Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

عـودة فاجعـة لخطاب التخوين والإرهـاب الفكري

لقد مثلت المقالة التي نشرت في صحيفة قورينا(*) يوم الحادي عشر من هذا الشهر (مايو 2008)، وحملت توقيع مصباح المصراتي، فاجعة فكرية ومعنوية بكل معنى الكلمة، فبعد أن بتنا نميل إلى أننا شرعنا في سلوك طريق تبتعد بنا رويداً رويداً عن ممارسات الإرهاب الفكري، التي عكرت حياتنا السياسية، ولبدت سماءها بالغيوم السوداء الكثيفة المتراكمة، ها نحن أولاء نفاجأ بها تعود إلى الظهور من جديد، في شكل كلام يفترض أنه يأتي رداً على مقالة كتبها الدكتور فتحي البعجة ونشرت في الصحيفة نفسها قبل ذلك.

ونسمي هذا الذي نشر رداً على مقالة الدكتور البعجة كلاماً لأننا نربأ بمصطلح المقالة أن ينطبق على هذا النوع من الكلام الذي شحن بروح من السخط الأهوج المتخلف، عبرت عن نفسها بأنماط من مفردات وألفاظ السباب والتجريح والاتهام، ثم حفلت بما لا يستحق حتى عناء الرد عليه من المغالطات والمزايدات المكررة الممجوجة، التي عفى عليها الزمن، ولم تعد قادرة على أن تقنع أحداً أو تنطلي على أحد..مروراً بالعديد من التلميحات التي تكاد تكون تحريضاً صريحاً ومباشراً ضد الدكتور البعجة ، ومن ورائه كل من يؤيدون ما ذهب إليه وعبر عنه أرقى وأروع تعبير في مقالته التي أحسب أنها سوف تمثل نقطة بارزة في تاريخ مسيرة الإصلاح السياسي في بلادنا.

وبالرغم من أننا لا نريد أن نشغل أنفسنا كثيراً بالرد المفصل على ما جاء في كلام المصراتي، إلا أننا نود الحديث عن الدلالات والمعاني التي يمثلها هذا الكلام، وخاصة حينما يوضع جنبا إلى جنب مع كلام الدكتور البعجة.

ولا شك أن مثل هذه المقارنة تبين لنا بوضوح تام أننا بإزاء نمطين متميزين من التفكير والخطاب:

النمط الأول هو نمط الفكر الأحادي المتسلط المغلق، الذي يتوهم أنه يملك وحده كل الحقيقة، وأن كل من لا يتفق معه في آرائه وأفكاره وتصوراته هو عدو له، يستحق أن يتم التصدي له، كما ينبغي لعدو أن يتصدى لعدوه في ساحة القتال والصراع، مستخدما كل الأسلحة التي تحقق له الانتصار على خصمه.

والنمط الثاني هو نمط التفكير الحر المنفتح العقلاني، الذي ينطلق أساساً من إيمان راسخ بأن لا أحد بوسعه أن يمتلك كل الحقيقة، أو أن يكون في جميع الأحوال والأوقات على صواب، أو أنه لا يلحقه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من أي جهة، ومن ثم فهو يقدم رأيه الذي يراه صواباً، ويحاول أن يقنع به الآخرين بما لديه من حجة ومنطق، ولا يهدف أصلاً لأن يفرضه فرضاً على الآخرين، ثم يتقبل بصدر رحب وروح سمحة ما يرد به الآخرون على رأيه، منتقدين أو مخالفين أو معترضين أو مفندين.

