Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

معـارضة بقيادة عـميل (1)

لعل من أشد ما ابتليت به الأمم كلها بوجه عام وعلى مر العصور وأمتنا العربية على وجه خاص في تاريخها القديم والمعاصر بلاء اسمه التجسس, وهو من أخطر الأمراض الاجتماعية، التي تؤدي إلى ضعف ثقة الناس ببعضها واحترازهم من بعضهم البعض، عوضاً عن أن يستشيروا بعضهم بعضا فيما يعود على أمتنا بالنفع وعلى أوطاننا بالحرية والخلاص من براثن الاستعمار ، ولو اقتصر ذلك على أعدائنا المحاربين من الصهاينة وحلفائهم لهان الأمر، وأمكن الاحتراز منهم ولكن عم الخطب وكثر الخونة، نتيجة موت الضمير، وتنكر الكثيرين لأوطانهم التي ربتهم بأحضانها، وغذتهم بخيراتها، ولدينهم الذي أعزهم بعد ذل، ووحدهم بعد تفرقة، وجعلهم فيما مضى قادة الشعوب وسادة الدنيا ، وصفوة الإنسانية وشهداء على الناس. يقول الله جل في علاه:((وَلَا تَجَسَّسُوا))1 ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (يُطبع علي المؤمن كل خلة إلا الخيانة والكذب)2 وكأن هؤلاء الجواسيس لم يسمعوا قول الرسول الكريم صلى الله عليه وءاله وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورات المسلمين، تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته) 3 .

ونظرا لخطورة هذا الموضوع وتشعبه وصعوبته كان لابد لنا أن نؤطره بإطار شرعي حتى نسلم من القدح والتعصب الذي سيمارسه البعض(على وجه التأكيد) عن الجاسوس وأحكامه فقد استنبط العلماء من قصة حاطب ـكما قال ابن القيم ـ جواز قتل الجاسوس، وإن كان مسلما، لأن سيدنا عمر رضي الله عنه طلب قتل حاطب، وأجابه الرسول صلى الله عليه وءاله وسلم بأن ثمة مانعا من قتله، وهو شهوده بدراً. وفي هذا الجواب تنبيه على مشروعية قتل الجاسوس إذا لم يكن عنده مثل هذا المانع. وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد.

وقد ذهب المالكية إلى أن الجاسوس الذمي المستأمن يقتل، وذهب سُحنون إلـى أن المسلم إذا كتب لأهل الحرب بأخبار المسلمين، يقتل ولا يستتاب ولا دية لورثته كالمحارب 4 .

وقال الإمام مالك وابن القاسم وأشهب يجتهد الحاكم في ذلك، فإن كانت عادته ذلك قتل لأنه جاسوس والجاسوس يقتل وهو الصحيح لإضراره بالمسلمين، وسعيه بالفساد في الأرض.

وذهب الإمام محمد بن حسن الشيباني إلى أن الجاسوس الحربي يقتل وإن رأى الإمام أن يصلبه حتى يعتبر به غيره فلا بأس بذلك, إلا أن الأولى أن يقتله ليعتبر به غيره، فإن كان مكان الرجل امرأة فلا بأس بقتلها أيضاً، لأنها أرادت إلحاق الضرر بالمسلمين كما لو كانت محاربة، إلا أنه يكره صلبها لأنها عورة وستر العورة أولى.

وإن وجد غلام يتجسس ولم يبلغ وهو في سن الطفولة لم يقتل، أما الشيخ إن وجد يتجسس فيقتل، لكونه مخاطبا.

والخلاصة في هذا أنه يرجع إلى مدى جريمة الجاسوس، ومقدار توغله في خدمة الأعداء ومساندتهم، وماذا ترتب على ذلك من مضار، كأن سهل قتل مسلم أو نحو ذلك.

فمن أعان الأعداء على أهله وقومه، ودل على عوراتهم، حتى ترتب على ذلك سفك دم معصوم وجب أن يقتل لا محالة، لأنه فعله أشنع وجريمته أفظع من قطاع الطريق الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا والذين فُصل فيهم الخطاب بقوله تعالى:((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) 5 .

