Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

رسالة إلى سيف الإسلام..
رأي حول ملتقيات الشباب

شهر وأسبوع واحد يفصلنا عن الموعد الذي اعتاد المهندس سيف الإسلام منذ عام 2006 أن يلتقي فيه بما يسمى الفعاليات الشبابية، فيلقي خطابه المرتقب، الذي يتضمن وجهة نظره حول ما أنجز وما يتوقع أو يؤمل إنجازه في إطار مشروع "معا من أجل ليبيا الغد".
وإني أريد أن أجازف بإبداء وجهة نظر حول هذه الملتقيات، ربما تصدم كثيرين أو تغضبهم، فتحفزهم إلى رفع العقيرة باتهامي بما يعن لهم من كوني معادياً لمشروع ليبيا الغد، ولصاحب المبادرة به المهندس سيف الإسلام، ومن ثم بأني معاد للشباب وما صارت الدعاية تصوره من أن مشروع "ليبيا الغد" هو مشروع للشباب وحدهم، وأنه ليس لباقي الليبيين من غير الشباب نصيب أو مصلحة فيه. وجهة النظر هذه تنطلق من تساؤل مباشر ما انفك يراودني ويلح علي منذ متابعتي للملتقى الأول الذي عقد بسرت في أغسطس 2006، وهو: هل ثمة مبرر فعلي لأن يجمع آلاف الشباب في مكان واحد، لكي يستمعوا إلى خطاب، ولا يكون لهم أي دور في التفاعل معه بالحوار أو النقاش أو إبداء الرأي والمشورة؟ وما الفرق في النتيجة بين أولئك الذي يحضرون الملتقى بأشخاصهم، ويستمعون إلى الخطاب من خلال لواقط الصوت ومكبراته، وأولئك الذي يتابعون الخطاب نفسه من خلال الإذاعات المرئية والمسموعة في اللحظة ذاتها، متابعة مباشرة على الهواء؟
وإذا كانت الإجابة عن هذين السؤالين بالنفي، وهو ما أحسبه مؤكداً ولا جدال فيه، فإن السؤال الذي ينشأ من هذه الإجابة نفسها هو التالي: ما المبرر لصرف تلك المبالغ الطائلة على حشد أولئك الشباب ونقلهم من مختلف أماكن إقامتهم في شتى أنحاء البلاد إلى مكان الاجتماع، ثم تكبد مشاق ومصاريف توفير أماكن الإقامة والإعاشة لهم. وما المبرر لصرف المبالغ الطائلة على متطلبات إعداد المكان الذي يتم فيه الملتقى، من مبان ومنصات وتجهيزات فنية وغيرها، من أجل لقاء لا يستغرق سوى بضع ساعات على أكثر تقدير؟
وإني أرى أن الرسالة التي يريد المهندس سيف الإسلام أن يبلغها إلى الشباب، ومن خلالهم إلى الشعب الليبي بأسره، يمكن بكل سهولة ويسر وفعالية أن تصل إليهم عبر المذياع وجهاز التلفاز، وربما حتى عبر جهاز الهاتف المحمول، بل إنها تصل في اللحظة نفسها إلى الليبيين والناس كافة في شتى أنحاء العالم.
ومن هنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً وبقوة هو: ما المبرر إذن لصرف الأموال الطائلة على حشد الآلاف من الشباب من مختلف أنحاء البلاد، ونقلهم بمختلف وسائط النقل، ثم تأمين إقامتهم وإعاشتهم في المكان المختار لعقد الملتقى؟
وما المبرر لصرف الأموال الطائلة لإعداد مكان اللقاء، بما يتطلبه من مبان وإنشاءات ومنصات للخطابة والاحتفال، وتجهيزات فنية للنقل والبث الإذاعي؟ وما المبرر لصرف الأموال الطائلة لتأجير مقدمي برامج ومغنين وفرق موسيقية تأتي من الخارج؟
وبالطبع هذه التساؤلات تتضمن بالضرورة تساؤلاً من نوع آخر هو: أليس من الأولى أن تصرف هذه الأموال، وهي بكل تأكيد من خزينة الشعب الليبي، في وجوه هي أجدر وأحق بأن تصرف فيها:
• على ليبيين فقراء ما زالوا يعانون الأمرين ولا يجدون ما يسد رمقهم ويشبع جوعهم؟
• وعلى ليبيين ما زالوا لا يجدون المأوى الذي يليق بآدميتهم وكرامتهم؟