وقد رأينا بكل وضوح كيف انتمى خطاب المصراتي إلى النمط الأول، وانتمى خطاب البعجة إلى النمط الثاني. ففي حين تحدث البعجة عن رأيه فيما وصلت إليه البلاد، وأكد قناعته بحاجة الأمور إلى وقفة وإعادة نظر في العديد من السياسات والمناهج، وأبدى وجهة نظر فيما ينبغي أن يحدث، دون أن يتعدى على أحد، أو يتجاوز حدود الحديث الموضوعي المباشر، وجدنا المصراتي يكاد ببني كلامه كله على محاولة مفضوحة لإثارة الشكوك والظنون حول شخص الدكتور البعجة وحول غاياته وأهدافه، وصب عليه جام مخزونه من مفردات وعبارات الاتهام والتخوين والتشكيك، وهي مفردات خطاب كنا نحسب أنه قد عفى عليه الزمن ولم يعد أحد يجرؤ على العودة لاستخدامه، فالبعجة عند المصراتي: مأجور، وهو يتحدث نيابة عن "أسياده الذين سخروه بالمال"، وهو لا "يفصح عن هويته وانتمائه"، وهو يتسم في رأيه "بمنتهى الانحطاط والسفالة" وهو يتستر وراء "مشروع ليبيا الغد" لكي يطعنه، ثم لا يتورع عن ممارسة الكذب الصريح عندما يزعم أن البعجة "يتناول النظام السياسي في ليبيا، ويكيل له السباب والشتائم والتقريع"، ثم يتحول البعجة في نظر المصراتي إلى عميل "نذر قلمه لخدمة أعداء الليبيين"، لأنه يتحدث عن أن ليبيا تواجه أزمات على مستويات وصعد مختلفة، لكن المصراتي يرى أن الأمور في ليبيا تسير على أكمل وأروع وجه، وأن الأزمة لا توجد إلا في رأس البعجة، وأن كل ما كتبه إنما يعبر عن نفس "مأزومة" تريد أن تسقط أزمتها على ليبيا وشعبها، ثم يتمادى المصراتي في انهياره حتى يبلغ حد التشكيك في انتماء البعجة إلى ليبيا، عندما يخاطبه بقوله "وأنت ربما تكون ليبيا"، بعد أن يمر بالتشكيك في نوايا البعجة، قائلاً: "وليس أدل على نياتك السيئة أكثر من تعمدك تشويه الحقائق وليها".

ونحن نقول إننا كنا سنبتهج غاية البهجة لو وجدنا الأخ المصراتي يحاول أن يرد على كلام الدكتور البعجة بالحجة والمنطق والدليل، فهذا بالضبط هو ما نحلم بأن نراه يتحقق على أرض بلادنا، وهو بالضبط ما يسعى إليه كل الذين يؤيدون نهج الإصلاح، حيث تكتسب حرية الفكر والرأي والتعبير مكان الصدارة في خطابهم السياسي، ويأخذون هذه الحرية بمعناها الحقيقي، أي أنها حرية كل صاحب رأي في أن يعبر عن رأيه بحرية تامة، مستخدما كل الوسائل والأدوات التي يراها مفيدة لرأيه وموقفه، من حجة ومنطق ودليل وبرهان وحقائق مدعومة بالشواهد والأرقام والإحصاءات، دون أن يتجاوز ذلك إلى حد التهجم على الآخرين وآرائهم أو اتهامهم أو الانتقاص من حقهم المتكافئ مع حقه في امتلاك رأيه الخاص وحقه في التعبير عنه بحرية، تعبيراً علمياً موضوعياً سلمياً.

ولعلنا كنا سنسعد ونبتهج أكثر من ذلك لو أمكن أن نشاهد على شاشة التلفاز في إجدى القنوات الفضائية مناظرة مباشرة علنية، يتقابل فيها البعجة والمصراتي مثلا، وتتاح لكل منهما فرصة متكافئة للتعبير عن رأيه وإيراد ما لديه من حجج وأدلة وبراهين تدعمه.

وإننا من خلال هذه الكلمة نوجه دعوة إلى قناة الليبية الفضائية لأن تدرس فكرة إعداد برنامج للمناظرات الفكرية والسياسية، يستضاف فيه متحدثون يتبنى كل منهم رأياً مختلفاً عن الآخر، وتتاح لهم فرصة كاملة للتعبير عن الرأي والفكر، بحضور حكم نزيه وعادل، يكون قادراً على كبح جماح المتناظرين، ومنعهم من الانزلاق إلى مستوى التهجم والسباب أو الاتهام.

د. عـمرو عـبد السلام
12 مايو 2008
dramrsalam@gmail.com
________________________________________________

(*) نص "الفاجعة الفكرية" التي نشرت في صحيفة قورينا
في عدد الأحد رقم (0182) بتاريخ 11/5/2008ف :


بل أنت إلى أين؟

المشهد السياسي الليبي: من تماسك البناء ووضوح الخطاب إلى نجاح السياسات

بقلم: مصباح المصراتي

يقوم المشهد السياسي الليبي على سلطة الشعب يمارسها عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية التي يجري اختيارها بالتصعيد الشعبي المباشر في مناخ من الحرية حيث تتم النقاشات بصورة علنية وليست في الخفاء حتّى يتم التوافق على القرار المناسب لاختيار الشخص المناسب للمهمة التي ستسند له.

