Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الدكتور الفيتوري والرأي الآخر (5)

الإمام مالك والرأي الآخر (3)

تناول الدكتور الفيتوري في مقاله الإمام مالك والرأي الآخر عددا من القضايا والتصورات والأحداث , منها ما تعلق بالإمام مالك رحمه الله ومنها ما تعلق بالعصر الذي عاش فيه , وسأتناول في هذه المقالة التعقيب على الجزء الثالث المختص بالإمام مالك رحمه الله.

قال الدكتور عبدالحكيم: والغريب أن السلطة السياسية على الرغم من أنها تسعى جاهدة لاحتواء السلطة الدينية إلا أنها دائما وأبدا تضعها موضع الشك ، مخافة أن تستعمل الأخيرة سلطتها الدينية في تأليب الرأي العام بتحريضه ولو بالإشارة على عدم شرعية هذه النظم الكسروية،لذلك تضع السلطة السياسية بديلا مستمرا ، ووجوها متجددة لضبط توازن السلطة الدينية،واختراقها ومراقبتها عن كثب،فهذا مثلا أبو جعفر بن سليمان بن عبدالله بن العباس واليّ المدينة ، نهى مالكا عن التحديث بحديث:ليس علي مستكره طلاق.ثم دس إليه من يسأله،فحدثه به على رؤوس الناس، فضربه بالسياط !!

أقول: أحسب إن هذه القراءة السياسية تعبر عن تصور سياسي جلي لدى الدكتور في تعامل النظم السياسية مع الآخر , مفادها أن من وافقنا وأقرنا أكرمناه ومن خالفنا وجابهنا آذيناه ومن سكت سكتنا عنه وربما أعناه.

وقد اتفق مع الدكتور من حيث العموم على ما ذكره , ولكن لإنزال هذا التصور على حالة معينة فالأمر يختلف لاقتضاه إثبات صحة الحدث بداية ثم النظر في موجبات الحكم عليه , وقد ذكر الدكتور أكثر من رواية على محنة الإمام مالك , ولم يفدنا علما أي الحادثتين صوابا , بل بنى عليهما استنتاجات وهذا مما لا ينبغي , فضلا على أن الرواية التي ذكرها الدكتور بها اضطراب في الاسم , وقال صاحب المدارك ( قال الطبري اختلف فيمن ضرب مالكاً وفي السبب في ضربه وفي خلافة من ضرب, فقيل إن أبا جعفر نهاه عن الحديث ليس على مستكره طلاق* ثم دس إليه من يسأله عنه فحدثه به على رؤوس الناس فضربه بالسوط , وقاله مصعب , إلا أنه قال إن الذي نهاه جعفر بن سليمان. وقال صاحب المدارك ( قال أبو الوليد الباجي ولما حج المنصور قاد مالكاً من جعفر بن سليمان وأرسله إليه ليقتص منه فقال أعوذ بالله , والله ما ارتفع منها سوط عن جسمي إلا وأنا أجعله في حل من ذلك الوقت لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: لما دخلت على أبي جعفر وقد عهد إلي أن آتيه بالموسم فقال لي والله الذي لا إله إلا هو ما أمرت بالذي كان ولا علمته وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم وإني أخالك أماناً لهم من عذاب الله.وقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة فإنهم أشرع الناس للفتن، وقد أمرت بعد والله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب وأمرت بضيق حبسه، والاستبلاغ في امتهانة ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه. قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته منك. فقال لي: عفا الله عنك ووصلك).

ثم قال الدكتور: وفي رواية الواقدي كما جاءت عند البغدادي في تاريخه،والذهبي في إعلامه، يفهم منها بأن هنالك فقهاء حسدوا الإمام مالك في علاقته المتميزة مع السلطة السياسية،فأوغروا صدر واليّ المدينة عليه،وإن كان العقل التمجيدي الاستذكاري لم يذكر أسماء هؤلاء،حيث اكتفى بذكر هؤلاء بصيغة الجمع!! يقول الواقدي: لما دعي مالك، وشُوور، وسُمع منه، وقُبل قوله،حُسد، وبَغوه بكل شيء، فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة،سعوا به إليه،وكثروا عليه عنده،وقالوا:لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشي،وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت بن الأحنف في طلاق المكره: أنه لا يجوز عنده، قال: فغضب جعفر، فدعا بمالك،فاحتج عليه بما رفع إليه عنه،فأمر بتجريده، وضربه بالسياط، وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه، وارتكب منه أمر عظيم ...(سير أعلام النبلاء).

أقول : لم أعثر على رواية الواقدي في كتاب تاريخ بغداد ولا أرجح وجودها , ولكنها موجودة في كتاب سير أعلام النبلاء , من طريق ابن سعد : حدثنا الواقدي ثم ساق الرواية مع زيادة في خاتمة الرواية لم يذكرها الدكتور وهذه نصها ( فوالله ما زال مالك بعد في رفعة وعلو) , وأحسب أن الدكتور لم يذكرها لاعتباره أنها رأي الواقدي, وهذا محل اجتهاد , ولكن لا أدري كيف فهم الدكتور من الرواية أن من حسدوا وبغوا هم من الفقهاء!! , ثم كيف علم أنهم ما حسدوه إلا لعلاقته المتميزة مع السلطة !! , مع العلم بأن نص الرواية صريح, ولم يشر إلى الفقهاء أو العلاقة بالسلطة أبدا, بل روي بأن بعض الطالبين هم من أوغر صدر الوالي علي الإمام مالك لتقديمه سيدنا عثمان بن عفان على سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين , وهذه نص الرواية التي أوردها صاحب المدارك عن ابن بكير قال:( ما ضرب إلا في تقديمه عثمان على علي فسعى به الطالبيون حتى ضرب, قيل لابن بكير خالفت أصحابك هم يقولون ضرب في البيعة قال أنا أعلم من أصحابي)ومما يؤكد هذه الرواية ما ذكره القاضي عياض قال: فلما ولي جعفر عمله الآخر ودخل عليه مالك سأله جعفر أن يجعله في حل، وقال إني جهلت واستزللت والله ما جلدك إلا القرشيون . فقال له مالك إنك ترى أن قد ظلمتني . قال نعم. قال فأنت في حل، فوسع الله عليك). وعلى كل حال فحادثة الضرب ثابتة لا خلاف فيها.

