليتبادل التبريكات والبُشرى والدعوات , لربِ العِباد بقبولِ الصلاة وبطلبِ السماح . عيد يجمع الاحباب والاقرباء بعد طول إنقطاع وإنشغال ليمسح عن وجوه الكثيرين مسحة الالم ومعانى العذاب . تأتى الاعياد زائرة وتغادر فى صمتٍ ولكن فرحتها لا تطرق بابها .. ثمة دمع يتساقط من المُقل يحكى حِكايات وحِكايات ....

إمراة مِن بِلادى جسلت يوم عيدٍ مفارِقة احبابها وخلانها لظروفٍ خارج دائرة قدراتها . تضطرب مشاعرها ويتساقط دمعها ليِختلط الفرح بالحزن . فرح العيد وحُزن مفارقة الاهل والاصحابِ . تحاول جاهدةً ان تقوم بكلِ الاستعدادات والتجهيزات لتخلق جواً مِن المرح والبهجة للعيد , كما عرفته بوطنها . تخبز الكعك , تشترى الهدايا والملابس الجديدة وترسم إبتسامة حنون على وجهها , ليرتشف مِنها الزوج والابناء المغتربون . ضحكات رسمتها بريشةٍ مبلولة بالهم والاسى . الوان بسمتها تلقى فى قلوبهم السكينة , فهى فنانة بارعة وممثلة عبقرية , ولكنها فى حقيقة الامر ماهى الا إمراة مِن بِلادى يتجسم بها حُزن النساء عندما يحين المساء ,وتتذكر كل إمراة مِن بِلادى تغربت , انها اٌخرجت واُجبرت على الرحيلِ .

هى إمراة عشقت الوطن , وامنت بأن ربيعه لا معنى له إن لم يولد مِن رحم مُعاناة ِشتاءه . ليبيا وشم رُسم بِعناية فائقة بباطن روحها , وهاجس تحمله بين ثنايا قلبها , ليسكن كما تسكن الروح الجسد . ليبيا اسم منقوش بخلايا دمها . هكذا بِِكُلِ بساطه .

اُقتلعت مِن جذورها ومُحيطها لتصل ارض غير ارضها , بعيداُ عن مرتع ولادتها وطفولتها , فينعكس الامر على مشاعِرها واحاسيسها وعواطِفها , ولتوضع موضع إمتحان عسير عليها إجتيازه داخل مختبر الصبر والالم . امنت بقضية الوطن لتدخُل إمتحان صعب ولتأكل الغربة النهمة نِصف عمرِها , بِشراهة منقطعه النظير , دون شبع , لتطحنها بالصبرِ والايمانِ ولتعجُنها بدمها ومياه مُقلتيها , ولتصقلها على نار الشوق والاحتراق , لتقدم للوطن اجمل خليط مِن الفِداء والتضحية . كُل يوم تغرف من لهيب حُبه , وتحلم بيوم لقاءه وعناق وتقبيل ثراه , عِناق مُشتاق , لتستلهم رائحة جذورِها . يختلط الحلم بالأملِ بالتعبِ , جراء الرحلة الطويلة , رحلة جُهد وعناء وشقاء , لتضرب اروع نموذج للصمود والقوة والجرأة والثبات والعناد , عندما تمر الازمات بحياةِ الانسان , فما بالك بحياةِ إمراة .

قدرها كنبتة ازهرت على ارض الوطن ان تُقتلع , قدرها أن تعيش بعيداً عن الشمس والياسمين والعريشة وشجر الرُمان , قدرها أن تعيش بِلا وطن وان تبحث عنه فلا تجده على ارض الواقع ,قدرها ان تعيشه بأحلامها , قدرها ان تحِن الى ارضه وجِباله وسفوحِه وشواطئه . قدرها ان تكون رهناً لمؤامرات المُتأمرين والقتلة المُجرمين , فراحت سفينتها تتكسر على موانىء الغُربة من منفى لمنفى ومن بابٍ لباب لتذوى كما تذوى الزنابق فى التُراب . قدرها ان تكون صورة طبق الاصل لوطنها المنفى فى خريطة العالم . قدر إمراة مِن بِلادى ان تكون للزوج ظهيراً فى معركته ضد الطغاة .