كما إن المؤتمرات الشعبية التي تضم كل الليبيين الذين بلغوا سن التكليف إناثاً وذكوراً دون حجر أو قيد هي أداة ممارسة السلطة حيث يناقش فيها كل شيء وفيها ترسم السياسات العامة وتقرر، لتتولى اللجان الشعبية تنفيذها، وتسأل عنها لاحقاً من المؤتمرات الشعبية.

ويعاون المؤتمرات الشعبية ويسندها في مهامها مجالس التخطيط وروابط الخبراء التي هي بمثابة بيوت خبرة تقدم خبرتها للمؤتمرات الشعبية لتسهل لها اتخاذ القرارات الصائبة. وتضم مجالس التخطيط وروابط الخبراء خيرة الكفاءات العلمية المؤهلة من الأساتذة والمختصيّن الذي تأهلوا في أفضل الجامعات.

وتضطلع في هذا المشهد الاتحادات والنقابات والروابط المهنية بدورها في رعاية منتسبيها، وتجسد "المجتمع المدني" بأبلغ صوره.

وفي جانب الحفاظ على اللحمة الوطنية تتولّى القيادات الشعبية مهمة دعم وترسيخ القيم الاجتماعية والوطنية للحفاظ على تماسك الليبيين وتلاحمهم الذي كان سبباً قوياً في الحفاظ على هوية ليبيا عبر كل العصور، وفي تحقيق انتصاراتها على أعدائها.

وعلى صعيد الدفاع والأمن يتم إعداد إطارات الدفاع عن طريق التدريب العسكري العام ونظام المناوبة الشعبية، بديلاً عن التجنيد الإجباري كما يجري توفير الأمن عن طريق نظام الأمن الشعبي المحلي حيث يتولّى قاطنو الأحياء السكنية التناوب فيما بينهم على سبيل التطوع لتوفير الأمن لأحيائهم. ويتوفر على صعيد الخدمات الاجتماعية –الصحية والتعليمية تحديداً- إلى جانب المؤسسات العامة نظام المؤسسات التشاركية، ويضمن القانون نظام العمل التشاركي الذي يستبدل الأجرة بالشراكة في الإنتاج ويلغي إلى الأبد عبودية الأجرة.

ويُكمل هذا المشهد الرائع روابط شبابية تشرّب منتسبوها القيم الوطنية واكتسبوها فهم الجيل الذي ولد وتربّى في ظل الثورة وهم الجيل الذي يشكّل عماد ليبيا الغد ومشروعها الذي تبنته المؤتمرات الشعبية وآزرته كبرنامج وطني طموح.

هذا هو –بشيء من الاختصار- المشهد السياسي الليبي الذي انبرى المأجور كاتب مقال ليبيا إلى أين؟ الذي نُشر بصحيفة قورينا المموّلة من خزينة الليبيين لتشويههم ونعتهم بأقذع النعوت والألفاظ نائباً في ذلك عن أسياده الذين سخّروه بالمال ليسيء إلى كل الليبيين حين يتناول النظام السياسي في ليبيا، وهو أمر قد يقبل منه لو أفصح عن هويّته، وكشف عن انتمائه إلى صف أسياده أعداء ليبيا، وأبدى حسرته وأسفه لأن ليبيا كانت محتلّة منهم ومكبّلة بقيود معاهداتهم التي كانت ضد إرادة الشعب الليبي، ومنهكة بشركاتهم التي كانت تنعم بخيرات الليبيين وتمعن في تخريب أرضهم واستنزاف ثرواتهم حين تتقاضى ما قيمته %90 من عوائد إنتاج النفط مقابل %10ليست للشعب الليبي، بل تلقى فتاتاً إلى العملاء والخونة الذين مكّنوا للمستعمرين ولشركاتهم السيطرة على ثورة ليبيا.

هؤلاء يمكن أن يكون في دفاعك عنهم وتعبيرك عن الحسرة مثلهم وأن تتألم كما يتألمون يمكن أن يكون لذلك مبرره، أمّا أن تطعن في ليبيا وفي نظامها السياسي وأن تنال منها وتلصق بها كل صفة سيئة فإن ذلك منتهى الانحطاط والسفالة.

