Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

إمراة مِن بِلادى (9)

محاولة إغتيال الجمال , السرور , الأمل والصفاء

قصتى هذه قد تبدو قديمة أو جديدة للبعض , هى كذلك لمن ..

كان رهن الأعتقال او تعرض بيته للمداهمة او للتفتيش او لِمن ذاق مرارة السجن وغياهبهُ . هى كذلك لمن تكبلت يداه بالأصفادِ او من اصطدم جسده بهاماتِ المُحققين والسجانيين وتعرف على غلاظه قلوب المُعذِبين الذين احترفوا إنتهاك حُرمة جسد الإنسان , ليصيبوه فى مقتلٍ لا يمكن ان تُكتب له حياة بعدها حتى لو عاش مِئات السنين . هى رحلة خلف الاسوار إلى عالمٍ يكتنفه الغموض لأن حاكمنا يجتهد بأن يبقى امر هذا العالم فى غايةِ السرية . عالم يملأه العذاب لأرواح بشرية قادتها الأقدار لتعيش مرارة الألم عبر جروح صُنعت بيد الزبانية الذين تلطخت ايديهم بالدماءِ البشرية , ولتُطلى جدران السجون بِدماءهِم فترتوى ارضيته وجدرانه لتبقى ذكرى الأحداث والوحدة والمرارة ماثلة فى وجدانه .

قصة إمراة مِن بِلادى تحكى قصة تقاسمتها اربعة شابات عشقن الوطن وما يحتويه من جمالٍ ومُثل فقررن مقاومة الزيف والبشاعة . حملن هموم الوطن بأعمارٍ فتيه وبعقليةٍ وطنية مليئة بالحماسِ ِ تشربنها من العيش ببيئة تكره زيف النظرية , يحملن رؤوس متعالية كرؤوس السرو, مكابرات كأرضنا , مستعصيات كجبالنا الشوامخ , بريئات كعيون الاطفال ( سماح ) كلون الحمام الوديع . اربعة نساء جمعتهن مقاعد الدراسة ِ و حب الوطن الذى ادخلهن مُدن الاحزان والألام . رسمن اسمه بالطباشير ِ على الجدران وليعلمهن حُبه أن الأرض قد كفت عن الدوران , وطن يرّنه وقد اصبح غابة كبيرة يحكمها قانون الغاب بالنابِ والمخلابِ, معظم ابنائه تحولوا الى إما خائن او جبان او سجين خلف القضبان , وطن اضطهد فيه الأنسان اخيه الأنسان , ما احقر ذلك الأنسان ...

تفاصيل ذلك اليوم سُجلت فى ذاكرةِ يومٍ جميل ليمتد ساعات طويلة دون ان يُلاحظ احد وداع الشمس لذلك النهار الطويل فى غُمرةِ الاحتفال بقدوم ِ الحفيد الجديد . الزغاريد تملأ المكان لتشع السعادة عليه بأنوارها فيتحول الى جنينهِ مملؤوة بالنشاط ِ والحياةِ والفرحِ ِ والسرور .

قبيحة وضالة قررتا وأد تلك الفرحة فى عقر دارها , تكادا ان تتعثرا فى مشيتهن , تشد احدهما من أزر الأخرى , يتم الطرق على الباب , تأتى صاحبة الدار للجواب , يتم السؤال عما إذا كانت فلانة بالبيتِ ؟ تطلب مِنهن الأم الدخول , فترفضان لأنهن على إستعجال ! تسأل الأم بريبة عما تريدان من ابنتها ؟ فهى لم ترتاح الى نظرة عينيهن , هناك نظرة خسيسه بهن . تعرفها الضالة بنفسها وبالقبيحةِ وبأنهن عضوتى لجنة ثورية وانهن يريدان اصطحاب ابنتها الى المثابة ِ للأستجواب . تشعر الأم بالهلعِ تسرع لإستدعاء إبنتها ظانة ان الامر سيتم بالبيتِ . تأتى المسكينة فيتم اقتياد يديها وعصب عينيها واقتيادها خارج البيت امام اعين والديها اللذان يقفان مشدوهين من الدهشةِ وحجم الصدمة , تؤخذ الى مبنى المُخابرات لتبدأ رحلة معاناتها والأمها .. هناك تلتقى برفيقات الصبا , برفيقات ِ العذاب ِ والركل ِ والسبِ والشِتام .