تمضى السنين بخطى سُلحفاة هرِمة صبور , ليتسع الجَرح ويغور , تكبر العذابات وتكثر الاهات , لتلعن من كان السبب . تقف لتنظر الى نفسها فى المِرأة , مشدوهة وكأنها ترى نفسها لاول وهلة . تبدو عليها علامات الشحوب , اليأس يأكل اطرافها والبؤس يظلل ملامِحه عليها , هالات سوداء غائرة تحت عينيها , جسدها تداعت اركانه ونخرت حفافيه الهموم , وصبغ اديمه سواد الحزن . تخور قواها وتستنفذ بقايا قوة كانت مُختزنة بين ضلوعها , لتجلس واهنة بصمتٍ يفوق صمت تلك الليله الكئيبة , وحزن يضيق به الكون بأسره . تقفل عينيها لتلجأء الى مخزونها من الذكرياتِ الجميله . مرفأ تلجاء اليه عند تعبها .

رخات المطر المتساقطة تعزِف الحان شجية لسيمفونية هادئة , جالسة تحلق فى الفراغ , تجتاحها الذكريات , اماكن واُناس وجوه واصوات , دموع وضُحكات , ذكريات شبابها غرست قدماها بطينِ الارض . تتسلل الى ذلك البيتِ القديم , لازالت تحتفظ بأدق تفاصيله . دخوله لا يحتاج الى تصريحٍ ولا الى مفاتيح . تسير فى طُرقات المدينة المؤدية اليه بحريةٍ وخفه , فترتفع معها حالات الحِلم والجنون بالمكانِِ الجميل , لتتغلب على اوجاع مفاصِلها , تزور البحر القريب وتستمع الى ابواقِ السيارات , ونداء المنادين وصهيل الحصان الذى يجر الحنتور , مغرياً الاطفال لتلحق به .

تعصف اشهر الصيف ببلادِها مواويل الاغتراب , فتنكسر خوابى الروح وتمزق اشرعه المدن الغائبة , وعلى اكاليل اشهر الصيف ولهيب ساعاته , تشاهد هبوط المراكب باليّم , بين دمعها والمراكب باقة شذا . تهبط اسراب النوارس , ويرمى الاهل والاحبة شباكهم فوق قلبها . تجرفها احزان بهية , وتمر غيوم ذكرياتها , فيهبط المِزن مِدراراً على شغافِ قلبها . تغمض عينيها عميقاً لتتمنى شاطىء ليبى , ستُطّلق العالم كله وتلوذ بشاطِئها . ينطلق حِصانَ احلامها الجامح على سُحبِ الرياح بعيداً كطوفان قوى لذيذ ومُنعش . كلُ حريرِ وذهبِ ومالِ الدُنيا وزينتها لا تساوى حبة رملٍ على شواطىء بِلادها . حلمها هذا يصاحبها كل يوم وكل ليلة , فيتحول حُزنِها لِفراق اهلها ووطنِها الى إنتشاء وإنشراحٍ , يُذهب عنها كأبة الوحدة .

لحظات ويعبٌس وجهها , عندما تتذكر ذلك الشعور مِن العجز والذهول الذى تولد لديها برفقةِ الجميع حيال النظام المجهول الغريب , ليظهر رمزه بوجه عبوس مؤطراً بهالةٍ سوداء , مجحِظة عيناه , مُزبدة شفتاه , ولتبرز اسنانه كوحش وهو يعلن وفاة الحُرية وجهض الديمقراطية وؤاد الامن والامان , ولتبدأ موجه الإعتقالات والإعدامات وانتهاكات حقوقِ ابناء شعبِها . كان لابد مِن المُغادرة , فلم تعد ارض الوطن تتسع للجميع .