والمؤسف أنك تتستّر وراء مشروع ليبيا الغد فتثني عليه في الوقت الذي تطعنه عندما تستغل المنبر الذي أتاحه لك فتسيء إلى حاضنته وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية وجموع الخبراء والكفاءات العلمية والإدارية في ليبيا وشبابها الواعد وتتناول النظام السياسي في ليبيا، وتكيل له السباب والشتائم والتقريع وكأنه شيء منفصل عن الليبيين وأنت تعلم أنّه لا يوجد نظام سياسي في ليبيا إلاَّ المؤتمرات الشعبية التي تضم كل الليبيين، وأن كل ما كلته من سباب وشتائم وتقريع لا يفهم إلاَّ في سياق أنه موجه إليهم جميعاً، فهم عماد هذا النظام السياسي الذي وصفت خطابه بـ"خطاب التخبط والبؤس والتأزم".

من هو المتأزم في ليبيا؟ الليبيون الأسياد أم أنت الذي نذر قلمه لخدمة أعدائهم؟ قطعاً أنت المتأزم؛ لأنه لا توجد أزمة في ليبيا إلاَّ في رأسك، فكل ما كتبته يعبّر عن نفس مأزومة تسقط ما بها على ليبيا والليبيين. وأنت ربما تكون ليبياً وفي ذات الوقت ضد ليبيا وهي حالة ليست جديدة على الليبيين وقد عاشوها عندما كانت مجلة فخري المحيشي ليبيا المصورة التي أصدرها في ثلاثينيات القرن الماضي تؤرخ بالتقويم الفاشستي وتبشّر الليبيين بالاستعمار الإيطالي وتمجد المستعمرين ومآثرهم وتزين لليبيين استقبال موسوليني باعتباره الرجل العظيم وتحرّضهم على استقباله. وليس أدلّ على نياتك السيئة أكثر من تعمّدك تشويه الحقائق وليّها. فعندما تقول "أن ثمة إجماع على كل الأصعدة القيادية، والسياسية الرسمية والفكرية، وعلى كل المستويات الثقافية والنخبوية والشعبية أيضاً، بأن الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في ليبيا قد وصلت إلى "عنق الزجاجة" على ماذا بنيت استنتاجك هذا؟ ما هو دليلك عليه؟ ومتى وأين حصل هذا الإجماع؟ ألست أستاذاً جامعياً؟ هل يليق بأستاذ أن يلفّق الحقيقة؟ أليس في ذلك إساءة إلى طلبته –بافتراض قبولك الإساءة لنفسك- الذين يُعلّمهم، خصوصاً إذا كانوا طلاّب علوم سياسية؟! ثم من هم النخب في ليبيا إذا كان كل أهلها متساوين؟

أليس في هذا القول المجافي للحقيقة تجنِّ على كل الليبيين وإساءة بالغة إليهم؟ الليبيون الذين أنفقوا من مالهم على أستاذ مثلك ليعينهم، فأنقلب عليهم وصار ضدهم، بل تجاوز إلى حدّ الإساءة إليهم وإهانتهم في الصميم عندما يقوّلهم غير ما قالوا وينسب إليهم ما هم منه براء حين يقول عن "عزوفهم عن المشاركة السياسية". ما هي المشاركة السياسية التي تقصدها إذا كانت السلطة في ليبيا في يد الليبيين؟

ينبغي أن تعلم أنت وأمثالك ومن يسخّركم أنه لا شريك للشعب الليبي في سلطته، وسلطة الشعب دونها الموت والذي لا يعجبه ذلك له أن يشرب من ماء المحيط أو ماء البحر الميت حيث أسياده.

وعندما تقول: "إن الأزمة أساسها "بنيوي" متعلقة بطبيعة النظام السياسي الليبي وحدوده، وبنائه وخياراته، وهياكله وأدواته" أليس النظام السياسي هو نظام المؤتمرات الشعبية التي تضم كل الليبيين؟ وأليست بالتالي خياراته هي خيارات الليبيين؟ وأليس بنائه وهياكله وأدواته هم كل الليبيين؟