كان لابد لنا من أن نبدأ بهذه السلسلة بعد أن وصلت الصفاقة بالمتآمر الكبير والجاسوس العميل لدوائر الاستخبارات العالمية (المقريف) أنه حاول تبرير عمل العميل والجاسوس (أو ما يسميه هو بالمندوب) وجعله من طبيعة الدول جميعها (حتى الدول الأكثر ديمقراطية حسب توصيفه) وهو بهذه المحاولة يحاول أن يمتص تلكم الصدمة التي أورثتها انتشار فضائح خياناته وتعاملاته وجوسسته لحساب الـcia&mi6&الموساد& الاستخبارات الإسبانية ....إلخ, وهذا ما سنثبته إن شاء الله تعالى في القادم من الحلقات.

فالجاسوس المقريف يحاول أن يوضح الشروط الواجب توفرها في الجاسوس (والغريب في الأمر أن الشروط التي ذكرها تنطبق عليه تماما وكأنه فصلها حسب مقياسه بدقة عالية يحسد عليها) حتى يمكن تجنيده وانظروا إلى هذه الشروط وستعلمون كيف تحول المقريف إلى جاسوس (كما ذكر هو):

- حاجته إلى مصدر دخل أساسي أو إضافي يصعب عليه - بسبب ظروفه الشخصية أو ظروف البلاد – تحقيقه عن غير طريق هذا العمل (وقد تعسرت مصروفاته رغم أنه كان برتبة سفير وذلك لليالي الحمراء التي كان يقضيها في الهند والتي أهلته لأن تطلق عليه إحدى الصحف اللندنية آنذاك لقب المهراجا قريوف لعبثه ومجونه).

- وجود عقد نفسية واجتماعية لدى الجاسوس المقريف تتحكم في شخصيته وتجعله يشعر بالدونية والنقص, ويدفعه للسعي نحو " التعويض" أو حتى " الانتقام" لهذا الشعور بالنقص والدونية من خلال الارتباط بمثل هذا النوع من " العمل السري" الذي يزوّده بالإحساس بالقوة والنفوذ والتسلّط (وحتى من كانوا منضويين تحت لوائه اعترفوا فيما بعد بوجود عقد نفسية لدى هذا الجاسوس من شعور بالنقص وعدم الثقة في الآخرين والشعور بالنبذ والازدراء ولهذا انفرط عقد جبهته نتيجة لتصرفاته الرعناء وميله السادي للانتقام من الليبيين جميعا لأنهم لم يوافقوا على خبله ولم ينصبوه حاكماً عليهم).

- الخصال والصفات الدنيئة التي جعلت الجاسوس المقريف لا يتردّد في التجسس على رفاقه"حتى الجواسيس منهم" (والخصال الدنيئة عند المقريف كثيرة ولعل أشهرها فضائحه النسائية والتي جعلت منه صيداً سهلاً لكل أجهزة المخابرات فيما بعد وكذلك حبه للمال بشكل هيتسيري لدرجة أنه مستعد لبيع نفسه مقابله وهاتين الصفتين هما أخطر ثغرتين ينفذ منهما أي جهاز مخابرات لتجنيد العملاء والخونة)

ولعل في محاولته تبرير فعلته ورميها على الآخرين خير مثال على انحراف سلوكياته.

فيا ترى ماذا فعل الجاسوس المقريف حتى يستحق كل هذا؟؟؟ وما هي قصته يا ترى؟؟؟

هذه هي قصته منذ البداية..

كان المهندس التنفيذي الأول في حقل إنجاز مهمة تنظيم قدر من المعارضين الليبيين هو توماس آلن تويتن رئيس محطة المخابرات المركزية الأمريكية في نيودلهي..

فخلال عام 1979 أرسل توماس تويتن ثلاثة تقارير من العاصمة الهندية إلى لانغلي حول رسائل تلقاها من دبلوماسي ليبي كبير – حسب قول جين هنتر – يعرض فيها استعداده للانشقاق عن حكومة بلاده والعمل من أجل التخلص من القذافي.

وعندما تلقى الأميرال ستانسفيلد تيرنر تقارير تويتن، طلب من مدير العمليات جون ماكماهون بحث الأمر مع فيرنون والترز أحد الأيادي القديمة في وكالة المخابرات المركزية المختصة بشئون شمال أفريقيا.