الاُم تُترك مهدودة مِن الحُزن ِ , تذرع الغرفة وحيدة , تُحرك شفتيها بِلا صوتِ , تتضرع لله أن يُرجع ابنتها سالِمة . نظراتها موزعة على الشارع مِن خلال شرفات البيت وعلى صورة ِ ابنتها مع بقية افراد العائلة . تضرب كفاً بكف مرددة " لا حول ولا قوة إلا بالله " . تهِِب ُ واقفة ً , نار جامِحة ً تلهب فؤادها , القلق يقتلها , تذهب الى غرفة نومها لتوقظ زوجها , تجده جالس ساهِمُ هُناك كمد وتعب وشعور باليأسِ ِ والاحباط , تتلاقى النظرات لِتتحاور دون كلمات , تتوجه الاُم للوضوء , تفرِش سجادة ِ الصلاة , تستقبل القبلة مع تحجُرِ مُقلتيها ترفع يديها " يا الله يا الله يا ستار استر علينا , احفظها يا رب يا الله....... "

تبدأ حفلة مجون اللجان الثورية السادية , حيت تحتقن الضغينة , بهوى الركلات واللكمات بألايدى ِ وبمضاربِ التنسِ الارضية ,على الوجه واليدين والردفين . لم يكن فى وسع اى منهن ان تدرء عن نفسها العذاب , لانهن مقيدات اليدين ولان الرأس مغطى بأغطية قاتمة اللون , لم يكن بوسعهن معرفه من اين تأتى الضربات , ينكمشن على انفسهن , يعلو الصراخ ويصبح التنفس بطيئاً وصعباً من هول الصدمة ِ والألم . تمتد الحفلة الماجنه لساعات يتبادل فيها المجرمون الادوار . يطلب منهن الاعتراف بالتنظيم وبالجماعةِ السريه . تنطق احدهن بأنه ليس هناك تنظيم وليس هناك اى احد وانهن بريئات . يشتد سعير العذاب والضرب والايلام ليدخلن فى دائرة ِ اللاوعى واللا شعور ليتم رميهن بأحد الغرف المنتشرةِ بالاماكنِ ِ السريه فى ربوع ِ الجماهيريه .

مع بزوغ الساعات الاولى لليوم الثانى يتم ايقاظهن وجرهن ليصعدن الى حافلة كانت بألانتظارِ . يصعدن غير مدركات لوجهتهن , هناك غيرهن . الأنين يملأ المكان . اليدان مربوطتان للخلف والوجه مغطى بقناع . يطلب من الجميع , بنعتهم بالكلاب , ان يحنوا رؤوسهم بين ارجلهم فى وضع صعب ( حط راسك بين رجليك يا كلب ), من يحاول ان يجلس رافعاُ رأسه بأعتدال يتلقى ضربة قاسية تهوى عليه . الهدؤ يعم المكان يقطعه انين وتوجع بين الحين والأخر هنا او هناك , ليتم إسكاته بالنهر ِ او بالضربِ لتعلو الأهات اكثر . الركاب رجال ونساء كل يبحث داخل تفكيره عن شىء ليسلي به نفسه حتى يقطع الوقت كما تُقطع الطريق بواسطةِ عجلات الحافلة . إهتزاز الحافلة ِ العشوائى يداعب الأجساد المُنهكة ِ فتُسبب لها مزيدا ً من الألم وكأن هذه الحركات تُصنع بجديةٍ مُبطنةٍ , بخبثٍ مُتعمدٍ اوكأن السائق يحاول ان يُسلى او يتسلى بالركابِ الذين لاحول لهم ولا قوة . صوت ضحكات الحراس تطغى على الهدوء لرؤية الرؤس والاجساد تتطاير . يأخذ التعب من الاسرى كل مأخذ , لا يمكن لأى منهم رؤيه اى شىء , يتم التركيز على الاصوات . اصبح الجميع متيقنين بأن الرحلةَ َ تسير نحو العاصمة ِ . تحاول احدهن القفز من مكانها بمجرد التفكير بوجهتهم كمن لدغتها عقرب سامة .