إن أوضح دليل على سوء نواياك هو تفاهة الحجج التي سقتها وتناقضها مع المنطق عندما تتكلم عن أن "أكثر من نصف سكاننا يعيش على السلف والقروض" أليس توفر القروض والسلف ميزة؟ ألم يبن أغلب الليبيين بيوتهم بقروض، ومشروعاتهم التجارية بقروض في حين أن ذلك ليس متاحاً لغيرهم، وهي قروض أُعفي من سدادها كل محدودي الدخل وهم الفئة التي تحظى برعاية مؤسسات الضمان الاجتماعي العامة؟ كما أن منح القروض سياسة عامة تبنتها المؤتمرات الشعبية في إطار توزيع الثروة بحيث مكنت الفقراء تحديداً من الحصول على قروض ميسرة طويلة الأمد بفوائد محدودة جدّاً كثيراً ما يُعفون منها كلما حصلت فورة في الدخل الناتج عن النفط مصدر الدخل الرئيس في ليبيا والذي تنتقد أنت أنه يستوعب فقط %3 من الليبيين ولعلمك إن ذلك سياسة مقصودة مقرّة من كل الليبيين بهدف تقليل النفقات الإدارية في القطاع واستثمار القدر الأكبر الممكن من عوائد النفط. ثم من هم "أنتم" الذين "يضيع مواطنكم البسيط وسط زحام طالبي "استمارات" البحث عن عمل، أو عن مسكن أو عن سيارة؟ " أليس من طبيعة الحياة أن يبحث الشخص عن العمل؟ ما هي الطريقة التي تراها للحصول على العمل، والحصول على السكن أو السيارة مأخوذاً في الاعتبار أنك أستاذ جامعي؟! أليس بالبحث عنها؟، ثم ما العيب في طلب "التقسيطات" في دفع فواتير الماء والكهرباء والهاتف"؟. ما هو السيء في هذا؟ البحث عن العمل وعن السيارة والسكن وطلب تقسيط تكاليف استهلاك الماء والكهرباء والهاتف يعني أن هذه الخدمات متوفرة وبالإمكان الحصول عليها وبشكل مريح؛ لأن هناك إمكانية لتقسيطها.. أليس كذلك؟ كما أن نصف المليون الذين تم تسريحهم من وظائفهم كما تدّعي، ولم تقل بغرض إعادة تنسيبهم إلى وظائف أخرى خارج الملاكات الإدارية يتمتعون بكل مزاياهم المالية ولم ولن "تقطع" رواتبهم وسيستمر صرفها لهم كجزء من حقهم في الثروة التي يجري توزيعها على كل الليبيين وهو أمر تعمّدت إنكاره، ولم تتطرق إليه. وكيف لك أن تتطرق إليه، وهو سيثبت زيف ادعاءاتك وسينسفها؟

أليس من التجنّي الحديث عن مصادرة الحريات؟ إذا كانت السلطة في يد الشعب فما هي الحرية التي تمت مصادرتها؟ وممنّ؟ وهل تستطيع أنت وأمثالك أن تبوح بما كتبته لولا مساحة الحرية اللاَّ محدودة المتاحة في ليبيا؟

ثم في حديثك عن أن "السلطة السياسية مازالت منفصلة عن المجتمع ومتعالية عليه". أي سلطة سياسية تقصدها منفصلة عن المجتمع إذا كان المجتمع هو السلطة السياسية؟ وما هو المركز في ليبيا أو المنصب أو الوظيفة الذي "تصل إليه عن طريق النسب والمصاهرة والقرابة، والقبيلة والبيت والشلة والولاء السياسي والولاء لرموز معينة"، إذا كانت "المناصب" حسب تعبيرك والمهام حسب المتعارف عليه يجري التكليف بها من طرف المؤتمرات الشعبية وليس من جهة خارجة عنها؟ وهي مهام شاقة يتهرب منها الجميع لأنها خاضعة لمساءلة دائمة ومستمرة يشترك فيها المتعلم والبسيط الذي تستكثر عليه أنت وأمثالك أن يكون سيّداً يحكم نفسه، أمّا المركز فبالتأكيد أنت تقصد المركز الاجتماعي وهذه مسألة في ليبيا لا تحكمها ضوابط رسمية، فبحكم تكوّن الليبيين اجتماعياً من قبائل وعائلات فإن المركز الاجتماعي والوجاهة الاجتماعية يصنعهما الانتماء لقبيلة أو عائلة، وهو أمر ليس له تأثير على البناء السياسي إطلاقاً، ولم يحرم أحد من وظيفة أو مهمة لأنه لا قبيلة أو عائلة له، وإن كان بعض الذين قدموا إلى ليبيا من المستعمرين الأتراك واستوطنوها يشعرون بتدنّي مراتبهم الاجتماعية أمام الذين ينتمون إلى قبائل من نسيج ليبيا المعروف تاريخياً، وهؤلاء هم عماد الشلل التي تتحدث عنها ليعوّضوا بها عن ميزة الانتماء الاجتماعي لقبيلة أو عائلة، وهم الباحثون عن رموز ليوالوها ولن يجدوها في ليبيا بحكم تركيبتها السياسية الفريدة.