وبدوره ارتأى فيرنون والترز ضرورة إشراك محطة الوكالة في المغرب في وضع تصور حول ما ينبغي عمله بوصفه عرّاب هذه المحطة، والتي كانت تقود محطات الإقليم بأكمله، وليس أدلّ على نفوذه هناك من مراجعة أمور ظهرت في تلك الآونة بالذات، منها مثلاًً.. أن التقرير الضريبي بما حققه فيرنون والترز من دخل في عام 1980 يوضح أنه حقق دخلاً إجمالياً في ذلك العام وصل إلى نصف مليون دولار، والطريف أن (300) ألف دولار من هذا الدخل جاءت من عقد استشاري وقعه مع شركة تحمل اسماً يخفي تماماً طبيعتها، وهي "شركة أنظمة الطاقة والبيئة"، فيما كانت وظيفتها الحقيقية.. تجارة السلاح، ومقرها اليكسنداريا – فيرجينيا، أما العقد الاستشاري فقد كان بشأن بيع دبابات للمغرب، وهي صفقة لم تتم على أية حال! وقد كان والترز أيضاً شريكاً في شركة بمنطقة فيينا- فيرجينيا تسمى مستشارو السفريات للمغرب، وقد حقق منها الجزء الأكبر من بقية دخله، وكانت مهمتها الظاهرية تتمثل في تنظيم رحلات سياحية، فيما كانت مهمتها الحقيقية هي عمليات نقل ضباط ومعدات محطة الوكالة.

وسوف نرى فيما بعد أن والترز كان هو الشخص المكلف من قبل إدارة ريجان بالسفر إلى أوروبا قبيل عدوان أبريل 1986 على ليبيا، وذلك لإقناع الحلفاء بالتعاون لاغتيال القذافي. ولم يكن – وهو الرجل الذي عمل نائباً لمدير وكالة المخابرات المركزية من قبل – موفقاً في تلك المهمة بأكثر مما كان موفقاً في مهمة بيع الدبابات للمغرب، باستثناء بريطانيا التي كانت مستعدة للتعاون به أو بدونه.

والترز إذن هو الذي اقترح على تيرنر التشاور مع محطة المغرب، ليس فقط بشأن تقارير تويتن، ولكن أيضاً بشأن مشروع تنظيم عدد من المعارضين للنظام في طرابلس، وليس صحيحاً في هذا السياق ما قيل عن أن محطة المخابرات المركزية في نيودلهي هي التي بادرت بالاتصال بذلك الدبلوماسي الليبي المنسوب إليه وضع اللبنات الأولى للمعارضة الليبية؛ إذ أن رسائله للسفارة الأمريكية – عبر وسطاء – بقيت دون رد لبضعة شهور.

وكان هذا الدبلوماسي – وهو سفير ليبيا سابقاً في الهند محمد المقريف – قد قام بخطوات مشابهة حين تناقش مع سفيري المغرب والسعودية في نيودلهي حول الأوضاع في ليبيا، مبدياً استياءه مما يحدث، ونقمته على النظام، واستعداده لعمل شيء من أجل تصحيح الأوضاع حسب قوله، وكانت هذه النقاشات التي بدأت خلال احتفالات دينية عقدتها مؤسسات إسلامية هندية ثم استمرت في مناسبات أخرى، كانت تمضي بحذر في البداية، ثم بقدر أكبر من الوضوح في كل مناسبة تالية. وقد طلب السفير، الذي يتهيأ لوضع بندقيته على الكتف الأخرى، من سفير السعودية أن يبلغ رئيس وزراء ليبيا السابق مصطفي بن حليم، الذي كان يقيم في السعودية منذ إسقاط النظام الملكي في ليبيا بأنه – أي السفير- يرى ضرورة عمل شيء لإيقاف ما يحدث في ليبيا.

أُبلغت الرسالة، واقترح رئيس الوزراء السابق على السفير الذي نقلها إليه أن يدعو صديقه – أي سفير ليبيا – إلى زيارة لباكستان، حيث ستُدبر له بعض اللقاءات المهمة. وبالفعل، ذهب السفير الليبي إلى باكستان حيث التقى للمرة الأولى توماس تويتن الذي كان قد سافر خصيصاً إلى باكستان لمقابلة السفير الليبي، خوفاً من أن ترصد أجهزة المخابرات الهندية أو عملاء المخابرات السوفيتية في نيودلهي خبر اللقاء.

حمل تويتن إلى السفير الليبي تحيات رئيس الوزراء السابق وثناءه عليه، وتناقش الاثنان في أمر استعداد السفير للانشقاق، وفي أوضاع ليبيا بالتفصيل، ثم طلب عميل المخابرات المركزية من السفير ألا يتعجل اتخاذ قرار حتى يتفقا على التوقيت، ثم اقترح تويتن على السفير أن يعرج إلى الرياض التي يقيم فيها بن حليم قبل عودته إلى طرابلس، والتي كان السفير ينوي العودة إليها بعد أيام.

