Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 14 ديسمبر 2008

previous letter                 next letter                 list of all letters

رسالة إلى سيف الإسلام القذافي من أم ومربية جيل

"بوش نادم على حرب العراق", "القوات الأمريكية ستنسحب من العراق قريباً". تتردد علينا في الآونة الأخيرة هذه الأخبار, وكلنا نستقبلها بفرح, فقد خسرت أمريكا حربها في العراق كما خسرت حرب فيتنام. وخسرت معها سمعتها من جديد. ولكن:

بالرغم مما حصل للعراق فإننا على ثقة كاملة بأن العراقيين سيبنوا العراق من جديد. فعندما كان صدام حسين حاكما للعراق, كان ببلاده علماء وكان بها أناس متعلمين وكانت العراق دولة متكاملة وبها إكتفاء ذاتي في التعليم والصحة والمواصلات والإتصالات ولم تكن تنقصها القدرات البشرية. بالرغم من نظامه الدكتاتوري, فقد كان صدام يحب العراق وكان لا يقف في طريق تطور بلده. والحق يُقال, فإن العراق كبلد, لم يصبها الدمار أيام صدام حسين, وبالرغم من أن لا أحد يستهين بآلام الشعب العراقي أيام حكم صدام والأرواح التي زهقت لمجرد وقوفها في وجه ذلك الدكتاتور, إلا أن الأرواح التي زهقت في عهد بوش وآلام الشعب العراقي أيام بوش هي مئات أضعاف ما حدث في عهد صدام, بالإضافة إلى الشتات والفقر الذي أصاب هذا الشعب الأبي.

والآن وقد بدأ نور الأمل يبزغ على العراق, كلنا على يقين بأن العراقيين سيبنون وطنهم من جديد بسواعدهم وبمقدراتهم, وذلك لأن الدمارالأمريكي في العراق دام 5 سنوات فقط وهذا الدمار بالرغم من أنه طال الأخضر واليابس إلا أنه لم يطل الأنفس. لقد أخطأ بعض العراقيون, ولكن رفض البعض الآخر أن يستمر هذا الخطأ, وهذا هو السبب الرئيسي الذى أفشل المشروع الأمريكي في العراق ودفع أمريكا للإعتراف بهذا الفشل وقرار الإنسحاب.

لننظر إلى ليبيا وحالها:

تعرضت ليبيا وأهلها للدمار لسنوات أطول بكثير من السنوات العراقية الخمس, فلمدة 40 سنة تعرض الشعب الليبي ومقدراته إلى أسوأ أنواع التسفيه, كان نتاجها أجيال كاملة بدون علم ولا عمل. ما يجعل مشكلة الشعب الليبي أكثر تعقيدا من مشكلة العراق هوهذه الحقيقة المرة وهي أن ليبيا لم يطأها مستعمر, وأن ما أصابها هو من عمل يد أبناءها الذين خانوا أمانتهم.

كان الشعب الليبي قبل 40 عاما بسيطاً كفتى صغير أو كفتاة عذراء, وما حدث بعد ذلك كان كانتهاك الشرف, فقدت ليبيا براءتها وعفويتها وصارت تبكي حظها لأنها رحبت بمن غدر بها. أبسط مثال لنقاء أنفس غالبية الليبيين حينها أنهم كانوا لا يعرفون حتى البقشيش, وكانوا يعتبرونه إهانة. وكان الليبي كلما سافر إلى الدول التي كانت تنتشر فيها هذه العادة حينها, كمصر مثلا, يجد صعوبة في دفع البقشيش لخشيته من رد فعل المُستَلِم بالرغم من معرفتنا جميعا بشياع هذه العادة عند الشعب المصرى.

قفز الليبي "قفزة عملاقة"من ذلك النوع من القيم الأخلاقية, بدون أن يرى ما أمامه, ليهوى في حضيض حفرة لا قرار لها من الفوضى على أعلى المستويات. بعد أربعين عاما من سياسة الترهيب وغسيل الأدمغة والفشل المتتالى في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء, وما نتج عن ذلك من الإحباط المستمر للمواطن والإنقاص من كرامته وقيمته أينما حل, كانت المحصلة النهائية أن أصاب ليبيا الدمار الشامل: لا بنية تحتية, ولا بنية علوية, ولا حتى من يبني. بل أن من يتجرأ حتي أن يتفوه بمشروع البناء يجد نفسه في متاهات لا قرار لها إلى أن يتخلى عن أفكاره "الشيطانية" التي قد تزعزع إستقرار البلد, فالبلد هكذا آمن لمن شاء أن يصل إلى هذا الحال. كيف ينام حاكم ورعيته تعاني الأمَرين تحت حكمه؟ وكيف ينعم بالخيرالذي حرم منه من إئتمنوه على أنفسهم وأموالهم ولا يشعر ببؤسهم؟ فهم بهذا صاروا كاليتيم الضائع حقه بيد واليه.