ذِكرى مؤلمة , يوم تركت بِلادها . تتذكر يوم سارت السيارة صوب طريق المطار لتصله والألم يعصر ثنايا قلبها ويثقله . تمنت لو ان المسافة تطول , فلا تصل اليه , ساعة زمان وكانت هناك . تنتهى الاجراءات لتحين ساعة الوداع الابدى . يضمها الاب بين يديه , يحتويها كى لا ترحل عنه . تتشبث بِه , فهى لاتريد الرحيل . تستنشق رائحه عرقه المُعبقه بالدخانِ لتحتفظ بها بسنام روحها . يهمس الوالد بكلماتٍ لازالت تتذكرها " ربى يحفظكم ويسهل امركم ويربحك ويربح عويلتك ويفتحها فى وجهكم وين ما مشيتوا , رضاى عليك يا مينتى " يزيد نحيبها ليملاء المكان فيباعد بينهما بواسطةِ الشقيق الذى اّبى إلا ان يأخذ نصيبه مِن البُكاء ومعانقة الاخت والنسيب .تغادر الى صالة الإنتظار لتنتظر هُناك , بحلولِ ساعة مِن الزمان يتم استدعاءها . تذهب لتستطلع الامر , اباها هناك اتى يتزود بنظرة وداع اخيرة لن يكون بعدها لقاء . تهرع اليه مجدداً " عارف انى مش حانشوفك مرة ثانيه , وصيتى انك تاخذى بالك من راجلك و عيالك " تغادر ارض الوطن , تغادر اُناس لها لن تراهم . الله لا يسامح من كان السبب .

تغرق بدموعِها وهى مُعلقة بالسماءِ , بات الهواء مخنوقاً بالبكاءِ الرابِض على اطراف حلقها, تلقى بنظرة اخيرة على حدود وطنها مِن خلال نافذة الطائرة لتدرك انها تترك اشياء كثيرة خلفها . تضع يدها على صدرها تتحسس موضع الألم . تغمض عينيها , لم تعد تفكر بشىء . يتوقف البكاء فى لحظة بين الصمت والرجاء عسى ان ترى والديها قبل ان يُغادرا مسرح الحياة ..

تصل الى موطن جديد , يبهرها جمال الجليد , واهل البلاد الذين يشع من عيونهم بريق غريب ,نظافة لم تعهدها , لا حجارة ولا غبار . لا حمير ولا ابقار !!! إنطباعاتها الاولى لم تكن إيجابية حول البلد الجديد , تشعر بالضياعِ والفُقدان . فُقدان الوطن والامان .تريد العودة الى وطنها , تريد امُها واباها , اختُها واخاها . تتخيل نفسها صغيرة تلعب مع بنتِ الجيران وامها تخبز بالتنورِ فتمد لها بلقمهٍ لتتذوق طعم الطاجين والزيتون . روحها ممزقة كأشلاء مُبعثرة , تبحث فى غرفتها عن وطنها , فى اشياء صغيرة ككتبها , فى سريرها , فى اللوحات المُعلقة , فى اصيص النعناع والريحان , فى رنه هاتفٍ يحمل صوت إنسان ما , عبر المسافات البعيدة .

تجد نفسها مُحاطة بأناس مِثلها , عجائز واطفال , نِساء ورِجال , وطنيون مثلها , يتنفسون ويشربون ويأكلون بوجوه مُشردة مليئة بالمعاناة . جاهدت على ان تندمج فى مجتمع غريب , عليها ان لا تنعزل عن المحيط الذى تعيش فيه لتتعلم ما هو خيّر وجميل . جاهدت فى غربتِها بشجاعة تأبى الموت والتلاشى بأرادةِ الحياة وخصب عريق خطته روحها العظيمه ضد العواصف . عاشت سنين عديدة عبر رحلة لم تخلو من قرصاتِ البرد وصراع بين الكون والذات . بذلت مجهوداً عظيماً فى تربية اطفالها لتقرب المسافة ولتحدث التلاحم بينهم وبين الوطن الذى سمعوا عنه ولم يروه . كان لابد من ان تحفر شموخها وعنفوانها وحبها لأرضها فى ذاكِرة اطفالها والمحيطين بها لتنقش كبريائها فى ضمائرهم ولتقذف فى قلوبهم وعقولهم بمبادئها . تحدثهم عن الوطن المسبى , وطن مهما تعددت وجوهه ومأسيه وعذاباته , يظل وطنهم الاول والاخير . وطنهم المُعطاء الذى ينبض قلبه المُتعب بالحبِ والخيرِ والبرِ تجاه ابناءه . وطنهم الذى تكالبت عليه الكلاب الضارية لتأكل خيره وترمى اشجاره بالحجارةِ . وطن دُنس شرفه , وشُوهت سُمعته , ونُهبت خيراته وجُوع اهله وقُتل اطفاله . كان لا بد من تبريِر سبب خروجهم وتركهم لأرضه.

