Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 13 نوفمبر 2008

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
من خيرالدين التونسي إلى أوباما :
ارتفاع قوم وانحطاط آخرين

من خيرالدين التونسي إلى أوباما: ارتفاع قوم وانحطاط آخرين
د.عبدالوهاب الأفندي

القدس العربي
11/11/2008

في عام 1857، تم تعيين شاب في السابعة والثلاثين من عمره وزيراً للبحرية في تونس. ولم يكن هذا الحدث في الظاهر مثيراً للاهتمام، خاصة وأن الشاب المذكور كان قد أبلى بلاء حسناً في الوظائف التي شغلها سابقاً، حيث تولى الإشراف على مكتب العلوم الحربية وهو في مطلع العشرينات من عمره، ثم أصبح أميراً للواء الخيالة قبل أن يبلغ الثلاثين. وبعد ذلك تم تكليفه بمنصب السفارة والمفاوضات المالية نيابة عن حكومته مع فرنسا، وهي مهمة غاية في التعقيد، فأبلى فيها بلاء حسناً كان مدخله إلى الوزارة.
ولم يكن هذا منتهى بلاء الضابط والدبلوماسي الشاب، إذ أنه استخدم وضعه الجديد للدفع إلى إصلاحات سياسية مهمة، منها إنشاء مجلس للشورى عين رئيساً له في عام 1861. ولكنه قرر بعد خلافات حول صلاحيات المؤسسات الجديدة الانسحاب من الحياة السياسية، فاستقال من رئاسة المجلس في عام 1862 ولزم بيته واشتغل بالتأليف والتأمل في الأزمات التي كانت تأخذ بخناق العالم الإسلامي والبحث عن حلول ناجعة لها.
بعد سبع سنوات، وتحديداً في عام 1869 استدعي من قبل حاكم تونس الجديد إلى الحياة العامة حيث كلف رئاسة اللجنة المالية، إضافة إلى مهام ذات طبيعة دبلوماسية مع الدولة العثمانية وفرنسا. وكالعادة أبلى بلاء حسناً، مما جعل الحاكم يعينه رئيساً للوزارة في عام 1873. وقد أقبل الرجل بهمته وكفاءته المعهودة على مهام منصبه الجديد، وعكف على إجراء إصلاحات تعليمية ومالية وسياسية وإدارية رأى أنه لا غنى عنها لضمان سلامة واستقلال الدول الإسلامية. ولكنه واجه عقبات متداخلة من مراكز القوى داخل الدولة ومن الحاكم دفعته للاستقالة في عام 1877.
ولكن استقالة الرجل من أرفع منصب في بلاده لم تكن نهاية حياته العملية، إذ أنه استدعي إلى استانبول عاصمة الدولة العثمانية، حيث عمل مستشاراً للسلطان عبدالحميد الذي لم يلبث في عام 1878 أن عينه في منصب الصدر الأعظم، أي رئاسة الوزارة في الدولة الأعظم في العالم الإسلامي وقتها. وقد زاد من أهمية هذا المنصب الفترة الحرجة التي تولاه فيها، وشملت تصفية ذيول الحرب مع روسيا، وإقالة الخديوي اسماعيل حاكم مصر بسبب الأزمة المالية التي أدخلت سياساته مصر فيها. وقد كان الرجل من منتقدي سياسات إسماعيل المالية، وقد حذر من الكارثة التي يمكن أن تؤدي إليها. وقد سعى مرة أخرى بهمة إلى إجراء الإصلاحات الضرورية، ولكنه هذه المرة لم يعمر طويلاً في منصبه، حيث تمت إقالته في العام التالي.
مرة أخرى لم تكن هذه نهاية حياته العملية، بل بقي الرجل نشطاً في الحياة العامة، وعضواً في مجلس الأعيان، وذلك حتى وفاته في عام 1890.
بكل المقاييس فإن رجلاً قاد حياة حافلة من هذا النوع هو رجل استثنائي. فليس من المعتاد أن يبلي رجل واحد مثل هذا البلاء الحسن في المجالات العسكرية والدبلوماسية والمالية والسياسية والإدارية، وينال الاعتراف بقدراته في أكثر من بلد، وخاصة في الفترة الحرجة التي مثلت فجر الحداثة في العالم الإسلامي وما فرضته من تعامل مع ظروف لا عهد للمسلمين بها، ولا يوجد في تراثهم ما يؤهلهم للتعامل معها. ولكن أهمية الإنجاز تكمن في أن الرجل (ولا شك أن معظم القراء قد فطنوا إلى أننا نتحدث عن خيرالدين باشا التونسي) لم يكن تونسي الأصل ولا تركياً. فهو قد وصل إلى تونس في حوالي الخامسة عشرة من عمره، عبداً مملوكاً اشتراه حاكم تونس من مالكه السابق، نقيب الأشراف في استانبول. وكان قبل ذلك قد أسر من موطنه في منطقة أبخازيا في القوقاز (في جورجيا الحالية) وهو طفل بعد مقتل والده في معارك هناك وبيع عبداً في استانبول. وقد تلقى تعليمه بالطريقة المعتادة في بيت نقيب الأشراف، ولكن الباي حاكم تونس أولاه عناية خاصة لما لحظ من ذكائه وقدراته التحصيلية، فكان هذا مفتاح صعوده.