والتقى السفير بمصطفي بن حليم، الذي كان يعرف بما دار في لقاء باكستان، والذي قال للسفير أنه سيبذل جهداً إضافياً كي يجعل مشروعه ذا تأثير، وأنه يشعر أن انتظاره للخطوة العملية لن يدوم أكثر من أسابيع، بل وصل بن حليم إلى الحديث عن تشكيل حكومة ليبية في المنفى يرأسها ذلك السفير ذاته إذا دعت الضرورة لذلك، ثم اقترح على السفير أن يدبر له زيارة لبريطانيا، وأعطاه اسم شخص بريطاني ورقم هاتفه في لندن وأوصاه بالاتصال به في الأسبوع الأول من مارس 1980 إذا ما تمكن من ذلك.

وبالفعل عرج السفير إلى لندن بعد أن غادر طرابلس، حيث اتصل بالشخص الذي أعطاه بن حليم اسمه ورقم هاتفه كي يحدد معه موعداً للقاء. وعندما التقيا أخبره هذا الشخص بأنه ضابط في المخابرات البريطانية، وأنه على علم بما يحدث، وأخبره أيضاً أن الحكومة البريطانية مستعدة لتقديم كل التسهيلات الممكنة لعمله فور بدء نشاطه العلني.

وعاد السفير إلى نيودلهي، وفي أبريل 1980 تحققت نبوءة بن حليم، إذ أبلغ السفير أن بوسعه الآن إعلان انشقاقه عن الحكومة الليبية في أي وقت يلائم ظروفه الخاصة، وفضل السفير التريث قليلاً لاعتبارات عائلية، ثم غادر نيودلهي في يونيو 1980 لمقابلة مصطفي بن حليم، حيث شاركهما بعض اللقاءات عدد من ضباط محطة المخابرات المركزية في محل إقامة بن حليم، وقال السفير للجميع أنه لن يعود إلى نيودلهي مرة أخرى. ثم تكررت لقاءاته مع رئيس الوزراء السابق والمشاركين من محطة المخابرات المركزية، حيث تمت مناقشة التفاصيل الأخيرة لتشكيل تنظيم من المعارضة تعهد مصطفي بن حليم وأصدقاؤه من الأمريكيين والبريطانيين بمساعدته كي يقدم تغطية مناسبة للموجة المقبلة التي كانوا يعدون لها والتي ظنوا أنها ستُغرق ليبيا.

وفي يوليو 1980 اتجه السفير إلى الرباط – مقر محطة المخابرات المركزية المسئولة عن شمال أفريقيا- ليعلن من هناك انشقاقه عن الحكومة الليبية والتحول إلى معارض لها، ومن جانبها، منحت الحكومة المغربية

- التي كانت في الحكم آنذاك – على الفور حق اللجوء السياسي إلى السفير الليبي، ومُنح جواز سفر مغربي باسم محمد عبد الله، سُلّم له عن طريق الكولونيل حسني مدير وكالة مكافحة التجسس بالمغرب ومساعد الجنرال أحمد الدليمي المسئول عن الأمن في المغرب حينذاك، وقد أقام السيد السفير في حي سويسي بالرباط.

وهكذا، ومن خلال الجهود التي بذلها بن حليم ومضيفوه، وبحسب المقاييس التي وضعتها وكالة المخابرات المركزية، تم تشكيل المنظمة المعارضة المطلوبة متمثلة فيما يسمى بجبهة الإنقاذ الوطنية، والتي أصبحت منذ ذلك الحين خاضعة لإشراف الوكالة المذكورة من الناحية الميدانية، حيث كان هناك أربعة ضباط عاملين في الوكالة يتولون كل ما يتعلق بتسهيل إجراءات تشكيلها وتوجيه نشاطاتها:

الأول: تويتن الذي ما لبث أن نُقل – شكلياً- إلى محطة الوكالة بعمان، ثم اتجه بعد فترة وجيزة إلى واشنطن ليعمل ضمن طاقم القيادة في لانغلي.

الثاني: ضابط يدعى كوغان، وكان منذ البداية يعمل في المقر الرئيسي للوكالة، إلا أنه كان مشرفاً من هناك على تذليل العقبات التي تعترض عمل المجموعة المعارضة، وتقديم ما يلزم لتسهيل أدائها لمهامها والتي كان يتم تحديدها مباشرة من واشنطن.