الأمل بدأ ينسل من بين جوانحها , تعجز عن جمعه او إحكام قبضتها عليه , الأفكار السوداء بدأت تنهشها . تتضرع الى الله ان ينقذهم من براثن الكلاب . بدأت متيقنة أن حيوانات ضارية باتت تتربص بهم . تستمر الحافلة بالسيرِ مُحملة بحمولتها بين عذاباتهم وحر قيودهم والمعتقل الجائع الذى ينتظر بلهفة قدومهم . تمر بين ازِقة الشوارع المكتظة بالسكان ِ الذين لا يعلمون ان أبنائهم بداخلها ولا يعلمون ما سيؤول اليه مصيرهم ! تمر عبر بوابات تفصل بين اجزاء وطننا لتقسمه الى دويلات . تمر لتقطع الأف الاميال وكأنها فارغة الحمولة ِ التى تتكدس بالمقاعد ِ دون لفت نظر الضائعين بالزحام ِ . تصل الحافلة ِ بعد رحلة كان نصيبها عذاب وشقاء الى وجهتها ليطلب من الجميع الترجل وتقسيمهم الى غرف إنفرادية تخنق الأنفاس .

تصل السجينة ِ الى السجنِ ِ ليتم قذفها فى احدى الغرف ِ, يصبح تنفسها بالغ الصعوبة ِ جراء الرحلة ِ والخوف وشعور بعدم ِ الأمان وعدم معرفة المجهول . تزكم انفها رائحة المكان . الموت والرطوبة ِ المنبعثة ِ من الحيطانِ ِ توحى بأن المكانَ موغل فى ردهاتِ الازمنة ِ الغابرة , الظلام يلف المكان ولا شىء غيره . الزنزانة صغيرة جرداء لا كرسى ولا أثاث لا وسادة ولا فراش , يفتح الباب فيتم رمى بطانية رثة قذرة ليترك لها حرية صنع القرار , توسد , فرش او غطاء . يقفل عليها الباب , تسمع صوت المفتاح بالمزلاج . لحظات ويعلو صراخها ليملاء المكان , يأتى أحد الحُراس مستطلعا ً الامر , ليجد صرصاراً بالغرفةِ , تطلب منه قتله فهى تخافه , لا تعرف المسكينة أن الصراصير تملأ المكان وانها قد اتخذت اشكالاً واحجام , على هيئه بنى الإنسان , ينظر اليها السجان بأستهزاء " خايفه من زقرلو ؟ ياما قدامك , اقتليه بروحك " .

فى صفاء الليل الغابر يجلس الأمل , السرور والجمال والصفاء كل على حدة لينظرن ناحية القضبان حيث يرتوى الحزن والألم وحيث لا يُميز بين الدمع وحبات المطر . ماذا يوجد خلف الابواب ؟ منذ حط الرحيل لا يُسمع الا صوت الابواب والانين والاهات تملأ المكان ! من هم بقيه السجناء ؟ نزلاء السجن يبدوا انهم نائمون او كأنهم قد دفنوا حزنهم وخوفهم بنوم ِ عميق . قدرهم أن يكونوا ضحايا عصر الإنحطاط وأن لا ينعموا بالسلامِ بأرضهم مع النازيين الجدد الذين لا يعرفون الا البطش والتعذيب . اصوات صِراخ المساجين تقطع الهدوء الذى يشمل المكان حيث يتقيأ الحزن والالم والعذاب . . يزداد خوفها ومع خوفها يزداد حقدها لهؤلاء الوحوش , اصرارها وعزيمتها تقوى اكثر . هى تعرف انها بريئة وهم يعلمون انها بريئة . لا تستطيع النوم , لتبزغ شمس باهتة الضوء بعد قضاءِ ليلة طويلة . جدران الزنزانة حزينة مُعتمة , تحمل ملامح إنكسارٍ وقهرٍ وصمتٍ وعذاب . ذكريات لسجناء قطنوها لا يعلم الاالله إن خرجوا منها احياء ام اموات . تجلس أمِلة ومترقبة لوميض وإشراق ضوء يسطع من خلفه شمس الخلاص لتزيح هذه الظلمة الكالحة ِ .. وبين اسوار السجن وجدران الزنزانة الرطبة تبدأ إمراة مِن بِلادى الاستنجاد برب لم تره , عسى لدعواها ان تستجاب . تبدأ بركعتين فى غرفة ٍ ككهف ٍ سدّت عليه العنقاء منفذ الهواء .