ولكن الملفت أكثر هو أن قضية أصله الأجنبي وعبوديته السابقة لم تثر إطلاقاً حين تدرج في المناصب العليا، رغم أن الرجل كما ذكرنا كان له خصوم كثر في كل المواقع التي تولاها. ويعود هذا من جهة إلى أن تدرج المماليك في المناصب العسكرية والسياسية لم يكن من الأمور المستغربة في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي. إلا أن النقطة الأهم هي تلك التي أثرتها في ردي على مقولة برنارد لويس المشهورة (والتي تلقفها للأسف بعض العرب والمسلمين) والتي تقول إن مفهوم المواطنة لا أصل له في الفكر الإسلامي بسبب عدم وجود تعبير مرادف للفظة المواطن في اللغات العربية والتركية والفارسية في فترة ما قبل الحداثة. والرد هو أن المسلمين لم يكونوا في حاجة إلى هذا المفهوم لأن المرادف الحقيقي للفظ المواطن في الفكر الإسلامي هو لفظ 'المسلم'. ذلك أن الكيان السياسي الإسلامي كان يقوم على الهوية الدينية، وكان الانتماء للإسلام هو الشرط الوحيد النظري لنيل كل حقوق المواطنة، وما هو أكثر منها، مثل النيابة عن الأمة في بسط الحماية على الآخرين، لأن المسلمين سواسية يسعى بذمتهم (أي الحماية باسمهم) أدناهم.
هذا المفهوم يكتسب أهمية كبرى، لأن عام 1857 كان سنة مفصلية في شأن بلد آخر. ففي آذار (مارس) من ذلك العام أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها في قضية دريد سكوت، وهو أمريكي أسود رفع قضية يطالب فيها بحريته من الرق وفق القانون الأمريكي الذي يمنح الحرية لأي عبد يقيم مع سيده في ولاية تحرم الرق. المحكمة رفضت طلب سكوت بحجة أن الأمريكي الأسود، سواء أكان حراً أم عبداً، ليس له حق في المواطنة الأمريكية، وبالتالي لا يحق له رفع قضية أمام المحكمة العليا! وقد فسر القضاة حكمهم بالقول بأن واضعي الدستور الأمريكي لم يكونوا يعنون السود حين وضعوا مبدأ أن كل البشر متساوون.
احتاج الأمر في أمريكا إلى حرب أهلية ضروس ثم صدور التعديل الدستوري الرابع عشر في عام 1866 حتى يصبح من حق العبيد السابقين الحصول على المواطنة. ولكن هذا الحق ظل حبراً على ورق حتى جاءت حملة الحقوق المدنية في الستينات لتستعيد بعض الحقوق، وما تزال الأوضاع تحتاج إلى تصحيح والمزيد من النضال. ولعل الاحتفاء بانتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة في الأسبوع الماضي باعتباره حدثاً مفصلياً في التاريخ الأمريكي يؤكد استمرار المشكلة لا انتهاءها. ذلك أنه لو كان الأمر طبيعياً كما كان الحال مع خير الدين التونسي، لما كان هناك سبب لإثارة الموضوع أصلاً. ولكن الأمر بالعكس، يشير إلى مشكلة، خاصة وأن كثيراً من خصوم أوباما كانوا يلمحون ويصرحون إلى أن وصول أوباما إلى البيت الأبيض يعني نهاية أمريكا كما نعرفها، ووقوعها في قبضة المتطرفين.
الطريف أن البعض قرر أيضاً اللجوء للمحكمة العليا للطعن في أحقية أوباما في الجنسية الأمريكية. فقد رفع المحامي فيليب بيرغ (من فيلادلفيا) قضية أمام محكمة في هاواي يطعن فيها في أحقية أوباما بالجنسية الأمريكية، بدعوى أن والدته قد تجنست بالجنسية الاندونيسية بعد زواجها الثاني وأنه كان تابعاً لها، ولا يوجد سجل إلى أنه استعاد جنسيته بعد عودته بأداء القسم والحصول على شهادة بذلك. وقد رفضت المحكمة في الخامس والعشرين من تشرين الاول (أكتوبر) الماضي دعوى بيرغ بدعوى عدم اختصاصه في رفع مثل هذه القضية، ولكنه قال إنه سيستأنف الحكم أمام المحكمة العليا. مع ذلك فإن وجه المقارنة هو ما شهدته الولايات المتحدة من تحسن في وضع الأقليات بها بين حكم المحكمة العليا في قضية سكوت وبين صعود أوباما إلى سدة السلطة، في مقابل ما شهدته الدول العربية من انحدار بين وصول خيرالدين إلى رئاسة الوزارة في عام 1873 وما تشهده تونس اليوم وبقية الدول العربية، ليس فقط في مجال حقوق الأقليات، بل في حقوق المواطن كامل المواطنة نظرياً. ففي معظم الدول العربية أصبح حق الترشح للرئاسة (في البلاد التي لا تحكم بالوراثة) هو أقرب طريق إلى السجن.
