Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
لماذا تتسبب جورجيا في كل هذا التوتر؟

لماذا تتسبب جورجيا في كل هذا التوتر؟
د. بشير موسى نافع

جريدة "العرب" القطرية
http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=53746&issueNo=261&secId=16
11/09/2008

واحدة من أبرز مظاهر الأزمة المتفاقمة في جنوب القوقاز هي اللغة التي يستخدمها عدد كبير من السياسيين والمعلقين الغربيين، والمفاهيم التي يوظفونها. في المجال اللغوي الموازي للأزمة، عادت من جديد كلمات ومصطلحات وتواريخ بدا وكأنها في طريقها للخروج من نظام العلاقات الدولية. روسيا، من هذا المنظار، تهدد سلامة دولة مستقلة، تهدد سيادتها على أرضها، وتقوض وحدتها كدولة قومية معترف بها من الأمم المتحدة.
غارتن آش، الأستاذ في أوكسفورد والمعلق براغماتي التوجه في الغارديان البريطانية، كتب في توصيف الفرق الصارخ بين السلوك الأوروبي السياسي ونظيره الروسي، مؤكداً على أن أوروبا أقرت منذ زمن بعيد فكرة الدولة القومية وسيادة هذه الدولة واستقلالها. ولكن أوروبا لا تمانع في تغيير حدود الدول وكياناتها، طالما أنجز التغيير سلماً، وبالتوافق، وعبر وسائل الاستفتاء والتفاوض والإقرار القانوني الدولي. المقاربة الأوروبية، بهذا المعنى، تمثل نقيض سياسة طوابير الدبابات الروسية، التي تحاول في القوقاز إعادة بناء أمبراطورية القرن التاسع عشر بعد عقدين من انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. حتى نائب الرئيس الأمريكي تشيني، الذي تشير إليه أصابع كثيرة بوصفه المسؤول عن اندلاع الأزمة، لم يتردد في جولته القوقازية في التحدث عن استقلال الدول وسيادتها على أراضيها.
كيف يمكن لهذا الخطاب أن يعزز الثقة في مصداقية المرافعة الغربية ضد السياسة الروسية في جورجيا؟ كيف يمكن أن يكسب الرأي العام العالمي ضد العدوانية الروسية، التي لا ينبغي، على أية حال، التقليل من الدمار والمآسي الإنسانية التي تسببت فيها؟ أي إجابة عن مثل هذه الأسئلة لا يمكن أن تتجنب سجل الكتلة الغربية خلال العقدين الماضيين منذ نهاية الحرب الباردة. يوغسلافيا لم تتفكك سلماً، بل في خضم سلسلة من الحروب الطاحنة التي اختارت فيها القوى الاوروبية الرئيسية الوقوف ضد المركز اليوغسلافي (الصربي) لصالح القوميات الانشقاقية. استقلال كرواتيا أنجز بعد حرب دموية، واستقلال البوسنة (القلق حتى الآن) صاحبته حرب أكثر دموية ومرارة، شهدت حملة من التطهير العرقي الذي لم تشهد أوروبا له مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية. ولم تكن معركة كوسوفو أقل وحشية. وفي سياق تفكيك الكتلة اليوغسلافية، قصفت صربيا بطائرات الناتو طوال ثلاثة شهور متوالية؛ بقرار من الناتو وليس من المنظمة الدولية. والمفارقة الأكبر أن إعلان استقلال كوسوفو مؤخراً، واعتراف الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية بهذا الاستقلال، يناقض قرار الأمم المتحدة الخاص بوقف الحرب في كوسوفو، والذي أكد على أن مستقبل المقاطعة يقر بالتوافق بين الأطراف المعنية. وإن كان هناك من مسوغ للاعتراف الروسي الانفرادي باستقلال مقاطعتي أوسيتيا وأبخازيا فهو بالتأكيد الدعم الأمريكي لإعلان كوسوفو الاستقلال من جانب واحد.