تسمع صوت المفتاح , يفتح الباب ليطلب منها النهوض واللحاق بأحدهم تتبع بخوف ورهبة ٍ وعلى استحياء . تجد شخص ما جالس على طاولة بجانبه كاتب . يعرف الكلب عن نفسه . سطوته وقسوته مضرب الأمثال , الجميع ترتعد فرائصهم من بطشه وجبروته , باغى متجبر . ينظر اليها نظرة شزراء , تنم عن حقد وكراهيه . تُسأل عن اسمها وأسماء اشقاءها وشقيقاتها , الحديث عن اهلها يثير مشاعرها بالشجنِ ِ , يبدأ الدمع بالتسابق , تحاول كبحه حتى لا تستفزهم . تؤخذ المعلومات الاساسية , ليتطرق الاستجواب الى الناحية السياسية , تنفى فيتم نهرها بأن المُهم ما يعتقده هو وليس هى . سؤال وجواب , شد وكر , نفق مظلم ليس له نهايه من الكذب والتدليس والتلفيق , ترفض ما يوجه اليها . تحاول ضبط اعصابها وتمالك نفسها , لا تريد اى علامه من علامات الضعف ان تظهر عليها , يفقد المحقق اعصابه , يظهر غضبه فيمسك بشعرها ينتزعه من جذوره بغلظه تود كسر عنقها ثم يأمر بتعليقها .....

تشعر وكأن انياب هذا الوحش تريد ان تنغرس فى لحمها الطرى . تسمع قهقهاتهم عالية لتلسع قلبها المرتجف كسوط إقطاعى حقير , تتوسل ان يستروها . فتتعالى ضحكات الكلاب اكثر , تصيح بملء فمها ( حسبى الله ونعم الوكيل فيك , يورينى فيك يوم يا كلب لتصل صرختها عباب السماء وليلتف حبل الموت والغدر على رقبة ذلك السجان , كبير الطغاة يوما ً من الايام ) تمسك يده برقبتها المتدلية , يتم صفعها بقوة ٍ وشتمها والبصق عليها , لتستمر حفلة مجونهم لساعات ٍ حتى تغيب عن الوعى من فرط العذاب وفرط التعب . مزيج من خنازير وكلاب فى هيئة بشر , طوال عراض يتسلحون بأسلحة ٍ لحمايه انفسهم , لا اخلاق ولا إنسانية , اصواتهم نباح ونشاز . وجوههم تنم عن حقارة ورذاله ووضاعه اصل وإنعدام وطنيه .

يتم إنزالها ليتم حملها كما يحمل وحش فريسته , إلى زنزانتها فتُرمى كمتاع مُهمل ليرتطم رأسها بالجدارِ . يتطاير دمها فى كلِ مكان . يتم ركلها بألاقدام ِ ليتأكد السجان إنها لا زالت على قيدِ الحياة . تئن بصوت ٍضعيف من الألم ِ . الدم ينزف من جِراحاتها بقوة ٍ كأنه نهر عسل مندلق . يغلق عليها الباب ليعم الهدوء. تدخل فى سباتٍ او غيبوبة , لا تدرى ايُهما اصح . تفيق غير مُدرِكةً للوقت . تمسح دماءها الجافة . تسترجع انفاسها لتحفر فى ذاكرتها ما مر بها . كُل حركة وكُل كلِمة , وجوه عديمى الرجولة ِ والضمير . عليها ان تتذكر لتدونه فى مفكرة ِ ايامها حتى يحين استرجاعها يوما ً ما . تعوذت من الشيطان لتحرك رأسها على تلك الأرضية ِ التى طالما توسدتها رؤوس الاحرار .