ما هو مبرر الإساءات –بعد الإساءة إلى جميع الليبيين- التي وجهتها للكفاءات العلمية من الأساتذة والمختصين في مجالس التخطيط المتكونة من الهيآت العلمية والجامعات والمؤسسات البحثية والاقتصادية والمالية والخبرات المتميزة من الأساتذة الأكفاء واللجان الشعبية واتهمتهم بـ"الفساد المالي والإداري، والرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة وشراء الذمم.. إلخ". وكأنك أنت أفضل منهم وأنزه وأقدر وملاك سماوي له من المعجزات ما يمكنّه من توفير المساكن والسيارات والمال والماء والكهرباء والهاتف بلا مقابل ودون عناء البحث عنها.

وإذا كانت ليبيا على هذا السوء، وبهذا المشهد المشين الذي رسمته لها فما الذي يبقيك فيها؟ ولماذا لا تذهب إلى واحدة من الدول التي عدّدتها، فتنضاف رقماً إلى من فيها وتذوب بين الهنود وغيرهم من الأجناس الأخرى غير العربية الذين يمثّلون أكثر من ثلثي سكّانها، وقد تساعدهم على إعادة التوازن لسكانها إذا قبلت بينهم كعربي؟

إن هذه الإساءات البالغة وهذا التحامل والتجني لا يمكننا فهمه إلاَّ في إطار أنك تبحث عن موقع أو مكان في هذا المشهد السياسي الليبي الرائع وهو مكان لن تجده لا أنت ولا أمثالك، لأنكم حصان طروادة ولأنكم انسلختم عن قيم المجتمع الذي علّمكم ورعاكم ووفّر لكم فرص العمل في أفضل مؤسساته وأوكلكم تعليم أبنائه، ولأنكم ستشوهون هذا المشهد الجميل ما دامت هذه نواياكم.

ولا يفهم ما أوردته من كذب وتلفيق إلاَّ في سياق التحريض على استهداف ليبيا وشعبها وتحريض القوى المعادية على تحويلها إلى عراق جديد مغمور بالدم والجوع والظلم وانتهاك الأعراض واستباحة الحرمات وإعادتها إلى ما قبل العصر الصناعي.. أو حتّى تحويلها لتكون كالصومال مستباحة من كل الملل والنحل، وطامع فيها حتّى الأضعف منها قبل تخريبها.. ما تريده وتدعو إليه واضح: الشعب الليبي فاشل وعاجز عن حكم نفسه فتعالوا لنحكمه باسم الديمقراطية وتداول السلطة والإصلاح وحقوق الإنسان، والنتيجة بالنسبة لنا واضحة في أفغانستان والعراق ولبنان وغيرها.

ثم من هي القوى السياسية التي "أصبحت تحتضر وآلت سياساتها إلى إفرازات غير مرضية"؟

ألا تعلم أن القوى السياسية في ليبيا هي كل الليبيين، وأنه لا قوة أخرى خارجهم؟ فإذا كان الليبيون يحتضرون، من هي القوى الأخرى الصاعدة والباقية في ليبيا؟!

طبعاً بالنسبة لمأجور مثلك فإن القوى الأخرى التي تتمنى أن تراها في ليبيا هي تلك التي تدخلها على ظهور دبابات الأعداء كما جرى في العراق، لتتحول ليبيا إلى عراق آخر نموذجه بيّن لكل الليبيين، أو على الأقل إلى كينيا أخرى يتقاتل أهلها على من الذي أحصى العدد الأكثر في لعبة الديمقراطية المزيفة التي يسوّقها الغرب ضمن مشروعاته الإمبريالية، وهي ليست أكثر من "طبعة" العولمة من مشروع الغرب الاستعماري القديم.

