Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

بعد شهـر ونصف من الإحتلال

جريدة الغرافيك – 9 ديسمبرThe Graphic – 09 December 1911
ترجمة وتقديم: يونس الهمالي بنينه

أحداث مدهشة في المعارك بطرابلس
صورة طبق الأصل من رسامنا الخاص آرتورو بياتشيني

الصورة العلوية:
العرب في الريف الطرابلسي يصوبون بنادقهم من الخلف خلال الإشتباكات
حامية الوطيس التي جرت بين الإيطاليين والأتراك

الصورة أدناه:
المعارك التي جرت خلال العاصفة المطرية: الإيطاليون يندفعون في استعجال لأخذ مواقعهم في خضم المعارك العنيفة التي جرت خلال الفيضانات الأخيرة.
قام رسامنا الخاص في طرابلس أرتورو بياتشيني برسم هذه الرسومات في حينها، والتي تصور المصاعب التي تواجهها الحملة الإيطالية. وبينما قام الغزاة المهاجمون بصد الهجوم العنيف على خنادقهم من الأمام، إلا أن عرب الأرياف قاموا بمهاجمتهم من الخلف، حيث كانت الأشجار بمثابة غطاء جيد للقناصين. كما زادت الفيضانات الأخيرة من العراقيل التي واجهت الإيطاليين.

المترجم:

الهجوم:
أسعفني الحظ بالحصول على هذه الصور. وبعد عدة شهور أسعفني الحظ من جديد بالحصول على كتاب (عرب طرابلس) The Arabs in Tripoli By Alan Ostler لمؤلفه ألن أوستلر. ولأن أحداث الكتاب جرت في نفس الفترة التي أرسلت فيها هذه الصور لصحيفة الغرافيك في لندن، ضربت أخماسي في أسداسي فعرفت أن هؤلاء هم الليبيون الذين كانوا يرابطون على الخطوط الأمامية في مخيم سليمان الباروني والذين التحق بهم الفزازنة الشجعان الذين جاءوا من كل حدب وصوب يتدفقون من صحرائنا الشاسعة وواحاتنا الجميلة في الجنوب للالتحاق باخوانهم ليشتركوا معهم في "معركة قرقارش المجيدة"..التي أنتصروا فيها وألحقوا بالعدو هزيمة تاريخية لن ينساها، وكانت غنائم المعركة كثيرة حتى أن نقلها تطلب قافلة من الأبل والخيول. وكان من بين الغنائم مسدسات أوتوماتيكية لم يشاهدها الليبيون من قبل.

والله إن هؤلاء الناس لهم من أشجع الشجعان، حتى أن بعضهم جاءوا بالسيوف من أعماق الصحراء لعدم تمكنهم من الحصول على أسلحة نارية هناك (سوف أرسل صورة فيما بعد تثبت ذلك).

المحاربة الفزانية
يقول ألن أوستلر: جاء أحد الفزازنة إلى خيمتي وهو متحمس ويناديني لدرجة أن وجهه كاد يلتصق بوجهي، يطلب مني الحضور إلى خيامهم الواقعة في أطراف المخيم. يقول: تبعته وشاهدت تلك المرأة الفزانية وهي تصرخ بأهازيج وتراتيل لم أفهمها، كل ما فهمته هو أنها باللغة العربية ولكنها بلهجة غير معروفة لدي، فلم أفهم إلا كلمة واحدة من كل عشر كلمات. لا شيء فيها يوحي بالأنوثة، حتى خطواتها كانت واسعة مثل خطوات الرجال، وكانت تترنح بسكرات معركة الأمس، تلتوي إلى الأمام ثم إلى الخلف وعيناها شبه مغمضة، إلا أنها كانت تفتحهما بين الحين والآخر بنظرات قاسية تحت حاجبين ملتويين.

ويستطرد: أعتقدت أنها كانت لا تزال تمثل أحداث المعركة التي خاضتها بالأمس في قرقارش حينما كانت تركض في إتجاه المعركة ومعها كثير من النساء اللائي التحقن بالرجال، فكانت تركض في عجلة لتتقدم الرجال، فأصيبت بشظية مدفع في يدها، فكانت توميء بها والدماء تسيل منها في إتجاه المحاربين وتقول لهم: والله إن أرتد أي منكم سنقطع وجهه بأظافرنا هذه ونرمي به ليعيش مع الأطفال.

ووصلت إلى مرحلة لم تعد تتمالك فيها نفسها، فكانت أول من وصل إلى حافة الخندق الأول الذي غادره من نجى من الإيطاليين هربا بحياته، فغطست ذراعها حتى المرفق في ترعة حديثة من الدماء، ثم وقفت على حافة الخندق منتصبة وكأنها آلهة حرب أفريقية تنادي الرجال لدخول المعركة. وعلق أحد الحضور "ما شاء الله ... ما شاء الله" أنا متأكد من أنها كسرت جمجمة أو جمجمتين بعصاتها تلك.

