Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الدكتور الفيتوري والرأي الآخر (4)

الإمام مالك والرأي الآخر 2

تناول الدكتور الفيتوري في مقاله الإمام مالك والرأي الآخر عددا من القضايا والتصورات والأحداث , منها ما تعلق بالإمام مالك رحمه الله ومنها ما تعلق بالعصر الذي عاش فيه , وسأتناول في هذه المقالة التعقيب على الجزء الثاني المختص بالإمام مالك رحمه الله.
قال الدكتور عبدالحكيم: وفي المقابل تقوم السلطة السياسية بتوظيف سلطة العالم وفق استراتيجية النظام السياسي ومنطق الصراع،كما فعل المهدي(الخليفة)مع مالك(الإمام)حين طلب الأول من الثاني أن يضع له كتابا نصيا لا عقلانيا يضبط به شؤون المتمردين فكريا على نظام الملك خاصة , وأستدل الدكتور مؤيدا دعواه بما قاله إبراهيم بن حماد ، سمعت مالكا يقول: قال لي المهدي: ضع يا أبا عبدالله كتابا أحمل الأمة عليه. فقلت: يا أمير المؤمنين ، أما هذا الصقع- وأشرت إلى المغرب- فقد كفيته، وأما الشام ففيهم من قد علمت– يعني الاوزاعي - وأما العراق فهم أهل العراق.
أقول : إن الكتاب الذي تتحدث عنه يا سعادة الدكتور هو موطأ الإمام مالك , وما أدراك ما موطأ الإمام مالك , ووالله ما أعلم على هذه الأرض من قال بقولك (إن كتاب الموطأ وضع لضبط شؤون المتمردين فكريا على نظام الملك خاصة) !! وإنما قال العلماء فيه كالإمام عبدالرحمن بن المهدي ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من الموطأ , والإمام الشافعي قال: ما كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من كتاب مالك يعني الموطأ, ولذا أرجو يا سعادة الدكتور أن لا تُحّمل الخليفة المهدي كلاما لم يقله , مع العلم بأن الاستدلال بأثر إبراهيم بن حماد لا ينص على دعواك فمالكم كيف تحكمون , وأعلم أنه لما قيل للإمام مالك شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله فقال ( ائتوني بما عملوا فأتي بذلك فنظر فيه ثم نبذه وقال لتعلمن أنه لا يرتفع من هذا إلا ما أريد به وجه الله ) , لا وجه الخلفاء ولا ضبطا لشؤون المتمردين يا دكتور.
ثم قال الدكتور: وهكذا أصبحت العلاقة المتميزة بين الإمام والخليفة على كافة المستويات هي القانون الأساسي السائد بين الفضاءات السياسية والفقهية، كإرسال العطايا،والهدايا الملكية ، وتقليد المناصب،وقبول الشفاعة ، والهبات، والمسامرة، والزيارات،وطلب الصحبة في السفر ، مستدلا بما قاله حسين بن عروة: قدم المهدي ، فبعث إلى مالك بألفي دينار،أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع بعد ذلك،فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن تعادله– أي تصاحبه في سفره إلى بغداد-إلى مدينة السلام....(الذهبي: تذكرة الحفاظ)
أقول: إن إطلاق الأحكام والأوصاف على عواهنها من غير أدلة أو بيّنات وبراهين أمر لا ينبغي , وبالأخص في حق علماء الأمة وقادتها , لأن ما يتجاوز فيه في حق العامة قد لا يتجاوز فيه في حق ذوي الفضل.