إمراة مِِن بِلادى , زوجة المناضل كان عليها ان تغطى النقص الحاصل فى غيابه وإنشغاله بهموم الوطن , لتصبح شريكاً فعلياً فى معركة النضال ولتقاسمه ارض المعركة ولتكافئه التضحية , فتظل على العهد , تداوى الجرح وتتحمل الألم . هى شاطىء مسكون يرسوا عليه قاربه المُتعب رغم العواصف ورغم الحريق , فهى الملاذ والسلوى وهى السبيل , ترى إنعكاس روحها على المُحيطين بها كعصفورةٍ تطير مِن غُصنٍ لغُصن تغرد بأناشيد حزينة , او ملكة جِن تّعِد الاخرين المستحيل , او عروس بحرٍ تخرِج مِن البحرِ لتؤنس وحدة المعزولينَ .

هى إمراة من بلادى صابرة مُناضلة شامِخة , تعجز الكلمات عن وصفِها . إمراة مُفعمة بالحيويِه والنشاط , بسيطة لديها مِن الكبرياء ما تفيضُ به على الغير . هى لوحة فنية اجمل من الفِتنة واعذب مِن الفِكرة . ايتها العظيمة , يا إمراة بطعم الفرح والحُزن , ها انت تسكنين زوايا عُمر التاريخ المُسافر لتكونى انتِ والوطن وجهان لِعُملهٍ واحدة .

إمراة مِن بِلادى , هى الصرخه والالم عندما اتى الموت مُبتسماً ليزف الوالد , اغلى البشر , هى الضحكة المسلوبة التى ابت ان تقطن ثغرها الذى ينبُس بعشقِ الوطن , هى الالم وما يحتويه مِن معانى ومُفردات , هى حسرة فى قلب يتيم بالعراءِ يهيم , وطفلٍ جائع مرمى على رصيف الجوع والقهر والاهمال ليقتسم لقمته مع الرصيف الذى اواه , هى حزن النساء عندما تتذكر كل اُم ٍوكُلَ زوجه انه هناك من نالت يد الغدر الظالمة مِنه , فلم يتمكن مِن سلكِ دربِ العودة الى بيته واهله وانه لم يعد يُسمع صداه , هى الارض عندما يغرس نصل الخنجر فى قلب الوطن فيسيل دمه ليختلط بدمِها , هى الشوق لذلك الوطن التى نُثرت عبر ساحته روايات حُزن وفرح , هى الوطن لتصنعَ قارِباً يُبحِر عَباب نهر توجعه ولتجعل الالم مِجداف رحلتها , هى الوداع الذى يتغلب على الاوجاع حين مُنعت من السجود فى وطنها لوطنها , هى الوطن الذى تُرفع له جميع القبعات , هى سفينة تبحث عن رُبان ورجولة اعتذرت عن القيادة فى زمنِ الِنساء , هى الشعب المُنتظرِ بشوقٍ لِبداية النهاية.

لم تصدق لحظة ان التائهين فى الشتات والذين اصبح بوسعهم العودة الى ارضِ الوطن إنما يواجهون غربةً مِن نوع جديد , العودة الى المُستحيل , سيجوبون شوارع وازقة وطنهم العتيقة المتهالكة , باحثين عن وجوه عرفوها طواها النسيان والزمان , الناس ليسوا هم نفس الناس , الوجوه تغيرت , سيعودون الى زمن خاوى الوفاض , سيعودون ليعانقوا حلماً جميلاً ليستفيقوا منه فيجدوا انهم يتمسكون بتلابيبِ السراب . العودة لن تقضى على الغربة , لا يعلمون ان الغُربة قد سكنت ارض الوطن .