وقع اقدام تقترب وفحيح لا يكاد يُفهم , غبش يغطى عينيها المتورمتين من الركلِ والضربِ والصفعِ ِ. وجوه تتراقص على ضوء ِ الممر , تفتح نوافذ عينيها وتشرعها لتتضح الرؤيا . لقد عادت الوحوش الضارية من جديد لأنجاز مهمة ٍ جديدة فى يوم ٍ صباحه بلا شمس وليلهُ ميت النجوم والقنديل .

تبدأ الصعقات الكهربائية ونزع الاظافر والتهديد بالإعتدءاتِ الجنسيه وبتصفيه الاب والام وبقيه افراد الاسرة ِ العائلية . تتعنت بمقاومتها وصلابتها ولتمضى ايامها بكل تفاصيلها المؤلمةِ لتسحقها الاقدار وتقذف بها عند حافة ِ الحياة بلا غدٍ ولتعيش مكبلة ٍ بقيود ٍ واحقاد السجانين والجلادين الساديين , ترزخ تحت فحيح الظُلم الثورى الذى لم يخنق انفاسها فقط ولكن ليخِنق انفاس وطن بأسره وليطوق حاضر ومستقبل الجميع بسلاسلٍ فولاذية من الوجع ِ والظلم ِ والغبنِ ِ وإنتهاك جميع حقوق ِ الانسان .

يمتد السجن ايام واسابيع وشهور , تكثر الأهات ويُسمع الانين مرات ومرات ليمتص رغماً عنها الالم المتشنج من خلايا اجسادِ النزلاء الاخرين حتى يهتز جسدها هى , الكل يعزف على نفس الالم لحن قاسى لا يعرِف الرحمة . ارواح بعض الاسماء التى أُدرجت فى القائمة ترتفع الى السماءِ . سُرِقت ارواحهم لأن لا احد يهتم بها . السجين اصبح حقل تجارب يتدرب عليه السجان لمزاولة ساديته وحبه للعذاب , ليدمن السجانيين وليعتادوا على مقارنة الالم بالموتِ , عمليات تعذيب وحشية تُظهر مدى ما وصلت اليه أله القمع البوليسى فى إمتهاناتها للأنسان لمجرد أنه يحمل رؤية مُخالفة لهم لا تتفق مع منهجهم الحديدى فى الحكم ِ. . فكان لابد من الخسائر فى الارواحِ ِ . الا لعنه الله على سارقى الارواح فى كُلِ مكان .

لا تسكروا بالنصر ِ ... إذا قتلتم خالداً ... فسوف يأتى عمرو
وإن سحقتم وردة ... فسوف يبقى العطر*

رغم السجن والسجان , رغم الضرب والركلان ورغم الجلد والصعق لم تركع اى منهن , انتصرت إرادتهن رغما ً عنهم ليكسرن الظلم شظايا , الصمود امام الظلم وأمام عذاب السجان لا يحتاج إلى شهادة ميلاد او إلى شهادة مدرسية . السجينات فى بلادى زرعن ربيع فى مساحة صحراويه اسمنتيه وأمل اينع فى دقائق الايام الثقيلة ِ بمرارة ِ الرتابة ِ والعزل بالزنزانة ِ الانفرادية ِ وازهرن الفرح والسرور من ورداتِ الخيال الجميلة بقطرات ِ الحلم الصافى بالحريةِ .
ما بيننا وبينكم لا ينتهى بعام ٍ ..
لا ينتهى بخمسة ٍ .. او عشرة ٍ ..ولا بألف عام
طويلة معارك التحرير كالصيام
ونحن باقون على صدوركم
كالنقش فى الرخام ِ
باقون فى صوت المزاريب وفى اجنحة الحمام ِ
باقون فى ذاكرة ِ الشمس وفى دفاتر الايام
باقون فى يقظة ِ الاولاد ِ وفى خربشة ِ الاقلام
باقون فى الخرائط ِ الملونة ِ
باقون فى شفاه من نُحبهم
باقون فى مخارج الكلام*