ولا أدري كيف تمكن الدكتور من اكتشاف هذا التصور المميز عن العلاقة المميزة بين الإمام مالك والخليفة المهدي!! وقد دلل الدكتور على هذه العلاقة بالأثر الذي رواه حسين بن عروة قال: ( قدم المهدي ، فبعث إلى مالك بألفي دينار،أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع بعد ذلك،فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن تعادله – أي تصاحبه في سفره إلى بغداد- إلى مدينة السلام...) وللأسف الشديد قد خيب الإمام مالك العلاقة المميزة مع الخليفة المهدي بناء على رأي الدكتور ورده خائبا حينما رد عليه قائلا ( فقال: قال النبي صلى ..المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والمال عندي على حاله), وفي كتاب الجرح والتعديل (قال فتركه) كما خيب ظننا الدكتور حينما لم يكمل الرواية مع أنها لا تعدو كونها كلمات معدودة , لو ذكرها لاستبان لنا الحق ولعرفنا جواب الإمام مالك وقدره حقا, وقد وردت الرواية كاملة في السير وغيره وبها رد الإمام مالك عليه رحمة الله ,أما الدعاوى الأخرى التي أشار إليها فقد أجبنا في مقالتنا السابقة عن بعضها كالعطايا والهدايا والزيارات, ولزيادة البيان أعلم أن الإمام مالك لا يزور مجالس الخلفاء إلا إذا اقتضت الحاجة وذلك للنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوصية بالخير , وما كان يوفر جهداً ليوصي الخليفة أو ينصحه وقد عوتب في ذلك فقال: لولا أني أتيتهم ما رأيتُ للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة سنَّة معمول بها، فكان إذا أتاهم نصحهم لكي يحيوا سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وخاصة في المدينة المنورة وكانوا يستجيبون لنصيحته, أما قبول الهدايا والجوائز فأن الإمام مالك لم يكن أول من قبل الجوائز ولا آخر من قبلها بل قد قبلها وأخذها من هو أجل من الإمام مالك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم , أما الشفاعة فلا أدري ما قصد الدكتور بها , مع العلم بأن الشفاعة خلق حسن إن كانت في المعروف, أما تقليد المناصب فلا نعلم أن الإمام مالكا قد تقلد منصبا , سواء في الولايات الخاصة أو العامة.
ثم قال الدكتور : وبذات الوتيرة كانت علاقة مالك(الإمام)بأبي جعفر(الخليفة)رمز السلطة العباسية،حيث حاول الأخير بمقتضى القانون الأساسي السائد بين تلك الفضاءات(السياسية والفقهية=السيف والقلم)أن يوظف سلطة القلم لصالح تعزيز ملكه، و تثبيت سلطانه،وحسم مخالفيه في الفكر والرأي، مستدلا بما نقله عن ابن سعد قال:سمعت مالكا يقول:لما حج المنصور،دعاني فدخلت عليه،فحادثته،وسألني فأجبته،فقال:عزمت أن آمر بكتبك هذه–يعني الموطأ-فتنسخ نسخا،ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة،وآمرهم أن يعملوا بما فيها،ويدعوا ما سوى ذلك من العلم المحدث،فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم.قلت:يا أمير المؤمنين،لا تفعل...،فقال:لعمري،لو طاوعتني لأمرت بذلك.(أنظر: سير أعلام النبلاء، ترتيب المدارك)
أقول: عفا الله عنا وعنك يا دكتور , أتعتبر دعوة الخليفة المنصور بنسخ الموطأ توظيف لسلطة القلم لصالح تعزيز سلطة الحكم أو السيف!! أي منطق وحكم رشيد هذا ؟, إن هذا الأمر لن يقلب الحقائق أو يُبدل المسلمات, لأن كل طالب علم يعلم علم اليقين أن كتاب الموطأ للإمام مالك أجل قدرا و أبعد ما يكون عما تم وصفه به.
وأقول عجبا كيف تُقلبُ الحقائق فالخليفة المنصور أراد تجنب مبتدع العلم أو محدثه وإرجاع الناس إلى أصل العلم رواية أهل المدينة , وعلم المدينة قد اجتمع عند الإمام مالك بالاتفاق , فأي دعوة مباركة هذه التي تم اغتيالها , ولولا ورع الإمام مالك ورجاحة عقله لأقر الخليفة في رغبته لعلم الإمام مالك أن الصحابة قد اختلفوا وانتشروا في البلدان وكل واحد منهم قد نشر ما يحفظه من علم وفقه في تلك الديار وأمسى لهم تلاميذ أخذوا عنهم علمهم واجتهاداتهم فلم يرغب الإمام مالك في ذهاب هذا كله مع إنكاره لمحدث العلم ومبتدعه وهذا مما يؤكد ويدلل على احترام الإمام مالك للرأي الآخر فأعلم.
