Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الشعـب والثورة ... أيهما يمتـلك الآخر؟

تبدو العلاقة بين الشعب الليبي والثورة غامضة وغير محددة أحيانا. فعلى مدى السنوات الماضية كان هناك تفريق واضح بين الشعب وبين الثورة في وسائل الإعلام الرسمية، أو على الأصح وسيلة الإعلام الوحيدة والتي تظهر في صور متعددة، فهي مكررة في صورة عدة صحف وإذاعة مرئية وإذاعة مسموعة تحمل جميعها نفس النص حرفيا. هذه الوسيلة الإعلامية دأبت على التفريق الواضح بين الشعب والثورة في المفهوم والواقع. فالثورة قامت من أجل الشعب وقامت بالعديد من الإنجازات لصالحه، ويظهر ذلك واضحا في لافتات المشاريع وفي الدعاية الإعلامية لها في وسيلة الإعلام، حيث تكرر كلها أن هذا العمل أو المشروع هو إنجاز لصالح الشعب. فهناك المشاريع الزراعية والمشاريع الإسكانية ومشاريع البنية التحتية وغيرها من المشاريع والأعمال التي قامت فعليا أو المشاريع التي لم تقم وإنما أعلن عنها في وسيلة الإعلام، والمجال لا يتسع لحصرها لكثرتها واختلاف نتائجها، ولعلي أفرد مقالا آخر في المستقبل – إن شاء الله – لوسيلة الإعلام الوحيدة.
أما الشعب فهو المتلقي الذي قامت الثورة من أجله، تقام من أجله ولصالحه الإنجازات والمشاريع، وعليه دائما أن يؤدي واجب الشكر وأن يشعر بالامتنان للثورة، وأن يكون مطيعا متحملا صابرا على ما يحدث في جميع الأحوال.
هذا التفريق الواضح بين الشعب كمفهوم وكأفراد يعيشون على رقعة من الأرض، أي أنهم جزء من المفهوم المتعارف عليه للدولة، وبين الثورة كمفهوم متغير ومتلون وهلامي أحيانا. فالثورة أحيانا هي المنقذ من العسف والجور والاستغلال كما يتكرر دائما في وسيلة الإعلام، وأحيانا هي السلطة صاحبة القرار بجميع مقوماته المادية والمعنوية والسلطوية. وقد أثقلت وسيلة الإعلام الرسمية – على مدى السنوات - كاهل أفراد الشعب وضمائرهم بتكرارها بمختلف الوسائل أن الثورة أنقذت الشعب من العسف والجور والاستغلال والقواعد الأجنبية والحكم العميل الرجعي المتعفن وغير ذلك من الأهوال التي ما كان للشعب أن يخرج منها لولا الثورة، وبالتالي رسخت التفريق الواضح بين الشعب وبين الثورة بمفهوميهما.
وقد قامت الثورة – باستعمال سلطتها - بتكوين الأجهزة الأمنية المتعددة والمتنوعة. فبالإضافة إلى الأجهزة المعتادة في بقية دول العالم تكونت لدينا أجهزة إضافية منها النظامية التي تتبعها في هيكليتها الجهات الأمنية الرسمية، ومنها التطوعية التي لا يتقاضى المنضمون إليها أي مرتب رسمي، ولكنهم يستفيدون من الميزات السلطوية التي تضفيها هذه الأجهزة على أفرادها، بالإضافة إلى أكبر جهاز أمني سلطوي تكون على مدى تاريخ الوطن وهو اللجان الثورية التي مارست دورا أمنيا سلطويا ضخما على مدى تاريخها الحافل بالجبروت والطغيان. وكانت هذه الأجهزة هي المكون الأساسي لعملية الفصل والتفريق بين الشعب والثورة. وكانت أعداد هذه الأجهزة كبيرة، وأعداد المنتسبين إليها أو المتطوعين بها كبيرة أيضا، بحيث لو جمعنا أعداد الموظفين بالأجهزة الأمنية الرسمية والمتطوعين بالأجهزة الأخرى وأعضاء اللجان الثورية لكان المجموع أكثر من إجمالي عدد الليبيين حسب الإحصائيات الرسمية، حيث ينتمي الكثير منهم لأكثر من جهاز أمني رسمي أو تطوعي في نفس الوقت. كما لا ننسى الأعداد الكبيرة من المنتمين للأجهزة الأمنية من غير الليبيين.
هذا الواقع محير. فإجمالي عدد الموظفين والمتطوعين بالأجهزة الأمنية أكبر من إجمالي عدد السكان، فإذا كان الغرض المعلن لتوظيف هؤلاء الموظفين والمتطوعين هو حماية الثورة، فمن هو الذي سيحاول التعدي على الثورة – مهما كان مفهومها – إذا كان كل الشعب الليبي منخرطا في هذه الأجهزة؟ إن هذا يساهم في التفريق والفصل بين الشعب والثورة، ويجعل من الثورة كائنا لا يعيش إلا في غرف العناية المركزة، كائنا يخشى من هبة النسيم ومن تنفس المحيطين به، ومن الإختلاط بالغير، كائنا تحت رعاية السلاح والقمع، وتحت تصنت الأجهزة الأمنية على بعضها نظرا لأن كل فرد من أفراد الشعب الليبي منخرط في جهاز أمني واحد على الأقل. هذه الأجهزة تعيش على تهويل الواقع وتكبيره وخلق أوهام المؤامرات على الثورة لتستمر في العيش، بل تفتعل المؤامرات وتحركها وتؤججها وتدفع أفرادا من الشعب كبش فداء لأوهامها. وقد استغلت في فترة عصيبة من تاريخ الشعب الليبي غياب التقنيات العلمية الحديثة وقاومت دخولها للمجتمع بكل ما استطاعت من قوة وحاولت وضعها تحت سيطرتها الكاملة. كما كانت دائما تصور للثورة – صاحبة السلطة والمال - أن الأعداء يتربصون بها من كل جانب، من الداخل ومن الخارج، وأن الحل الوحيد المناسب هو الضربات الإستباقية التي تأخذ البريء بجريرة المذنب، وتفترض أن الكل مذنب حتى تثبت براءته.
تبدو كل هذه الإجراءات – كما تشير أدبيات اللجان الثورية والأجهزة الأمنية والوسيلة الإعلامية – وكأنها لحماية الثورة، ولكنها في الواقع كرست التفريق والفصل بين الشعب والثورة، وجعلت من المواطنين غرباء في وطنهم أمام هذا الكائن الذي تسميه وسيلة الإعلام بالثورة، فالإنجازات والمشاريع وجميع وسائل الحياة أنشأتها الثورة لصالح الشعب، وعلى الشعب أن يشعر بالامتنان الدائم والمستمر للثورة، وعليه أن يعبر عن هذا الامتنان بكل الوسائل المتاحة والممكنة وتحت أي ظرف من الظروف، وفي كل مؤتمر وفي كل ندوة وفي كل شارع وفي كل برنامج إعلامي وفي كل إصدارات الصحيفة الإعلامية الوحيدة والمكررة، وبعبارات محددة تكررت خلال هذه السنوات الطوال حتى حفظها الجميع، وبالتالي أفرغت من معناها وأصبحت ( كليشيه ) يعاد ويكرر باستمرار. وفي نهاية المطاف كرست الفكرة القائلة بأن الشعب والدولة هما ملك للثورة.

عمر التاجوري


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home