بعد أربعين سنة أوصلت الشعب الليبي إلى الهاوية, يطل علينا إبن الرئيس بنفس نبرة والده في شبابه, ليعد الشعب الليبي الخلاص. الخلاص مما؟ من الشقاء الذي سببه والده؟ لا, هو لم يقصد ذلك, بل أكد على هذا بوصف والده الخط الأحمر وساوى والده بالأمن القومي وبالدين! أستغفر الله.

يا سيف, إذا كنت حقاً ترغب في التغيير, وإذا كان حقاً ما تنويه هو إقامة دستور بالبلاد وتنهي برنامج النظريات التى أرهقت الشعب برمته, وتحفظ مال الشعب الليبي له وتوقف نزيف الإغداق على "كل من هب ودب" بينهما ليبيا في أمس الحاجه لهذا المال, إذا كنت صادقا في نيتك لست طامعا في التبعية للإستعمار تحت غطاء المصادقة, وإذا كنت لا ترغب في رئاسة الدولة مدي الحياة, فلتبدأ "صح"!

الكثيرين لا يوافقون أن تنتقل إلى كرسى الرئاسة بالوراثة, ولكن إذا أثبتت لليبيين أنك منهم لا عليهم, وأنك ستسمح بعد عدد معين من السنوات الرئاسية لليبيين بالإنتخابات النزيهة, فحتى من كرهوا أبيك قد يرضون بك. إذا أثبتت لليبيين أنك لا تسعى وراء الكرسى بل تسعى لأن ترفع من مستوي ليبيا والليبيين, إذا أثبتت لليبيين أنك لن تضيع حق مظلوم وأن لا أحد فوق القانون بما فيهم أنت, فإنك حينها فقط ستكسب قلوب الشعب الليبي ولن تفقد محبتهم. أما أن تعطي الليبيين آمالاً من سراب, فهذا ما لن يسامحك فيه أحد, وسيكون مصيرك صعبا جداً لأن الشعب الليبي الآن قد طفح به الكيل, ولم يزل إلا القليل ليثور, فلا تكن في وجه ثورته لأن ثورة الشعوب المقهورة لا تهدأ إلا بعد القضاء على كل ما ثارت عليه.

نصيحتي لك يا سيف أن تنتبه لتعابير وجهك عندما تتحدث عن آلام الشعب الليبي, فحديثك عن أبوسليم ووجهك تعلوه إبتسامة من الأُذن إلى الأُذن, لم يكن له الوقع الذي تحب أن تعرفه. تَعَلم كيف تشعر بما يشعر به أبناء وطنك ولا تنظر إليهم من بُعد و"من فوق" لأنهم بهذا يروك صغيرا. يا سيف, الشعب الليبي مر بمراحل مريرة تحت حكم والدك, لا تقل أنك كنت صغيراً فهذا ليس بالعذر المقبول, ولا تقل هذا زمان ولى وعفا الله عما سلف, فإنك بهذا تستخف بأرواح أبناءنا وأزواجنا وإخوتنا, وتضيع حق المظلوم. إذا كنت حقاُ تريد صلاح الشعب الليبي, فلتدرس تاريخ والدك, اكتب قائمة بها من ظَلَم, وقائمة بها من ظُلِم, ثم أصلح ما يمكنك إصلاحه, هذا إذا كنت تريد أن تكسب قلوب الناس, واعلم أن المشوار صعب.

يا سيف, أنا من جيل قد يكون بعمر والدتك, وهذا هو الجيل الذى يعرف ليبيا كيف كانت ويرى الآن كيف أصبحت. أنا من جيل يصعب عليه كثيرا مخاطبتك من شدة المرارة التى تجرعها على يد والدك وأتباعه, وأنا من جيل وصل به العمر ليعرف معني الصفح عندما تكون التوبة صادقة, أنا الجيل المُربى للأجيال التى ستحكمها وأنا الجيل الذي زرع فيهم حب الوطن وكراهية من لا يخدم الوطن. أعلم جيداً ولا تنسى: لا خير في حاكم يُضيع حق رعيته, وإن فعلت فأنك لن تنعم بحكمك طويلا لأن الشعب الذي تحكمه الآن ليس الشعب الذي حكمه والدك.

أخيرا, يا سيدي العقيد معمر القذافي, ويا أبناء معمر القذافي, ويا كل من يلعق أقدام آل القذافي ويستنفع بما ينهبون من ما ليس لهم حق فيه, قال الله تعالى:" رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَب لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب, رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَاد, إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار, كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ, قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَاد." (آل عمران)
صدق الله العظيم, لا أبلغ من كلمات الله تعالى لأختم بها كلامي.

الليبية


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home