ثم قال الدكتور: وتذكر رواية خالد بن نزار السبب الحقيقي وراء طلب الخليفة من الإمام وضع كتابا،وهو حسم مثقفي العاصمة ومفكريها بفكر ديني نصي قريب عهد بتطبيقات الصحابة وأبنائهم (= عرف المدينة)،حيث أن فكر الإمام مالك يعد فكرا محافظا يغلب عليه النقل،ولم يخض تجربة فكرية نقدية،وممارسة سياسية معارضة لنظام حكم وقد وافق الإمام مالك مباشرة على طلب الخليفة،كما جاء في رواية خالد:بعث المنصور إلى مالك حين قدم المدينة، فقال:إن الناس قد اختلفوا بالعراق،فضع كتابا نجمعهم عليه،فوضع(الموطأ).(سير أعلام النبلاء،وتاريخ أبي زرعة)
وأقول:أعلم يا سعادة الدكتور أن تحميل النصوص على غير حقيقتها منهج غير علمي ولا ينبغي لكل ناقد منصف, لأن الدعاوى إن خلت من بيَنات صريحة أو دلائل ظاهرة فلا اعتبار لها ولا قيمة للاحتجاج بها, وما قولك بأن رواية خالد بن نزار قد دلت على السبب الحقيقي لغرض الخليفة من الإمام , وذلك حسما لرأي مثقفي العاصمة ومفكريها إلا تعديا على الحقيقة والتاريخ , فضلا على أن كتاب الموطأ للإمام مالك ليس كتابا فكريا يعبر عن فكر الإمام المحافظ !! ,وإنما كتاب حديث وأثر وبه جملة من إجتهادات الإمام وفتاويه.وأعتقد أنك على إدراك تام بذلك , لأنه أمر معلوم لعامة المسلمين فضلا عن علمائهم.
وقد سُميَ الموطأ بهذا الاسم لأن مؤلفه وطَّأَهُ للناس ، بمعنى أنه : هذبَه ومهَّدَه لهم . ونقِل عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال : عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة ، فكلهم واطَأَنِي عليه ، فسميته الموطأ وقيل إنه سُمي الموطأ ، لأن المنصور قال له : وطئه للناس أي اجعله سهل التناول , وذكر ابن عبد البر رحمه الله ، في كتاب الاستذكار ( أن أبا جعفر المنصور قال للإمام مالك : ( يا مالك ! اصنع للناس كتابا أحْمِلُهم عليه ، فما أحد اليوم أعلم منك !! ) فاستجاب الإمام مالك لطلبه ، ولكنه رفض أن يُلزِم الناس جميعا به .
ثم قال الدكتور: ويقول ابن وهب:عن مالك،دخلت على أبي جعفر،فرأيت غير واحد من بني هاشم يقبلون يده،وعوفيت،فلم أقبل له يدا(سير أعلام النبلاء- ترتيب المدارك) وأضاف الدكتور قائلا : لعل مالك قد عوفي من تقبيل الذات ولكنه قبل القيم الصادرة عن تلك الذات،وقد يكون هذا من مالك من باب سياسة الأمر الواقع،والتكيف مع الأوضاع في إطار ليس في الإمكان أبدع مما كان!!.
أقول: عفا الله عنا وعنك يا دكتور أي جرأة ودين حملك على قول هذه الكلمة العظيمة ( لعل مالك قد عوفي من تقبيل الذات ولكنه قبل القيم الصادرة عن تلك الذات)، أي قيّم هذه التي قبّلها الإمام مالك !! ومن العجب أن تتهم الإمام مالك بذلك ثم تبرر له بعذر أشدُ مما ادعيته عليه!! , وأقول بالله عليك هل تعد هذه القراءة قراءة نقدية أم عدائيه !!؟
ثم قال الدكتور: ولكن الجدير بالذكر أن الآليات الذهنية التبريرية للإمام مالك،سواء من موقع القوة والهجوم(الدفاع عن الخلافة)،أو من موقع الدفاع و التسويغ (الدفاع عن النفس)،قد جوبهت من قبل الناس عامة بالاستنكار والنقد، حتى أنهم أرسلوا إليه من يسأله هل يجوز قبول هدايا الخلفاء،فأجاب مالك بأنه لا يجوز.فقال له الرجل:كيف لا وأنت تقبلها؟ فأجابه مالك بلسان الحال أنه يعلم ما يفعل،وأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان.وقال له بلسان المقال:أرأيت إن كنت آثما فهل تريد أن تبوء بإثمي وإثمك؟!!