• وعلى ليبيين لا يجدون في بلادهم مرافق العلاج الصالحة، فيضطرون لتكبد المشاق والتكاليف الباهظة لتدبير السفر للعلاج في تونس ومصر والأردن؟
• وعلى ليبيين، حتى داخل المدن الكبرى والرئيسة، ما زالوا لا يجدون الماء
الصالح للشرب، فيضطرون لتسوله أو شرائه بالمال؟
• وعلى ليبيين يعيشون وسط البرك والمستنقعات الناشئة عن تسرب مياه المجاري، بسبب انعدام أو تلف مرافق الصرف الصحي؟
• وعلى ليبيين باتوا يركضون وراء الأسعار التي تصعد باستمرار، وباتوا يوشكون أن يعجزوا حتى عن شراء قنينة زيت الطبخ وعلبة الشاي، وقد يعجزون عما قريب حتى عن شراء رغيف الخبز؟
• وعلى شباب ليبيا الذي لا يجد فرصة العمل، ويعاني المرارات من بقائه عالة على أبويه أو إخوته وعلى المجتمع، ناهيك عن انسداد آفاق الحياة الكريمة والمستقبل أمامه؟
• وعلى المحسوبين موظفين في الإدارة العامة، وتمارس عليهم هذه الإدارة أبشع ممارسات التضييق والعرقلة، لحرمانهم حتى من الزيادات التي أقرتها المؤتمرات الشعبية على المرتبات؟
والمجال لا يتسع للتطرق لباقي التفاصيل الصغيرة التي يعرفها ويعيشها الناس في واقعهم المرير، ولا يملكون أنفسهم من الشعور بالغضب والسخط وعدم الرضا حين يشاهدون بأعينهم كيف تصرف الملايين على لقاء يلقى فيه خطاب، يمكن للجميع أن يستمعوا إليه من خلال شاشة التلفاز في بيوتهم، أو على مقدمة برامج عربية، تحضر لكي تقدم فقرات حفل غنائي، أو على مغن إنجليزي يستأجر للقدوم خصيصاً من بريطانيا العظمى. ويقولون ومعهم الحق: ألسنا نحن وأبناؤنا وشيوخنا ومرضانا أولى بهذه الأموال؟ فكم يمكن أن تسد لنا هذه الأموال من خلل، أو تقضي من حاجة؟
إننا نشاهد ما يحدث حولنا في العالم، ويأخذنا العجب حين نجد أن زعماء الدول الكبرى في العالم المتحضر لا يجدون حاجة، وليس لهم صلاحية حتى لو وجدوا الحاجة في نفوسهم، إلى صرف الأموال لحشد مواطنين كي يلقي أمامهم الزعيم كلمة أو خطاباً. ونجدهم يكتفون بمؤتمر صحفي يحضره عدد محدود من الصحفيين الذين تتمثل مهمتهم لا في الاستماع إلى ما يقال، ولكن في نقل تساؤلات الناس واستفساراتهم ووجهات نظرهم إلى الزعيم لكي يجيب عنها أو يشرحها أو يرد عليها.
ولعل الجميع يعرفون ويتابعون التقليد السائد في الولايات المتحدة، حيث يكتفي رئيس الدولة بخطاب أسبوعي يبث للأمة من خلال الإذاعة، وبخطاب سنوي أو في الأحوال الطارئة، يلقيه على ممثلي الأمة في الكونجرس ومجلس الشيوخ.
فهل يسمح لنا المهندس سيف الإسلام، صاحب مشروع ليبيا الغد ومطلقه وراعيه، أن نوجه إليه هذه الرسالة، تحمل اقتراحاً محددا وواضحاً، وهو أن يستعيض عن ملتقى الشباب هذا العام بخطاب يلقيه أو يبثه على الليبيين في الداخل والخارج، وإلى العالم كله، من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمرئية ومن خلال الشبكة العالمية للمعلومات، وأن يعلن أنه قد قرر في هذا العام أن يخصص الميزانية التي قد تكون معدة للصرف على الملتقى لكي تصرف على مشروعات محددة، له أن يختارها من بين آلاف المشاريع التي تحتاجها البلاد ويحتاجها الناس، أو تصرف في شكل إعانات للفقراء والمساكين، من المتعيشين على معاشات الضمان الاجتماعي ونزلاء المصحات النفسية، ودور رعاية المسنين والمعاقين والأيتام.

بقلم : الدكتور عمرو عبد السلام
dramrsalam@gmail.com
11 يوليو 2008


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home