البحر سادتى لن ينحسر امام المجرمين وشجر الزيتون سيظل منتصباً رغم القضبان التى تحاول ان تذبل ياسمين العمر فتزهر اعواما ً لتخبوا اعمارالسجناء ويرحلون لتبقى ذكرى السجين الشهيد الانسان الذى قدم حياته فِداء للوطن .

السجان المُجرم حاول بتر تواصلهم فيسهر بقمعهِ وحقدهِ واروقه تعذيبه ليواجه إصرار الاسرى الذين يقررون كسر اقواس عزلتهم فيمدوا جسوراً من اعمارهم وعذاباتهم ليكتبوا افكارهم ويعقدوا جلساتهم ويعممون اخبارهم وينظمون اوقاتهم وتتواصل حكايتهم وأحزانهم ومشاعرهم , رغم القضبان , رغم الحراس ورغم القمع والاصفاد . ورقة وقلم بحجم ِ حبة الزيتون يتم تداولها فيما بينهم عبر الجدران التى نخروها بأصابع ٍ منزوعهِ الاظافر . وريقة وقلم يُبدأ بها لعبة سرية غير علنية لكسر القيودِ العقلية والنفسية . طالت اجسادهم الهراوات والركلات ولكنها لم تمس ارواحهم المشبعة ِ بالثورة ِ الحقيقية ِ وبالحرية ِ وبالتحدى والصمود والإباء . حتى لو أكل القيد والاصفاد اجسادهم وعذبوا اجسادهم التى يمتلكونها ولكنهم لم ولن يصلوا الى ارواحهم وشموخهم وكبريائهم

افواههم مملؤه بأربعون ضرسا ً ولكنها لم تفطم من حليب الوطن , رجال ونساء

فجر يلوح ليمد خيوطه وليسعى فى الارض كبرياء , تُحلق الطائرةَ لتبدو ملامح مدينتها تظهر من بعيد كعروس تنام فى حضن البحر تُجللها خضرة مِن كل جهة ومنارة المدينة ِ تشمخ بقامتها , تبكى فى حُزن رجال ونساء . تُخاطبها فى سرها " اصمدى أيتها المنارة لتبقى خير شاهد على اهل ِ مدينتك وما حل بهم من بلاء , أحكى لِكُل من مر بك ِ قصصنا , أحكى برأتهم , احكى ان نسائنا سُجّن لكسر شموخ الإخوة ِ والاباء , احكى جرائم اُرتُكبت فى حقهم وفى حِقنا, أُريدك يا منارتنا أن ترفعى شكوانا إلى السماء ِ , لا أريدك أن تخرى على الأرض الفناء . هناك رجال تبكى فى كُلِ مكان , ليس بعيونهِم يا منارتنا وإنما بركبِ سحاب اسود قاتم على وجوههم , يا منارتنا الشامخة شعبنا العريق عرف على مرِ التاريخَ والأزمان هزات عنيفه ولكنه لم يرى بطشاً وظلماً على يد اعدائه اشد وانكى من هذه الهزه , ولكن يا منارتى شعبنا دائماً خرج منتصراً , اجدادنا حملوا النور والخير والأيمان الى هذه الأرض الطيبة سيبقى يا منارتى النور مُشعاً بفضل رجالنا ونسائنا الأحرار "

التحقيق والالم انتهيا ليصبحا ذِكرى ولتصنع إمراة مِن بِلادى مِن ذِكراها فخر وشرف لصمودها ولتصنع مِن ذِكرى جلاديها خزى وعار ليقادوا إلى مزبلة ِ التاريخ مُكبلين بما جنت ايديهم ..