أقول : غفر الله لنا ولك يا دكتور الرواية تنص على أنه كرهها لا ما أوردته بأنه قال لا يجوز فأرجو التثبت وهذا نص الرواية (قال أبو عمران الصدفي دخلت على مالك وعليه ثياب صوف , فقال: أخرجوه , فقلت : لا تفعل يا أبا عبدالله إنما أتيتك لأنك من ورثة الأنبياء , فسألته عن جوائز السلطان فكرهها , فقلت له إنك تقبل , فقال أتريد أن تبوء بإثمي وإثمك؟) وفرق كبير بين كراهيته لها وأخذها وبين دعواك بأنه يرى عدم جوازها ومع ذلك يأخذها!! وأعلم أن الكثير والكثير من المسائل يجوز فعلها مع الكراهة وفي تراثنا الفقهي الكثير من الشواهد والأدلة, أما قبول الهدايا والجوائز فقد بينا فيما سبق أن الإمام مالك لم يكن أول من قبل الجوائز ولا آخر من قبلها , بل قد قبلها وأخذها من هو أجل من الإمام مالك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ثم قال الدكتور: فلما ظهرت أفكار المعارضين لسلطة الخلافة على السطح،وأصبح لها رموز ومفكرين في عاصمة الخلافة بغداد،وبدأت هذه الأفكار تنداح وتنساب إلى قلب المدينة المحافظة،وهنالك أحسن الإمام مالك بخطورة حرية الرأي على النظم الوراثية المستبدة،فقام بموجب القانون الأساسي الذي يجمع بين السلطتين(السيف،والقلم)بواجب الدفاع مستخدما في ذلك آليات الدفاع كإصدار فتاوى تكفيرية واستباحية ضد المخالفين والمعارضين والمتمردين في إطار المعادلة الثنائية(=أهل الأهواء،مقابل أهل السنة)،(=وأهل الفرقة،مقابل أهل الجماعة)،بغية الحفاظ على الوضع الراهن،
أقول: بدلا من أن يعلمنا الدكتور بأفكار المعارضين لسلطة الخلافة وبرموزهم , لنستبين حقيقة هذه الأفكار والمفكرين ؟ساق لنا اتهاما آخرا مفاده أن الإمام مالك استشعر الخطر من حرية الرأي الذي تدعو إليه هذه الأفكار على النظم الوراثية المستبدة مستخدما فتاوى تكفيرية واستباحية ضد المخالفين والمعارضين والمتمردين !! رغبة منه في الحفاظ على الوضع الراهن!!.
ثم قال الدكتور مدللا على دعواه: يقول الشافعي:كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ديني ، وأما أنت، فشاك،اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. وقال ابن خلف: كنت عند مالك، فدخل عليه رجل ، فقال: يا أبا عبدالله ما تقول فيمن يقول:القرآن مخلوق؟ فقال مالك: زنديق، اقتلوه فقال: يا أبا عبدالله،إنما أحكي كلاما سمعته ، قال: إنما سمعته منك، وعظم هذا القول. وقال سعيد ابن عبدالجبار ، سمعت مالكا يقول: رأيي فيهم أن يستتابوا ، فإن تابوا وإلا قتلوا، يعني القدرية . ولا يخفى أن هذه الفتاوى وهذا الأسلوب مع المخالف في الرأي يضع كلية الحرية وقيمة احترام الرأي الآخر عند السلف موضع الشك والريبة !!.
وأقول: إن أسلوب الدكتور عبدالحكيم في العرض والبيان يضعه موضعا لا يحسد عليه , وبالأخص حينما أتهم الإمام مالك بأنه أحس من هذه الأفكار الداعية لحرية الرأي !! بحسب نظره !! أنها تشكل خطورة على النظم الوراثية المستبدة !! , ووللأسف أن تكرار الدكتور لهذه الدعاوى لن يقلبها إلى حقائق أو مسلمات , لأن كل الشواهد التي ساقها في هذا الموضع وفي غيره لا دلالة فيها على هذه الخطورة المزعومة للنظم الوراثية!! وما هي إلا مسائل تتعلق بالاعتقاد وحسب , وأما كلية الحرية التي يكررها الدكتور بين الحين والآخر فهي محل نظر سنتناولها مع غيرها في مقالة خاصة بعنوان مفردات الخطاب عند الدكتور الفيتوري.