شنت الحرب على أفغانستان عشية هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر البشعة على نيويورك وواشنطن والتعاطف العالمي الواسع مع الشعب الأمريكي. ولكن قلة يتذكرون أن تلك الحرب، وما نجم عنها من إسقاط النظام الحاكم في كابل، لم تتمتع بغطاء شرعي دولي. القوات الأجنبية التي تحتل أفغانستان، حيث الحرب تدور منذ سبع سنوات، هي قوات تابعة لحلف الناتو لا الأمم المتحدة. أما المسألة العراقية فهي الأسوأ بدون أدنى شك. فالحرب على العراق واحتلاله وإسقاط نظام حكمه لم تتم بدون مرجعية قانونية وحسب، بل وفي ظل رفض أممي قاطع للحرب، رفض شاركت فيه قوى غربية وعالمية هامة، والغالبية العظمى من الرأي العام العالمي. كانت الحرب انتهاكاً صارخاً لسيادة دولة مستقلة؛ وبدلاً من أن تلتزم إدارة الاحتلال باتفاقيات جنيف التي تلزم المحتل بعدم تغيير الوضع القائم، عملت على إعادة بناء العراق، دولة وكياناً، بالطريقة التي رأتها، بحيث باتت وحدة العراق مهددة. ما قام به الروس في جورجيا، وما يعملون على تأسيسه من أمر واقع في أوسيتيا وأبخازيا، لا يتفق والشرائع الدولية، ولكنه لا يختلف عما شهده البلقان منذ مطلع التسعينات، وما شهدته أفغانستان والعراق منذ مطلع القرن الجديد. وبالنظر إلى سجل الاشتباك بين جورجيا والمقاطعتين الانشقاقيتين، وإلى أن حكومة تبليسي هي التي فجرت هذه الحلقة من الصراع، فقد يبدو السلوك الروسي أقل وطأة على الشرائع الدولية من حالات يوغسلافيا وأفغانستان والعراق. ولكن هذا هو وجه واحد فقط من الأزمة القوقازية.
من حيث مجاله الجيوبوليتكي، كان الاتحاد السوفياتي وريث الإمبراطورية الروسية، التي بنيت عبر موجات من الحروب التوسعية، كانت آخرها موجات التوسع نحو الجنوب في القرنين الثامن والتاسع عشر. ومنذ الثورة الشيوعية، أكد الاتحاد السوفياتي وجوده في مواجهة معارضة غربية هائلة، وسلسلة من الحروب الأهلية والأيديولوجية والاستخباراتية. ولكن القوى الغربية وجدت نفسها مضطرة للتحالف مع السوفيات في الحرب العالمية الثانية، لمواجهة خطر التوسع النازي الداهم، الذي بدا حينها أكثر بشاعة وإلحاحاً. قدم الاتحاد السوفياتي في الحرب تضحيات هائلة، وتحمل القسط الأكبر من أعباء هزيمة ألمانيا النازية، بالرغم من أن الرواية الغربية الشعبية للحرب لا تعكس عادة هذه الحقيقة. وقد كانت الحرب توشك أن تصل إلى نهايتها عندما التقى قادتها الرئيسيون: روزفلت، تشرتشل، وستالين، في يالطا على البحر الأسود، لبحث مستقبل القارة الأوروبية. التفاهم، الذي سيحمل بعد ذلك اسم يالطا، لم يكن مستساغاً من الزعيم البريطاني، ولكنه مثل تعبيراً عن حجم المساهمة السوفياتية في الحرب، وعن المدى الذي استطاعت دبابات الجيش الأحمر الوصول إليه في الصراع القاري الدائر ضد ألمانيا النازية. بنهاية الحرب، خرج الاتحاد السوفياتي وقد أصبح القوة القائدة لنصف المجال الأوروبي تقريباً، أو ما عرف باسم الكتلة الشرقية أو الشيوعية. وما أن تحول الانشطار الأوروبي إلى 'جدار حديدي' وحرب باردة، حتى انتظمت الكتلة الغربية في حلف الناتو والكتلة الشرقية في حلف وارسو.
خلال ثلاثة عقود من الحرب الباردة، حاول كل من الطرفين تسجيل بعض النقاط في معسكر الطرف الآخر. ولكن حدود يالطا ظلت على ما هي، بدون تغيير يذكر، تحرسها بنية متصاعدة من السلاح النووي وتوازن الرعب. التوسع والانحسار للطرفين المتصارعين جرى خارج الساحة الأوروبية، في ما عرف بدول العالم الثالث، حيث تجلت الحرب الباردة في حروب من نوع آخر، حروب ساخنة، مكلفة وطويلة. في نهاية الثمانينات، خسر الاتحاد السوفياتي الحرب الباردة، وخسر معها قدرته على التحكم في مصير دول الكتلة الشرقية وحلف وارسو. ولكن الأمور لم تنته هنا؛ ففي لحظة فقدان التوازن السوفياتية، لم تستطع موسكو الحفاظ على سيطرتها على العدد الاكبر من الكيانات القومية التي ضمت للإمبراطورية الروسية في القرنين الثامن والتاسع عشر، والتي كانت في الأصل ممتلكات عثمانية، أو قاجارية، أو إمارات إسلامية مستقلة في وسط آسيا. وهنا بدأت المشكلة.