وهكذا شاهدتها هذا اليوم تولول وترقص رقصات الحرب وهي لا تزال متوهجة المشاعر تطلب بندقية للدفاع بها عن وطنها الغالي ليبيا. فقربت من خيمة القائد التركي وطلبت منه أن يعطيها بندقية، وكان قد سمع بقصتها وبأنها كانت في المعركة تحارب بعصاتها، فابتسم ولبي مطلبها فخرجت من الخيمة ببندقيتها وهي ومن معها يرقصون من الفرح.

هذا ما جاء في الكتاب الذي بحوزتي لألن أوستلر الرحالة الإنجليزي الذي تحايل على الفرنسيين في الحدود الليبية التونسية التي يحرسها (السباهي)، ليدخل إلى ليبيا ويلتحق بالخطوط الأمامية في بداية الستة شهور الأولى من الغزو الإيطالي لليبي.ا

البيانو:
ومن أطرف أحداث هذا الكتاب أن الليبيين في أحدى العمليات السرية قاموا بالهجوم على ثكنة عسكرية إيطالية كان جنودها يحتسون الخمر في إحدى مزارع المنشية التي احتلوها بعدما طردوا أهلها، وكانوا يحتسون النبيذ ويعزفون على جهاز بيانو ويغنون. فجاءت الفرقة الليبية يزحفون على بطونهم، وعندما أقتربوا من المكان نقعوا جرودهم وعباءاتهم في الماء لحمايتهم من " شوك الهندي" الذي كان يحيط بالمزرعة من جميع الجوانب، يقول المؤلف أنها: (خدعة حرب ريفية طرابلسية قديمة)، ثم تسلقوا الأشجار (ؤ حاسوا فيهم حوسة إعديك) فقتل من قتل من الإيطاليين وهرب من هرب. ولكن الليبيين لم يشاهدوا مثل هذا الجهاز من قبل فأخذوه معهم إلى المخيم.

تخيل ثقل جهاز البيانوا!، إلا أنهم صمموا إلا أن يعودوا به إلى المخيم حيث أعتبروه طرفة.

المذبحة بقصد الإبادة:
كما يذكرألن أوستلر في كتابه أن الإيطاليين قتلوا 500 إمرأة وطفل في مذبحة واحدة "منذ بضعة أيام". ولم يقل رجل لأن كافة الرجال غادروا بيوتهم والتحقوا بالخطوط الأمامية، وعلى ما اعتقد استغل الإيطاليون هذه الفرصة وقاموا بتلك المذبحة التي لم أسمع عنها من قبل. أليس ذلك ما يسمونه بحرب الإبادة Genocide مثلما قام به هتلر ضد اليهود؟

المجاعة الكبرى:
ويتحدث أوستلر في الكتاب عن المجاعة التي الحقها الاحتلال بالشعب الليبي، وما شاهده كان يشبه الخيال. يا لقسوة الإنسان على الإنسان! يا للظلم والقهر، ولكن الشعب هو المنتصر كما نعرف رغم قسوة الأعداء وأسلحتهم الفتاكة ومكائدهم، لقد أطلعتكم على صورة لسكان طرابلس وهم يمدون أيديهم للجنود الإيطاليين طلباً لرغيف يسدون به رمقهم، وهم أصحاب الأرض الخصبة في طرابلس عروس البحر المتوسط والمنشية الجميلة التي تزخر بالبساتين.
http://www.libya-almostakbal.net/Letters2007/October2007/alhemmali111007.html

يقول المؤلف: كنت نائما في الخيمة في معسكر بن غشير (يسميه في الكتاب بو غشير)، وكان حصاني (المبماشي) ذو المزاج العصبي جداً مربوطا خارج الخيمة في (المراح). حتى أن صديقي الضابط التركي المسؤول رأف بي ونصحني بعدم شرائه، حيث عرض علي حصاناً آخرا قال أنه أفضل منه، ولكن بصفتي شخص معاند أشتريت (بمباشي).

ويستطرد: فجأة سمعت صرخة ممزوجة بالأنين والتأوهات .... فخرجت مسرعا من خيمتي وكان الظلام دامسا، فشاهدت خيالا من بعيد لشخص مرميا على الأرض يتأوه ويئن، فأكتشفت أنها إمرأة هزيلة الجسم (جلداً على عظم) إلا أنني لم أعرف في البداية إن كانت رجلاً أم أمرأة. فامسكت بها من كتفها وسألتها: هل جئت تسرق حصاني يا هذا؟ فأجابت: لا والله ياسيدي، لم آت إلا لالتقاط بعض حبات الشعير المرمية على الأرض فبنيتي الصغيرة جائعة تنتظرني في المخيم .... هناك .... ولكن حصانك ركلني فأوقعني أرضاً.
يقول: لا... لا... أنت جئت تسرقين (علوق) حصاني! أليس كذلك؟

علوق حصانك؟ كيف يمكن هذا ياسيدي؟ أنا لا أسرق من الخيل!