الثالث: يدعي مستر ناينر، وكان ينتمي لمحطة الوكالة بالرباط، وأصبح المسئول المباشر عن أمين عام هذه الجبهة، وقد غادر ناينر الرباط مباشرة بعد مصرع الجنرال أحمد الدليمي في ظروف معروفة.

الرابع: جون شتاين، وكان أحد الضباط الرئيسيين في قسم العمليات

في لانغلي، وقد سبق له أن خدم في السفارة الأمريكية في ليبيا بين عامي 1972 و 1974.

بقيت فقط مشكلة التمويل.. ولأن واشنطن تفضل عادة أن يدفع آخرون نيابة عنها كلما كان ذلك ممكناً، ولأن اعتمادات العمليات السرية كانت - حتى تلك الفترة المبكرة – لا تتجاوز (20) مليون دولار، إذ لم تكن الإدارة الجديدة (حينذاك إدارة ريجان) قد أعادت ترتيب بيتها المالي بعد طبقاً للتركيبة الجديدة، فإن الوكالة طلبت من بعض حلفائها في المنطقة تقديم العون المالي المطلوب لبدء تشغيل محرك المعارضة. يقول جون برادوس كتابه الموسوم "حروب الرؤساء السرية" والذي نشر في نيويورك عام 1988 "إن دولة عربية – كانت هي محل إقامة مصطفي بن حليم – قدمت لمحمد المقريف سبعة ملايين دولار لمساعدته في بناء منظمته، ولكن اللافت للنظر هنا أن المقريف قال في اجتماع المجلس الوطني الأول في الرباط – وهو اجتماع عُقد لتدشين منظمته – أن الجبهة تسلمت ثلاثة ملايين دولار فقط كمعونة قادمة من مضيفي مصطفي بن حليم" 6.

وقال معارضون انشقوا عن المقريف فيما بعد أنهم لا يستبعدون أن يكون رئيس الوزراء الليبي السابق قد تقاضى نسبة من العون المالي المقدم للمقريف مقابل جهوده في تأسيس جبهة الإنقاذ، فيما لا يستبعد آخرون أن يكون السفير السابق قد حصل أيضاً على نسبة من هذا العون، وذلك بهدف وضعه جانباً تحسباً لاحتمالات المستقبل في تلك اللحظة التي استعد فيها لخوض مغامرته الجديدة.

إلا أن المقريف نفسه نفى عدة مرات أن تكون الجبهة قد تلقت سبعة ملايين دولار، وأصر على أنها كانت أربعة فقط، وقد أخذت القضية في حينها على أنها حرب كلامية بين فرقاء سياسيين، إلى أن أكد جون برادوس أن المقريف تلقى بالفعل سبعة ملايين دولار، ولكن برادوس لم يشِر إلى الخِِِِِِِِِِلاف حول ذلك الجزء من العون المالي الذي لم يُعرف أين ذهب على وجه الدقة.

وفي واقع الحال، فإن المخابرات المركزية الأمريكية لم تنظر قط إلى هذه المجموعة المعارضة باعتبارها قوة قادرة على تغيير معطيات الموقف السياسي في طرابلس على نحو شامل، بل اعتبرتها دائماً حليفاً في حرب العمليات السرية والمعلنة ضد القذافي قد ينجح في إحدى محاولات اغتياله، فضلاً عن أنها تمثل غطاءً محلياً يسهم في خلط الأمور بحيث لا تبدو وكالة المخابرات الأمريكية وكأنها قامت بهذه المحاولات على نحو مباشر.

وكان أن بدأت المخابرات الأمريكية – عبر هذه المجموعة المنشقة - عدداً من محاولات اغتيال القذافي باءت كلها بالفشل، حتى ظن البعض أن هدف اغتيال القذافي قد تحول بالفعل إلى سراب صحراوي رحل من سرت إلى طرابلس ذات يوم، ليصبح بعد ذلك هدفاً مستحيلاً.

يتبع في الحلقة القادمة

الدكتور يوسف شاكير
________________________________________________

1. - سورة الحجرات الآية 12
2. - الراوي: سعد بن أبي وقاص - خلاصة الدرجة: رواته رواة الصحيح - المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الجزء ورقم الصفحة: 4/53
3. - الراوي: عبد الله بن عمر - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح - المحدث: المنذري - المصدر: الترغيب والترهيب - الجزء والصفحة: 3/241
4. - (تبصرة الحكام2/ 177)
5. - سورة المائدة الآية 33
6. كتاب "حروب الرؤساء السرية" ص 283 لجون برادوس


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home