لم يقابل الغرب انحلال حلف وارسو بالتخلي عن الناتو، والترحيب بروسيا في منظومة أوروبية أمنية شاملة؛ وهو ما كان يعني بالضرورة تراجع الدور الأمريكي في القارة الأوروبية. ما حدث كان النقيض تماماً؛ إذ حافظت الكتلة الغربية على حلف الناتو، بل وتعزز الدور الأمريكي الأوروبي. أصبحت الولايات المتحدة (بلا اختلاف يذكر بين بوش الأب، كلينتون، وبوش الابن) القوة الحارسة للدول الأوروبية الشيوعية السابقة، وقادت سياسة توسيع حلف الناتو، ليضم أغلب هذه الدول. إن كانت يالطا أسست للانقسام الأوروبي، فقد حافظت أيضاً على سلم القارة النسبي طوال ثلاثة عقود. في عالم ما بعد يالطا، ما بعد الحرب الباردة والانقسام الأوروبي، لا عاملت القوى الغربية روسيا الجديدة باعتبارها شريكاً في منظومة أمن القارة، ولا هي تعاملت معها كقوة خارج المنظومة الغربية، ينبغي التفاهم معها على أسس جديدة لما يعنيه أمنها وما يعنيه أمن دول القارة الأخرى. انتصر الغرب في الحرب الباردة، وضم العدد الأكبر من الدول الشيوعية السابقة، بدون أن يتفق وروسيا على بديل ليالطا، وتصرف وكأن روسيا وأمنها مستباحان تماماً.
في مؤتمر دول الثمانية 2001، ألقى الرئيس الروسي خطاباً هاماً، تمحور حول التحذير من سياسة توسيع الناتو، ودعا إلى نظام أمن أوروبي شامل لا يستبعد أحداً، ملمحاً إلى أن روسيا على استعداد للالتحاق بالناتو إن تم التفاهم على إعادة بناء الحلف ليصبح إطار النظام المقترح. ولكن أحداً لم يأخذ بوتن مأخذ الجد. ومن ضم بولندا ودول شرق أوروبا إلى الحلف، إلى إقامة المزيد من مراكز الإمداد العسكري المتخصصة في عدد من الدول الشيوعية السابقة، وصولاً إلى تأسيس قواعد صواريخ مضادة للصواريخ في بولندا وتشيكيا، أخذ الناتو بقيادته الأمريكية يحكم الخناق على روسيا الجديدة. شجعت القوى الغربية على تفكيك الفيدرالية اليوغسلافية، وأطاحت بالنظام وراء الآخر من الأنظمة الصديقة لروسيا في دول الاتحاد السوفييتي السابقة، أي في دول الإمبراطورية الروسية ما قبل الثورة الشيوعية. بوصول الناتو إلى جورجيا وأوكرانيا، تكون روسيا في موقع الدفاع عن جدار أمنها الأخير؛ ليس فقط لأن جورجيا بوابة القوقاز الروسي القلق بالإثنيات والطوائف المتعدة، ولكن أيضاً لأن أوكرانيا تعني الكثير لروسيا، تاريخاً وجغرافيا سياسية وتداخلاً سكانياً.
السؤال الذي لم يطرح بعد بجدية كافية في الدوائر الأوروبية أن الناتو كان في الأصل منظمة دفاعية، حلفاً للحفاظ على، وحراسة، الكتلة الأوروبية الليبرالية الرأسمالية. ولكن أحداً لا يعرف ماذا يعني الناتو الآن. هل هو حلف لمواجهة روسيا، لخوض الحروب في أفغانستان وجهات العالم الأخرى؟ وهل ترغب الشعوب الأوروبية فعلاً في أن يتحول الناتو إلى منظومة إمبريالية لفرض إرادة ما في أوروبا وأنحاء العالم المختلفة؟ هذا الناتو ليس حلفاً دفاعياً؛ وإن كانت نهاية الحرب الباردة مناسبة لنهاية إمبراطورية الشر، فإن الناتو يستبطن اليوم بناء إمبراطورية جديدة.
وكل الإمبراطوريات عبر التاريخ ولدت وفي رحمها حروبها الخاصة؛ وهو ما لا ينذر بخير كثير للقارة الأوروبية الشقية بتاريخ طويل من الحروب.

كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث


علي جبريل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home