Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 16 نوفمبر 2008

previous letter                 next letter                 list of all letters

إلى المهندس سيف الإسلام
حذار من أن تخدعك هذه الممارسات

عندما أعلن المهندس سيف الإسلام عن قراره الابتعاد عن المعترك السياسي، خلال لقائه بالشباب في سبها في العشرين من شهر أغسطس الماضي، كتبت مؤيداً قراره ومعبراً عن احترامي الكبير لصراحته وبعد نظره، ودعوت إلى أن نحترم هذا القرار، وأن نحاول أن نتلمس طريقنا لمواصلة المسيرة التي بدأها أخونا سيف من خلال مشروعه الطموح الكبير "ليبيا الغد" بأنفسنا، ومن خلال الاعتماد على ما لدينا من قدرات على التفكير والتدبير، إن كان لنا منها شيء.

لكننا أخذنا نشاهد ونسمع ونقرأ عن ممارسات شتى: تظاهرات، واعتصامات، ومسيرات على الأقدام، ورسائل استغاثة واستجداء، كلها تتوسل إلى المهندس سيف الإسلام تارة، وإلى والده القائد تارة أخرى، كي يتراجع عن قراره ويعود لممارسة السياسة والإشراف المباشر على مسيرة مشروع "ليبيا الغد"، أحياناً بحجة أنه هو من بدأ هذه المسيرة وأنه لا أحد غيره بوسعه أن يكملها، وأحياناً بحجة أنه راعي الشباب، وأن الشباب بدونه سوف يزدادون ضياعاً على ضياعهم، وأحياناً ثالثة بزعم أنه هو وحده القادر على إنجاز أهداف ذلك المشروع الطموح الكبير.

والمشكلة في نظري تتمثل أساساً في هذا النمط من الممارسات التي تقع خارج الأطر الشرعية التي ينبغي أن تحتضن وتقنن مختلف مظاهر الحراك الاجتماعي، ذلك أن أحداً لا يدري من يدبر مثل هذه التجمعات والتظاهرات والاعتصامات والمسيرات والهتافات، وما الجهة التي تتحمل ما يترتب عليها من تكاليف ومصروفات، ومن يحدد لها أهدافها وغاياتها، ومن يقرر ما يصدر عنها من خيارات أو قرارات أو بيانات.

ولعلي أجازف بالقول بأننا ينبغي أن نكون قد بلغنا، كشعب وفئات اجتماعية، قدراً كافياً من النضج الحضاري والسياسي يجعلنا نتصرف بسلوك أرقى من هذا المستوى من الغوغائية والدجلية والتزييف.. فنحن جميعنا نعرف أن هذه الممارسات هي ممارسات أبعد ما تكون عن العفوية والتلقائية والصدق، وبتنا نعرف جيداً الأساليب التي تتبع في ترتيبها وتنظيمها وفي تدبير الأموال التي تصرف عليها، حيث توجد لها ميزانيات لا أحد يعرف مصدرها الحقيقي ولا حدودها، ثم تجند لها إمكانات الدولة ومختلف هيئاتها، لضمان توفير الحشود المطلوبة من الناس، إما إجباراً تحت مختلف أشكال التهديد بسوء العاقبة، وإما إغراء بمبالغ من المال تسلم لمن يشارك فيها يداً بيد.

إذن فنحن نعرف أن هذه الممارسات وراءها فئة أو شريحة من المنتفعين الذين لهم مصلحة خاصة في أن يعود المهندس سيف الإسلام لمواصلة مسيرة مشروع "ليبيا الغد"، لا قناعة بالمشروع في ذاته، فغالبية هؤلاء لا يدركون حقيقة أبعاده وغاياته ومراميه، ولكن حرصا على هذه المنافذ التي فتحت أمامهم للكسب والسرقة وممارسة النفوذ والهيمنة، تحت ستار "مشروع ليبيا الغد" وما يسمى روابط الشباب، التي ذكرتنا الممارسات التي تمت خلال عملية اختيار إداراتها بتلك الممارسات البشعة التي كنا نشهدها أثناء عمليات التصعيد لاختيار أمانات اللجان الشعبية وغيرها، من مؤامرات و"كولسة" وسرقات يندى لها جبين الخلق الكريم والممارسة السياسية النظيفة.

ولقد قلنا مرارا من قبل، وقال غيرنا كثيرون، أن المهندس سيف الإسلام قد خانه التوفيق منذ البداية، في اختيار وتحديد الآليات والمسارات التي يجدر أن يتبعها لتنفيذ مشروعه الطموح "ليبيا الغد". وقد قلنا له من ضمنا ما قلناه إن اعتماده في هذه المسيرة على من يسمون الشباب هو رهان في منتهى الخطأ والخطورة، ذلك أن المشروع، وهو لا يزال مجرد فكرة أو مجموعة أفكار غير محددة الملامح، يحتاج أكثر من حيوية الشباب وحماستهم واندفاعهم، إلى روية الشيوخ وتأنيهم وحكمتهم، وقبل كل ذلك يحتاج إلى ما قد يكون لدى هؤلاء الشيوخ من علم وخبرة اكتسبوها على مدى السنين والتجارب..