ولكن التسلط من قبل الأقليات المهيمنة على قمة السلطة والمحتكرة لثروة الأمة في ترف ينذر بوعيد الله بقرب إهلاك من أترف ففسق، ليس سوى عرض من أعراض المرض. فمقارنة مع الترحيب الذي كان يجده المسلم في الماضي في أي مكان حل من دار الإسلام دون أن يسأله أحد عن أصل وفصل ومنشأ، أصبحت معظم شعوبنا تتدثر بعصبيات الجاهلية الأولى، وتنكر على الأخ المقيم في البلد لعقود، ومن ولد فيه ونشأ لا يعرف غيره، أن يكون له مجرد حق الإقامة و'التابعية'. أي أن المسلم اليوم لا يحق له حتى أن يصبح واحداً من مماليك وعبيد السلاطين أسوة بغيره ممن يسمون 'مواطنين' وهم في واقع الأمر يفتقدون الحرية، ويورثون كالمتاع، وهم راضون بحالهم، بل هم غيورون عليه لا يريدون أن يشاركهم فيهم إخوتهم في الدين.
في أمريكا والدول الأوروبية توجد أقليات عنصرية تنكر على الوافدين والأقليات كامل الحقوق. ولكن هذه الفئات تبقى أقليات منبوذة، وهي على كل حال لا تنكر على الجميع حقهم، وإنما تدعو لتقليص عدد المهاجرين وزيادة شروط التجنيس. وحتى أكثر هذه الأقليات تطرفاً لا ينكر على المقيمين حقهم في الإقامة الدائمة، ولا على من تجنس سلفاً حقوق المواطنة. ومهما يكن فإن الغالبية ترفض هذه الأصوات المتطرفة وتدعو إلى معاملة المهاجر والمقيم نفس المعاملة في الحقوق المدنية، حتى من لم يتجنس. وترفض القوانين التمييز ضد أي إنسان على أساس الأصل أو الدين أو العرق، خاصة في مجالات الخدمات من عناية صحية أو تعليم وما إليها.
وبالمقابل فإن ما نشهده من تمييز في بلادنا ضد الأقليات العرقية والدينية، بل وحتى ضد المواطنات (مثل رفض تجنيس الطفل إذا كانت أمه فقط هي المواطنة) وبالطبع ضد المهاجرين حتى إن كانوا من دين أهل البلد وعرقهم، هو علامة مرض عضال ينخر في البنية الاجتماعية للأمم. فهو تخلف عن العصر فوق أنه تراجع عن مثل الدين وحتى عن ماضينا القريب كما رأينا. وعليه فليس عجباً أننا ننتقل من انحطاط إلى انحطاط، ويولى علينا أشرارنا، ونتخلف عن ركب الأمم. فما لم تتحرر النفوس والعقول والقلوب من رجس التعصب الجاهلي فإن البلاد لن تتحرر من العبودية المزدوجة لفئات هي بدورها مستعبدة للأجنبي.
في كتابه المشهور 'أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك'، وهو الكتاب الذي أنجزه في أيام عزلته ونشر في عام 1868 (العام الذي سبق استدعاءه إلى الوزارة) حذر خيرالدين من ان أكبر عقبة في سبيل النهضة هي الحكم الاستبدادي والبعد عن الشورى والعمل المؤسسي. ولكنه رأى بالمثل أن الحكم الرشيد يحتاج إلى أمة تنهض بالعلم والوعي والاجتهاد والاستنارة. في أيامنا هذه، لا ينقص أمتنا الوعي والعلم. فما أكثر المدارس والجامعات، وما أصعب الغفلة عن حقائق الأمور في عصر يأتيك فيه بالأخبار من لم تزود وأنت في غرفة نومك. ولكن الغشاوة التي على البصائر هي من صنع من سلموا أنفسهم لقيم الجاهلية من عنصرية بغيضة تتعلق بالقليل من حطام الدنيا مقايضة له بكرامة الإنسان التي لا تقدر بثمن. وما لم تستنهض الشعوب نفسها من هذه الأغلال التي صنعتها لنفسها، وما لم ينهض مفكرو الأمة وعلماؤها لتبصير من لا يبصر، فإن هذه الأمة ستبقى في أغلالها إلى أن يحق عليها القول فيدمرها الله تعالى تدميراً.
' كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن


علي جيريل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home