ذكرى الاعتقالات وذكرى الافراج وذكرى الاعدامات تلحُ علينا ان نٌسطر حكايات نعرفها لا لترث الارض الكلام ونملك المعنى ( رحم الله قائل هذه العباره ) ولكن لنكف عن الهرب من انفسنا ومن خيانة اصدقائنا الذين ماتوا فى السجون او فى الانتظار . النظام لم يقدم اى بادرة حقيقيه للمساعدة على النسيان لبدء صفحة جديده . حيل النظام عجيبه وتبريراته غريبه وكأن السجون قد فرغت من قاطنيها او انها قد دُكت على بكرة ِ ابيها , فلم تعد لها قائمه . سجن ابو سليم وسجن الحصان الاسود وغيرهما , المُنتشرة فى ربوع بلادنا الحبيبة , عار على ليبيا . تكريم ضحايا النظام مستقبلا ً سيوزع العار علينا كلنا لا لأننا متساوون فى المسئولية عن الماضى ولكن ليعبر عن استعدادنا لتحمل المسئوليه كلنا معا ً مستقبلا ً .

لا يوجد مبرر قانونى او اخلاقى لحالات ِ الإعتقال السياسى فى وطننا , حتى لو فرضنا جدلاً صحة هذه الإعتقالات فأن ذلك لا يبرر بأى حال مِن الأحوال ِ إنتهاك حقوق المُعتقل السياسى مع الأخذ ِ بعين الأعتبار أن المواثيق الدولية َ التى تهتم بحق السجين قد شملت جميع السُجناء بمن فيهم من ارتكب جرائم جنائية خطيرة َ سواء أن مست النظام أو المجتمع . فكيف الحال بالمُعتقل ِ السياسى الذى اُعُتقل بدون سبب أو لسبب تافه أو إنتقاما من احد افراد عائلته أو لمجرد التعبير عن رأيه الذى قد يكون فى مصلحة الوطن .

بالأضافةِ لتبرير سبب الإعتقال , هناك نقطة ً هامه , لم تجد لها حيزاً من ألاهتمام ألا وهى أنه فى الوقت الذى نطالب فيه بالأفراج ِ عن السجناء ِ السياسيين , يفوتنا ما هو اهم من ذلك ألا وهو المُطالبة ِ بتحسين ِ الظروف المعيشية ِ للمعتقل داخل السجن لحين الافراج عنه وهذا يشمل : حق الزيارة ِ لما فى ذلك مِن إزدواجية ِ العقوبة ِ تجاه السجين وتجاه اُسرته , حق المأكل الصحى , حق العلاج , حق التدفئة ِ وحق حسن المُعاملة ِ وحق اللجوء إلى القضاء ِ ووقف التعذيب للحصول على إعترافات نتيجة ِ الإكراه .

تحية تحدى وصمود تحتاج مِنا وقفة إجلال وإكبار وتقدير وعرفان لِكُلِ خنسوات بِلادى الجبيبة َ ليبيا , ولِكُل ِ اسرى وأسيرات هذا النظام الظالم .ابطال ليبيا صامِدون فى حلق ِ النِظام كقطعة ِ زجاج , كالصبار ِ باقون , وكالجِدار ِ نتعرى ونتحدى لنملأ السجون كبرياء ..........

نخرج كالجن لكم ..من قصب ِ الغابات
من رزم البريد .. من مقاعد الباصات
مِن عُلب الدخان , من صفائح البنزين ,مِن شواهد الأموات
من الطباشير , من الألواح , من ضفائر البنات
من خشب الصلبان , ومن اوعية ِ البخّور ِ , ومن اغطية الصلاة
مِن ورق المُصحف نأتيكم .. مِن السطور ِ والأيات
فنحن مبثوثون بالألوان ِ والأموات
لن تفلتوا .. لن تفلتوا
فكل بيت فيه بندقية*

وطنى 100

9-6-2008
________________________________________________
* الابيات من قصيدة منشورات فِدائية على جِدرانِ إسرائيل للشاعر المرحوم نِزار قبانى


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home