ثم قال الدكتور: ذكر ابن عبد ربه عن مالك ابن أنس قوله(بعث أبو جعفر المنصور إليّ وإلى ابن طاوس،فأتيناه فدخلنا عليه،فإذا هو جالس على فرش قد نضدت،وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق.فأومأ إلينا أن أجلسا. فجلسنا. فأطرق عنا طويلا ،ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال له:حدثني عن أبيك.. قال:نعم سمعت أبي يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله.فأمسك ساعة. قال مالك:فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه.... الخ(العقد الفريد)

أقول: ما كان ينبغي أن يستدل ناقد كالدكتور عبدالحكيم وهو من هو بكتاب مثل كتاب العقد الفريد ويبني عليه تصور خاطىء في حق إمام جليل القدر فما ورد في (العقد) * من العظائم يحطُ من قدر المؤلِّف والمؤلَّف فقد ملأ المؤلِّف كتابه بأحاديث ضعيفة وأخبار واهية وأنقص من قدر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بنقله أكاذيب يتورع عنها العامة ويمجُها من به ذرة من عقل , فضلا عن حديثه عن الخمر والفسق والمجون . ولاتملك إلا أن نقول لا حول ولا قوة إلا بالله ونسأل الله السلامة والعافية وأن يتجاوز عنا وعنه. **

وأعلم أن الإمام مالكا عليه رحمة الله قد قال: والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك حتى أصل إليه، إلا نزع الله هيبته من صدري , ومما قيل فيه شعرا (أدب الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان)

بقلم / معاذ
muazlibya@yahoo.com
________________________________________________

* الحديث : لم يرد في المرفوع، وإنما هو موقوف على ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " 5 / 48 من طريق هشيم، عن عبد الله بن طلحة الخزاعي، عن أبي يزيد المديني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: " ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق " ورجاله ثقات، وعلقه البخاري 9 / 343 في الطلاق، ولفظه: وقال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز.
وقال الحافظ: وصله ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، جميعا عن هشيم، عن عبد الله بن طلحة الخزاعي، عن أبي يزيد المديني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ليس لسكران ولا لمضطهد طلاق.
والمضطهد: المغلوب المقهور، وثمة آثار في عدم وقوع طلاق المكره عن عمر، وابن عمر، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وعطاء، والضحاك، ذكرها ابن أبي شيبة في مصنفه 5 / 48، 49.
**. (كتاب العقد الفريد)
صنفه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي ولد سنة (246هـ) ونشأ بمدينة قرطبة , قال عنه ابن كثير رحمه الله ( كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت). ]البداية والنهاية (10/ 433) توفي سنة (328هـ) عفا الله عنا وعنه. (مخلوط صحيحه بواهيه محذوف الأسانيد والرواة واعتمدَ على مصادر لا يجوز النقل منها إلا بعد تثبت ولم يعتمد مؤلفه في النقل منها إلا الطرفة والملحة إذ في كتابه ميل إلى الفكاهة والدعابة ونزوع إلى القصص والنوادر والنكات فتراه في كتابه يذكر الكثير من ذلك أو لا يستنكف عن ذكر بذيء اللفظ وسافل المعنى ورغم ذلك فإن المسحة الأدبية تبدو قوية في كتابه بحيث يشعر بها كل من يقرأ كتاب العقد أو يتصفحه.
1- أنه يورد كثيرا من الأحاديث الموضوعة والباطلة ثم لا يعلق عليها.
2- الرجل شيعي يتكلم في بني أمية ويزري عليهم خاصة الصدر الأول كمعاوية وابنه.
3- أنه يفحش في باب النساء وفي بعض الأبواب كأبواب الحمقى والمتماجنين وهذا لا يليق بالمسلم الأديب الذي يريد الله والدار الآخرة.
المثال الأول: دخل خريم الناعم على معاوية بن أبي سفيان، فنظر معاوية إلى ساقيه، فقال: أي ساقين، لو أنهما على جارية! فقال له خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. قال: واحدة بأخرى والبادئ أظلم.
المثال الثاني: ظُلمة: امرأة من هُذيل زَنت أربعين عاماً " وقادت أربعين عاماً، فلما عَجزت عن الزِّنا والقَوْد اتَّخَذت تَيْساَ وعَنْزاً، فكانت تُنْزِى التَيْس على العنز، فقِيل لها: لم تَفْعلين ذلك؟ قالت: حتى أسمع أنْفاس الْجِماع.
وغير هذا أكثر وأقبح نحو (مبحث من حد من الأشراف في الخمر , ومبحث حديث صاحب الز..., ومبحث يوم دار جلجل , ومبحث خبر الهاشمي مع المضحك) والحمدلله الذي عافانا مما أبتلى به كثير من خلقه.
وللإفادة رواية الدكتور موجودة بكتاب العقد الفريد تحت عنوان (تحلم السلطان على أهل الدين والفضل إذا اجترءوا عليه).


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home