ثم قال الدكتور: وبالنظر للتاريخ من منطق الاستفهام وليس الاستذكار يتضح أن القدرية كانت فكرة سياسية قبل أن تكون فكرة عقدية كغيرها من الأفكار والشعارات،كفكر الخوارج،والشيعة،وأهل السنة،بعبارة أخرى أن فكرة القدرية في بعدها السياسي تدور على رد مزاعم بعض الخلفاء على أنهم استولوا- على - مقاليد حكم البلاد والعباد بقدر الله ، وأن قدر الله على الناس السمع والطاعة وعدم منازعة أهل السلطة ، (يعني الإيمان بنمط التوريث، والرضى بمنطق الفكر الجبري الكسروي)
أقول: القدرية نسبة إلى القدر، وإنما سميت بهذا الاسم لأنهم نفوا القدر، فنسبوا إِلَى الشيء الذي نفوه. وزعموا أن العبد مستقل بإرادته وقدرته وليس لله في فعله مشيئة ولا خلق، وأنكر غلاتهم علم الله السابق، وأول من أظهر القول بالقدر معبد الجهني في البصرة وغيلان بن أبي غيلان القبطي الدمشقي , وفي أول صحيح مسلم أن رجلين من التابعين أتيا إلى ابن عمر - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُما- وقالا له: إن قوماً عندنا بالبصرة قد أظهروا إنكار القدر، فغضب ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ من ذلك غضباً شديداً، وقَالَ: بلغوهم أنني منهم براء، وأنهم مني براء، وأما عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- فإنه لما بلغه قول من أنكر القدر -وكان قد كبر وكف بصره- قَالَ: قربوه مني فوالله لئن أمكنني الله منه لأدقن عنقه، ثُمَّ أَخبر أن هَؤُلاءِ مجوس مُشْرِكُونَ، وأنهم والله سينكرون الخير كما أنكروا الشر, وما رأي الإمام مالك إلا من رأيهما فرضي الله عنهم أجمعين. ثم قال الدكتور: ويروى أن غيلان منظر القدرية وقف في سوق دمشق يبيع حوائج الأمويين قائلاً:تعالوا إلى متاع الخونة،تعالوا إلى متاع الظلمة،تعالوا إلى متاع من خلف الرسول في أمته بغير سنته وسيرته.فمر به هشام بن عبد الملك فغضب ونذر إن تولى الخلافة بعد عمر بن العزيز ليقطعن يدي غيلان ورجليه،وقد فعل ذلك وللأسف بفتوى الإمام الاوزاعي!!.

أقول : نحن الذين نأسف يا دكتور فلقد نصت عبارتك أن غيلان بن أبي غيلان أبو مروان القدري قد قتل بسبب بيعه حوائج الأمويين لقوله تعالوا إلى متاع الخونة،تعالوا إلى متاع الظلمة،تعالوا إلى متاع من خلف الرسول في أمته بغير سنته وسيرته!! وما قتله الخليفة هشام بن عبدالملك إلا لذلك وفاء بنذره وأفتاه طوعا لذلك الإمام الأوزاعي !!؟

ولقد تتبعت رواية مقتله ولم أقف على روايتك , مع العلم بأن الرواية الصحيحة خلافها,** وقد جاء ذكرها في كتب عديدة , وقد ذكرها مفصلة وباستطراد العلامة ابن عساكر بالأسانيد في كتابه تاريخ دمشق عند حديثه عن غيلان بن أبي غيلان القدري, وللعلم أن غيلان لم يقتل بعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز مباشرة وإنما قتل بعد عهده وعهد يزيد بن عبدالملك الذي دامت خلافته أربعة أعوام وشهرا , وهذا مما يضّعف الرواية التي ذكرتها أو يردها.