وقلنا للمهندس سيف الإسلام إن مشروع "ليبيا الغد" يحتاج قبل كل شيء إلى أن تكون له رؤية محددة، تنطلق من تشخيص موضوعي علمي لحقيقة وأبعاد العلة التي يعاني منها الجسد السياسي للبلاد، ثم تحديد علمي أيضاً لطرق العلاج الملائمة، وللمراحل التي ينبغي أن يستغرقها هذا العلاج، ثم للأدوية اللازمة، مع تحديد ما يلزم من جرعاتها وأوقاتها.

ومن هذا المنظور تمنينا على المهندس سيف الإسلام، ووجهنا إليه دعوات مخلصة وصادقة إلى أن تكون أولى خطواته في هذه المسيرة الطويلة عقد مؤتمر وطني للحوار، يتم بإشرافه المباشر، يدعى لحضوره كل من يتوسم فيه الجدارة والقدرة على المساهمة بالرأي والخبرة والمشورة، من داخل وخارج البلاد، وينطلق الحوار برعاية المهندس سيف الإسلام، لكي يضمن للمشاركين فيه ما يلزم من الأمان على سلامتهم الشخصية، ومن أية عواقب قد يخشى وقوعها من بعض أطراف في البلاد، لديها مصلحة مؤكدة في بقاء الأحوال على ما هي عليه، ومن ثم في عرقلة مشروع "ليبيا الغد" والحيلولة، بكل الطرق والوسائل، دون أن يتمكن من وضع خطاه على الدرب الصحيح.

لكن السدود التي كانت وظلت تحول دون المهندس سيف والاستماع إلى كلماتنا تلك قد أفلحت –على ما يبدو- في وضع العصي الغليظة في دواليب المشروع، فعرقلت جميع المبادرات التي اتخذها المهندس سيف وبشر بها في خطاباته، وأجهضت ما تمت محاولات خجولة لتنفيذه، ثم واصلت حربها الشعواء عليه حتى أجبرته على أن يتخذ قراره الذي أعلنه في مدينة سبها..

وها نحن أولاء نشاهد هذه الممارسات الغوغائية التي تزعم أنها حريصة على عودة سيف الإسلام لتولي المسؤولية ومواصلة المسيرة، وإني لأربأ بالمهندس سيف الإسلام عن أن يسمح لنفسه، ولو للحظة واحدة، بأن ينخدع بهذه الممارسات، ذلك أني أتوسم أنه أكثر ذكاء وأبعد فهماً من أن تنطلي عليه مثل هذه التظاهرات، وإذا سمح لي أن أتقدم إليه برأي فإني أكرر له مرة أخرى التعبير عن أن قناعتي الشخصية، وأحسب أن كثيرين من أبناء الوطن يشاركونني فيها، هي أن عودته إلى معترك السياسة مطلوب ومهم، ولكن على أن يعيد النظر في الآليات والأساليب التي اتبعها في بداية مشروعه "ليبيا الغد"، فيجمد في الوقت الحاضر تلك الآليات التي تكونت حول المشروع وهي عاجزة تمام العجز عن تقديم أي فائدة حقيقية له، وأعني بهذه ما يسمى "روابط الشباب" وما في حكمها، وأن يعد العدة للدعوة لعقد حوار وطني شامل، يتعاضد فيه ذوو الرأي والخبرة في بلورة رؤية فكرية وسياسية وطنية، والاتفاق على آليات تنفيذها، ووضع الخطط المرحلية للتنفيذ..

ثم فليتوكل المهندس سيف الإسلام على الله وعلى أبناء الوطن في وضع تلك الخطط موضع التنفيذ، إذا تمكن من إقناع والده القائد بأن يزيح من طريقه العراقيل التي أفشلت المسيرة في المرحلة الماضية، ونعني أولئك الذين لهم مصلحة في بقاء الأحوال كما هي، من أجل أن يظلوا يتمتعون بما يتمتعون به، دون سائر أبناء الوطن، من هيمنة ونفوذ وسلطان وثروة وسلاح، وإذا تمكن في الوقت نفسه من إقناع والده القائد بأن الأوان قد آن لإجراء مصالحة وطنية حقيقية، تبدأ بمعالجة الشأن السياسي العام، قبل الالتفات إلى الشؤون الشخصية الخاصة، من تعويضات مادية وما في حكمها.

الدكتور سامي العربي
samisallm@hotmail.com
15 نوفمبر 2008


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home