ليس هناك من قوى سياسية في ليبيا إلاَّ شعبها الذي يفخر أيما فخر بسياسات بلاده، فهذه السياسات التي وصفتها أنت تحديداً بالفاشلة هي التي أجلت أسيادك الأمريكيين والبريطانيين عن ليبيا وطهرتها من نجاستهم بعد أن استباحوها بقواعدهم واستهدفوا العرب منها.

والسياسات الفاشلة هي التي طردت أكثر من ثلاثين ألف فاشستي عن ليبيا ووزعت ما اغتصبوا من أراضٍ على الليبيين الذين كانوا عبيدًا سخرة لدى مغتصبيها الفاشيين.

والسياسات الفاشلة هي التي فرضت استخدام اللغة العربية في المحافل والمنظمات الدولية وأولها الأمم المتحدة، وليس لأي دولة عربية أخرى بما فيها تلك التي كانت من المؤسسين لمنظمة الأمم المتحدة أن تدعي أنها عملت على ذلك قبل ليبيا وبعدها.

والسياسات الفاشلة هي التي أدت إلى القيام بأكبر عملية تأميم لشركات النفط التي كانت تستنزف النفط الليبي ولا تحصل منه ليبيا إلاَّ على ما يتقاضاه حكامها العملاء ويُحرم منه الليبيون. وهي ذات السياسات التي أجبرت هذه الشركات أن تعود صاغرة ذليلة تدفع المليارات لكي تجد لها مكاناً يمكن أن تتحصّل منه على نسبة قليلة بعد أن قبلت بـ قلب معادلة الـ %90 و%10 لتكون لصالح الليبيين الذين تتطاول عليهم يا حضرة الأستاذ المأزوم.

والسياسات الفاشلة هي التي أوصلت سعر النفط إلى أكثر من أربعين دولاراً في السبعينيات حين قادت ليبيا دول "أوبك" في مفاوضات النفط الشهيرة في ذلك الوقت.

والسياسات الفاشلة هي التي مكنت سكّان البوادي والأرياف والقرى أن يحصلوا على المساكن المجّانية وأن يعلّموا أبناءهم مجّاناً في المدارس التي صارت بينهم، وأن يحصلوا على العلاج المجّاني والخدمات الطبّية لهم ولأبنائهم من المراكز الطبية التي تأسست في كل تجمع.

والسياسات الفاشلة هي التي مكنت الحفاة العراة الفقراء أن ينتعلوا الأحذية، وأن يهزموا الجوع، وأن يدفنوا فقرهم إلى الأبد حين صاروا شركاء في الثروة.

والسياسات الفاشلة هي التي حوّلت الليبيين إلى سادة فساوت بينهم في الحكم، فلم يعد النسب الاجتماعي أو المال أو الوظيفة يعطي ميزة الاستئثار على الآخرين.

والسياسات الفاشلة هي التي مكنت الليبيين من التساوي في الثروة، فلم يعد بينهم غني يستعبدهم أو يذلّهم.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت لليبيا وزناً وقيمة وثقلاً دولياً ما كان ليتاح لها لولاها؛ فهي بدونها ليست أكثر من حقل نفط، وشاطئ جميل، وصحراء مغرية للسياحة.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت كل قادة العالم يتقاطرون على ليبيا في طوابير من كندا إلى روسيا، وهي التي جعلت من ليبيا قبلة لقادة العالم الثالث.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت الدول الغربية الكبرى والتي كانت تمنع بيع حتى "بنادق" لليبيا، تتنافس اليوم على تقديم أحدث ما لديها من صنوف الأسلحة حتى ترضي ليبيا من أمريكا إلى فرنسا وبريطانيا.

والسياسات الفاشلة هي التي استشرفت منذ السبعينيات أن مشكلة العالم القادمة هي الماء الذي توفر في صحراء ليبيا بحرًا تحت رمالها، فعملت على نقله إلى حيث سكانها لغرض الشرب والزارعة، فأمنوا العطش والجوع لأجيال قادمة، في الوقت الذي يشكو فيه جيرانها شح الماء.

والسياسات الفاشلة هي التي وسّعت مدى الإقليم "الليبي" الجوّي والبحري فصار خليج سرت جزءًا منه، وحين تجرأ المعتدون على انتهاكه عمّدته بالدم فعزّزت سيادتها عليه.