بقلم/ معاذ
muazlibya@yahoo.com
________________________________________________

** قال بلغ عمر بن عبد العزيز كلام غيلان القدري في القدر فأرسل إليه فدعاه فقال له ما الذي بلغني عنك تكلم في القدر قال يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم أقل قال فما تقول في العلم ويلك أنت مخصوم إن أقررت بالعلم خصمت وإن جحدت بالعلم كفرت ويلك أقر بالعلم تخصم خير من أن تجحد فتلعن والله لو علمت أنك تقول الذي بلغني عنك لضربت عنقك أتقرأ " يس والقرآن الحكيم ( 7 ) " قال نعم قال اقرأ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم " إلى أن بلغ ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " قال له قف كيف ترى قال كأني لم أقرأ هذه الآية قط قال زد " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون " قف من جعل الأغلال في أعناقهم قال لاأدري قال ويلك الله والله قال زد " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا " قال قف قال ويلك من جعل السد بين أيديهم قال لاأدري قال ويلك الله والله زد ويلك وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم " ( 7 ) قف كيف ترى قال كأني والله لم أقرأ هذه السورة " قط فإني أعاهد الله أن لا أعود في شئ من كلامي أبدا فانطلق " فلما ولى قال عمر بن عبد العزيز اللهم إن كان أعطاني بلسانه ومحنته في قلبه فأذيقه حر السيف فلم يتكلم في خلافة عمر بن عبد العزيز وتكلم في خلافة يزيد بن عبد الملك فلما مات يزيد أرسل إليه هشام فقال الست كنت عاهدت الله لعمر بن عبد العزيز أنك لا تكلم في شئ من كلامك قال أقلني يا أمير المؤمنين قال لا أقالني الله إن أنا أقلتك يا عدو الله أتقرأ فاتحة الكتاب قال نعم فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين " قال قف ( 2 ) يا عدو الله على ما تستعين الله على أمر بيدك أم على أمر بيده من ههنا انطلقوا به فاضربوا عنقه واصلبوه قال يا أمير المؤمنين أبرز لي رجلا من خاصتك أناظره فإن أدرك علي أمكنته من علاوتي فليضربها وإن أنا أدركت عليه فاتبعني ( 3 ) به قال هشام من لهذا القدري قالوا الأوزاعي فأرسل إليه وكان بالساحل فلما قدم عليه قال له الأوزاعي أخبرني يا غيلان إن شئت ألقيت عليك ثلاثا وإن شئت أربعا وإن شئت واحدة قال ألق علي ثلاثا قال أخبرني عن الله قضى على ما نهى قال لا أدري كيف هذا قال الأوزاعي واحدة يا أمير المؤمنين ثم قال أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دون ما أمر قال القدري هذه والله أشد من الأولى ( 4 ) قال الأوزاعي هاتان اثنتان يا أمير المؤمنين ثم قال أخبرني عن الله حرم حراما ثم أحله قال هذه والله أشد من الأولى ( 4 ) والثانية قال الأوزاعي كافر ورب الكعبة يا أمير المؤمنين فأمر به هشام فقطعت يديه ورجليه وضربت عنقه وصلب فقال حين أمر به أدركتني دعوة العبد الصالح عمر بن عبد العزيز قال هشام يا أبا عمرو فسر لنا الثلاث التي ألقيت عليه قال قلت له أخبرني عن الله قضى على ما نهى إن الله نهى آدم عن أكل الشجرة ثم قضى عليه أن يأكل منها قلت له أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دون ما أمر ( 1 ) إن الله عز وجل أمر إبليس بالسجود لآدم فحال بينه وبين أن يسجد له وقلت له أخبرني عن الله عز وجل حرم حراما ثم أحله حرم الميتة وأعان على أكلها للمضطر إليها قال له هشام فأخبرني عن الأربع ما هي قال كنت اقول له أخبرني عن الله عز وجل خلقك كما شاء أو كما شئت فإنه يقول كما شاء ثم كنت أقول له أخبرني عن الله أرازقك إذا شاء أم إذا شئت فإنه يقول إذا شاء ثم كنت أقول له أخبرني عن الله يتوفاك حيث شاء أم حيث شئت فإنه يقول حيث شاء ثم كنت أقول له أخبرني عن الله يصيرك حيث شاء أم حيث شئت فإنه يقول حيث شاء فمن لا يقدر أن يزيد في رزقه ولا ينقص في عمره فما إليه من المشيئة شئ قال هشام فأخبرنا عن الواحدة ما هي قال كنت أقول له أخبرني عن مشيئتك مع مشيئة الله أو دون مشيئة الله فعلى أيهما أجابني حل قتله إن قال مع مشيئة الله صير نفسه شريكا لله وإن قال دون مشيئة الله انفرد بالربوبية فقال هشام لا أحياني الله بعد العلماء ساعة واحدة.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home