مِن عُمق جِرحها الازلى ومِن دوامة الامها القاسية ومن قلب تعوم فيه المأسى والاحزان وعين ابتلع الديجور صفاءها وبريق نظراتها , ومن جسد اسقته الحياة الحسرة على الوطن سُماً زُعافاً وجعلته فى ساحات القدر رُفاتاً , فباتت ترى العيش فى ارضها جُزافاً , تنطلق صرخة مدوية تنفطر القلوب لها حُزناً عند سماعها, تخرج لتتسلق جدران القلوب واسواره , صرخةً مِن الاعماق ..... لِماذا لماذا يا رب لِماذا ؟؟ لِماذا وطن تُستلذ عذاباته ؟ ويُستعذب ويُطرب لأهات شعبه ؟ لماذا يرقص البعض طرباً على اوجاعه ؟ لماذا تُعزف اوتار حُزنه لتمزق جُل احلامه ؟؟
إلهى ليس لنا إلاك , ساعِدنا , فقد ضاع وطننا
يا الله لن اعود وقد تجرعت كأس الغدر جارتى وصاحبتى واختى , لن اعود لألعق جراح قلبى مِن جديد ولاحتسى دموع عيونى على ضياع ما تبقى لى .
إلهى كيف لى ان اجد الخلاص لوطنى وقد انفقت جُل عُمرى ابحث عنه
كيف لى ان اسمع صوت صداه وقد ابتلع النِظام دِماه
اشتاق اليه وقد ضاقت بى السبل وتاهت روحى الظمأى فى صحارى اليأس والغُربةَ وليس مِن مُجيب سواك يا الله يا الله

لا اسمع إلا صوت وانين قلبى مُدوياً فى فضاه ولا ارى سوى كأبة الوطن مُجسدة فى تصرُفاتى وزفرات حُزنه تُخدر جسدى , لأتخبط كأعمى شاءت له الاقدار ان يرى قُبح النظام وسؤه بعد اربعين عاماً من التنسكِ , فى مِحراب ذاته وخرابه , الذى كنفه الديجور وحجب عنه نور الحقيقة .
يا الله الوقتَ يمُرُ كشبح اسطورى ابتلع كل امالِنا
نبضات قلوبنا تُذكِرُنا برقاصِِِ الساعة , ليذكرنا بدوره بيومٍ اخر سيُسجل فى صحيفةِ ذِل وطنُنا . وكل إشراقة شمس ستُذكِرنا بمولد نهارٍ جديد مِن العذاب والمِحن .

وطنى يا وطنى

كُل شىء زائل لا محاله , وما مأساتك يا وطنى الا حلقة صغيرة فى سِلسلةِ امال كثيرة . لابد لمسلسل حُزنك ان ينتهى ولابد لرياح الامل مِن أن تهُبَ , فتحمل معها غمامة اليأس والقنوط والحُزنَ التى غطت سماك مِنذُ عهودٍ الى غير رجعة .

ترى نجمة بعيدة تهبط خافتة , تتعلق بأهدابها , تتوهج احلامها وامالها , تعلو لتهبط , فتدعوا الله ان يرُد غِربتِهم على خير . النجم والليل يعرِفان من تكون , فى هذا الخواء ادمنت إنتظار النجم والقمر , تتضرع لهُما بأن لا يخلِفا مِيعاد زيارتِها , حتى لا تداهِمها الوحدة , فبضيائهما تغسل بقايا ماضى يستعيد تفاصيله ثم يقف راجعاً الى مقره القابع على شاطىء البحر .
يخاطبها القمر : ايتها الصابِرة الوطن سيتماثل للِشفاء , فقط اعُطيه مُهلة , فدمه ينزف من العذاب ليتدفق شلالات تسقى و تُحيى زهور ربيعه , وتغرس للغد جذوة امل . دعوا الوطن ينبعث مِن رماد جمر تُشيد صرح الفرح , ويعلق نجمات الاماسى نياشين للنصرِ والترح .
يغادرها القمر ليعكس بضياءهِ على وطِنها فيخاطب اهله :
يا وطن الضائعين المُشردين , هِب مِن وهن وارسم ملامِح مجدٍ وفجًر جديد لتحتضن طيورك المُهاجرة , لتعود الى اوكارِها , ولتتنفس نسمات هواءها , فتشدو بجميلِ صوتها والحانها.

المجد لك ايتها المرأة الصامدة , شهادة مِن الزمن , وبرقية شكر مِن الدهر والوطن , ورسالة تودد وتلطُف مِن كلِ زوجٍ واخٍ وابنٍ للزوجة وللام وللشقيقة المُرابطة التى لم تقع صريعة الشُبهات , المُميزة المُتميزة التى لا تعرف المصاعب . الى كلِ زوجه تحملت ويلات الغربة بجانبِ الزوج لتكون له الظهر والسند .

وطنى 100
8-16-2008


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home