والسياسات الفاشلة هي التي أجبرت مستعمر ليبيا السابق على الاعتذار، وعرض التعويض الذي تقبله ليبيا عن الفترة الاستعمارية والظلم الذي تعرض له الليبيون، وهي سابقة لم تحققها أي دولة في العالم وإن كبر حجمها.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت ليبيا قبلة المقاومين والمجاهدين وأنصار الحرية.

والسياسات الفاشلة هي التي اقتنت الميراج والقوارب والمدافع ذاتية الحركة وقدمتها للعرب، ليتمكنوا من الانتصار لأول مرة على عدوهم في معركة العبور.

والسياسات الفاضلة هي التي مكنت ليبيا من تجاوز أكبر مؤامرة إمبريالية لاستعمارها من جديد، فيما عرف بقضية لوكيربي وتجاوزتها ليبيا بكل حكمة، وسببها الواضح هو مواقفها القومية الوطنية وما تشكله من خطورة على الطموحات الإمبريالية.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت القاصي والداني يعرف ليبيا بعد أن كانت لا تعرف إلاَّ مقرونة بـ شمال إفريقيا، فيقال: "ليبيا/ شمال إفريقيا".

والسياسات الفاشلة هي التي نبّهت إلى أن دعم الحرب على الثورة الإيرانية والتشجيع عليها سيلحق أضراراً لا يمكن إصلاحها بالدول الداعمة للحرب وبالأمن العربي، وهو واقع يعيشه العرب اليوم.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت نيلسون مانديلا يقول لرئيس أمريكا: "من لا تعجبه علاقتنا بليبيا فليشرب من البحر"، وذلك اعترافاً بفضل ليبيا في دعم حركة تحرير جنوب إفريقيا وكل الدول الإفريقية.

والسياسات الفاشلة هي التي جعلت كل دول القارة الإفريقية الـ 53 تستجيب لدعوة ليبيا في توحيدها في الاتحاد الإفريقي.

والسياسات الفاشلة هي التي جنّبت من دخل النفط ما يكفي ليبيا لأجيال قادمة.

والسياسات الفاشلة هي التي حوّلت ضعف ليبيا إلى قوة فحسب حسابها في كل تدبير دولي لها فيه شأن أو أرادت أن يكون لها فيه.

والسياسات الفاشلة هي التي حالت وتحول وستحول بين المتربصين بِـ ليبيا قصد حكمها بدعوى "الإصلاح"، وتحويلها إلى "عراق آخر حر!!".

والسياسات الفاشلة هي التي مكّنت ليبيا من أن تخوض باقتدار أكثر من معركة في آن واحد، ولم تعرقل أي من معاركها الخارجية خططها التنموية الطموحة، والناجحة في الداخل، فلقد أنجزت معركة توفير الماء تحت ضغوط من الحصار الاقتصادي الفاشل، وأنجزت معركة تحرير إفريقيا من الاستعمار، ودعم انتفاضة الشعب الفلسطيني وثورته تحت ضغوط التهم بدعم الإرهاب، ولم تنثنِ عزيمتها وحقّقت ما أرادت، فعالجت كل الملفات التي لُفّقت لها بقصد محاصرتها، وإنهاء تأثيرها في الشأن الدولي دون أن تخسر من رصيدها، بل عزّزت من مكانتها ودورها بشهادة أعدائها قبل أصدقائها. ومازالت سياسات ليبيا هي التي تحقق انتصاراتها، ولم يهز صمودها الرياح العاتية، فما بالك بنعيق البوم؟!

وكان كل ذلك بسبب معارك واجبة على ليبيا لنصرة العرب والمسلمين والأفارقة وكل المتطلعين إلى الحرّية والمقاومين للظلم والاستبداد، ولم يكن نزوعاً عاطفياً أو مزاجيّاً أو تخبطاً كما تدّعي.

وكل ذلك قاده معمر القذّافي معتمداً على شعب رصيده من الشهداء ما يفوق ثلاثة أرباع المليون، لم يؤثر فيه المرتدون، ولا الذين انضموا إلى معسكر الأعداء وتحالفوا معهم في أوج المعركة.

وبعد كل هذا، كيف للأقزام أن يجاروا العمالقة؟ وكيف لهم أن يحجبوا الشمس ويزوّروا الحقائق الساطعة؟ أليس الاعتراف بالحق فضيلة؟ ثم أليس الصمت أفضل حين العجز عن إتيان الفضائل؟


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home