يقول: رخيت قبضتي من على كتفها فرأيتها تقف على قدميها وعيناها مليئة بالشكوك والخوف وهي تنظر إلي وكأنها لا تصدق أنني رخيت قبضتي من على كتفها، وفي سرعة البرق أطلقت ساقيها للريح حتى أنني لم أتمكن من التفوه بكلمة واحدة.

في اليوم التالي شاهدتها من جديد على أطراف السوق في "العزيزية" تتسول فأعطيتها أكثر مما كانت تطلب رأفة بحالها. يقول: سألت المرأة عن أحوالها فذكرت لي أنها غادرت مزرعتها في جنزور حيث كانت تتوفر لها كافة وسائل الراحة والمعيشة وكان أطفالها (سمان) من كثرة توفر الغذاء.

وأين (البنت الصغيرة –البنية-) التي تحدثتين عنها؟ فأشارت إلى إبنتها الصغيرة التي تبلغ من العمر حوالي ست سنوات ملقاة على الأرض. يستطرد: كانت هزيلة جدا وتبكي وتتأوه تأوهات المتسولين. أعطيت المرأة عشرة قروس (يسمونها في ذلك الوقت "بوعشرة") على ما أعتقد، وكان مبلغاً كبيرا أكثر مما طلبت. فسألتني لماذا يا سيدي تعطيني كل هذا المبلغ. فقلت لها: من أجل البنية، ولله في سبيل الله. أخذت مني العشرة وعقدتها في طرف ردائها.

تجولت في بقية السوق فشاهدت بشراً يشبهون الهياكل العظمية حيث أخذ منهم الجوع مأخذه، ناهيك عن الأمراض. وكان من بينهم المعوقين وكبار السن. أما الرجال فقد التحقوا بالمعركة، إلا أن الأتراك اقتصدوا في تموينهم هم أيضاً وتموين خيولهم.

لقد شاهد كثير من الليبيين الذين كانوا يلتقطون حبات الشعير من الأرض التي خلفتها خيول الجنود الأتراك، فيقول:

كانت هناك مشاهداً مزرية كثيرة حدثت في الأسابيع الأخيرة ولم انتبه لها. شاهدت إمرأة ذات أسمال بالية هزيلة الجسم في حالة تشبه الجنون، كانت تلتقط حبات الشعير التي تناثرت من (علوق) خيول الأتراك المملوءة حتى تفيض فتقع حباتها على الأرض.

كانت أصابعها تلتقط حبات الشعير بسرعة أسرع من منقار الطائر عندما تشاهده يتلقط الحبوب من الأرض. ربما كانت تتحصل على كمشة أو كمشتين بعد ساعة من هذا العمل المضني. كانت في حالة مزرية تنهض واقفة بين الحين والآخر لا تدري إلى أين تتجه، كانت تحدث نفسها وتتمتم بكلمات غير مفهومة. وفي خضم حركاتها هذه وجدت نفسها تحت أقدام حصان أحد الفرسان الذي كان ينطلق بسرعة البرق، فيلقي عليها اللعنات والسباب لأنها اعترضت طريقه.

وما حدث في مناطق ليبيا الشرقية كان أهول وربما.... يوما ما ... أجد مثل هذا الكتاب عن برقانا لأكتب عن ما عاناه أهلنا هناك من قهر الطليان.

وعندما نعرف هذا عن طريق رحالة إنجليزي سجل الأحداث والمعارك كيفما شاهدها، أو نسمع عن مجازر أخرى من الرحالة الدانماركي كنود هولمبو في كتابه (مواجهة الصحراء) كيفما شاهدها هو أيضا. يا ترى ماذا عن مجازر الإبادة الأخرى التي لم يسمع عنها أحد أو يشاهدها أحد؟

ولكن.......

تصريح وتنبيه
إخوتي أبناء وطني الغالي ليبيا الحبيبة في الداخل والخارج، لا يجب أن نعتبر الجيل الحالي الإيطالي بالعدو بل العكس هو الصحيح، فهذا الجيل من الإيطاليين كما نعرف هو جيل مسالم لا يحب الحرب. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية كما نعرف أيضا قاموا بشنق موسيليني ومحضيته وتعليقهما بالمقلوب. كما أن الجيل الإيطالي الحالي أعتذر رسميا للشعب الليبي. ويجب علينا أن نقلب الحروب إلى سلام والدمار إلى بناء. وأنا شخصيا أحب أن أبني جسورا بين كل المتخاصمين أينما كانوا. ولا أعتبر الجيل الإيطالي الحالي مسؤولا عن ذلك الإحتلال البغيض إلا من الناحية المعنوية وتقديم المساعدات التكنولوجية التي حرمونا منها. وما أنشره من صور أو أكتبه في مقالات ما هو إلا للتاريخ فقط ولا غير ولكنا نعرف أن التاريخ = الماضي، ويجب أن نتطلع إلى المستقبل.

يونس الهمالي بنينه
younis@internationalguides.co.uk


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home