Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

التصعـيد الشعـبي في كندا والأفعـوان حسين الزواوي (1)

فى فجر ليلة كئيبة حالكة السواد كثيفة الثلوج ، كان الصمت يلف المكان داخل زوايا المكتب الشعبى الليبي بعاصمة الثلوج لأمريكا الشمالية ، وكانت بقايا البقايا لمُـنعشات ومُرطبات الجو الذي نثرت رذاذه أنامل حسنوات السفارة هنا وهناك قـُبيل مغادرتهن السفارة فى آخر يوم عمل لأحد أسابيع شهر يناير لهذا العام ، كانت هذه البقايا تلفظ أنفاسها الأخيرة على يدي سُحُب دخان السجائر الذى أغـْـبَـقَ بها الأفعوان الصغير حسين الزواوي(*) مكتبه عند قدومه المعتاد هو وعائلته خلال "الويك اند" لاستعمال هاتف السفارة فى مكالماته العائلية الدولية نحو الوطن. في فجر ذلك اليوم الثقيل الصامت ، زأر فجأة جهاز فاكس السفارة الليبية فى أوتاوا تحت وطأة نقل ورقتين استقبلهما حالاً عبر المحيط ، أحدهما تمت عنونتها بعبارة عاجل جداً ، والأخرى عبارة عن قرار صادر عن احدى الجهات العليا بالجماهيرية ، يُسْـتـشف من حُرُوفها أنها تحوى أمراً يمس موضوعاً بالغ الحساسية فى بلد الجليد .. كندا .. عاصمة ثلوج العالم.

في تلك الأثناء نهض السفير الليبي فى كندا من فراشه مُـتثاقلاُ بعد أن أعياه رنين جرس منبه ساعته، مُخْرساً اياه براحة يده ، متعوذاً بالله من الشيطان الرجيم ، راجياً المولى أن يُعْطِيهِ خير ذاك اليوم ويكـفيه شره. ليبدأ بعدها بفترة مشوار رحلته اليومية الى سفارة الجماهيرية عبر طرقات أوتاوا ، مختصراً ذلك الطريق الممتد من بيته فى عمق حي الرأسمالية العتيق الى قلب المدينة حيث مركز السفارة بالحديث مع سائقه اللبناني الخاص "طونى" بين الحين والآخر عن أفضل تخفيضات الأسعار المُعلن عنها في المدينة ، فهي شغله الشاغل منذ وطأت قدماه أراضى المدينة.

دخل مكتبه بعد تبادله لبعض التحايا الصباحية القصيرة المُجاملة ، طالباً من سكرتيرته الحسناء موافاته بكوب الشاى المُـفـَـضَّـل لديه وقطعة سكر واحدة هو غالباً ما يتجاهلها ، لأنه يستمتع برشفه من غير سكر. لم ينسى أن يُرْفِـق طلبه بموافاته بكل ما حمله الفاكس خلال عطلة "الويك اند" المُنصرمة ، مُـتمنياً في قرارة نفسه أن يكون القادم مجرد أشياء روتينية اعتيادية. ما هى الا دقائق، الا وكانت امامه حزمة من الأوراق تم طيها في ملف أخضر فاخر ، عليه قصاصة بارزة تحمل صفته كسفيراً للجماهيرية على أرض الشمال الأمريكي ، في نفس الوقت الذى انبعثت فيه أبخرة رائحة شاي "ليبتون" الشهيرة تـُزكي المكتب برائحة الهيبة والوقار.

وضع السفير نظارته الطبية على عينيه ، ماداً اياها على أرنبة أنفه ، وبدأ فى تقليب الأوراق التى أمامه ، مُصنفاً اياها في ذهنه حسب أهميتها الى أن وقع نظره على عبارة عاجل فى أعلى إحدى الأوراق. ارتعشت فرائضه وانتفض جسده ، مُمْسِكاً بالورقة بين كلتا يديه ، مُـتنقلاً بين أسطرها بسرعة البرق ، ثم أخذ فى البحث عن توابع الورقة بين الأوراق الأخرى. أعاد القراءة عدة مرات، ليستوعب الحروف والكلمات ، ويفسرها بالطريقة الأقرب لنفسه ، ثم وضع كل شىء جانباً ، خلع نظارته واضعاً طرف أحد مِفصليها على شفته السفلى دائراً بكرسيه الفاخر نحو نافذة مكتبه الكبيرة المزاحة الستار ، والتى تملىء واجهة بأكملها ، محدقاً في ما ورائها ، الى المجهول غارقاً فى تخيلاته ، ذاهباً بعيداً .. بعيداً جداً.

أفاق على وقع نقرات أنثـوية على باب مكتبه ، فاعتدل فى كرسيه وتنحنح وسمح لسكرتيرته الحسناء بالدخول ، فدخلت تحمل له ملف آخر يحوي بعض الاجراءات اليومية بالسفارة. طلب منها أن تضعه جانباً وأن تـُحْضِـرَ له كوب قهوة من غير سكر. ذهلت المسكينة فى بداية الأمر ، الا أنها سرعان ما أدركت أن لأوراق الفاكس دور فى ذلك ، خاصة وهى ترى حاجبيه المعقودين واللذين لاينعقدان عادة الا لطارىء.

فى حقيقة الأمر ، أن الفاكس المختوم بعبارة عاجل ليس سوى شىء روتينى فى أبجديات الدولة الليبية ، فهو كان يحمل قراراً بإعادة التصعيد فى كافة الاتحادات الطلابية داخل وخارج الجماهيرية ، صادر من جهات عليا بالدولة ، والتصعيد الشعبي للإتحادات والروابط المهنية يحدث بين حين وآخر بدون سابق انذار ، الا أن سيادة السفير الموقر لديه حساسية عالية جداً من موضوع تصعيدات وتنحيات وتشكيلات وكل " الخلابيصات " التى تخص اتحاد الطلبة هنا فى كندا ، خاصة في ما يتعلق بتلك الزمرة التى تقوم بحشر أنفها فى كل كبيرة وصغيرة هي من صميم عمل رجال السفارة. بالتالي ، أن طلب أعادة التصعيد يشكل له صداع ما بعده صداع ، فهو يقشعر لمجرد تخيل عودة الطاقم القديم للاتحاد على ساحة اللعب مُجدداً ، خاصة بعد المواجهات العلنية السابقة مع البعض منهم ، والتى على آثرها فضّل الفرار الى الجماهيرية تاركاُ الأستاذ "مفتاح نجم" لوحده في مواجهتهم. أخذ يفكر فى الأمر ملياً حتى أنه لم يسمع نقرات سكرتيرته الحسناء على بابه وهى تستأذنه الدخول ثانيةً بفنجان القهوة الذى طلبه. إلا أنه ومع تباشير الرشفات الأولى لفنجان قهوته ، انبلجت أساريره عن أفضل ما يمكن عمله فى موضوع التصعيد ، فانفرد حاجباه وصار الشّهـد بعينه هو مذاق فنجان القهوة من غير سكر الذى أُحْضِـرَ للتو أمامه من قـِـبل سكرتيرته الحسناء.

طلب من سكرتيرته أن تبلغ الأمين المساعد لشؤون الثقافة والأعلام / المكلف ، الأستاذ حسين الزواوي بأنه يرغب فى رؤيته حالاً ( لاعناً فى سِـرِّه الساعة التى سَيَراه فيها ). أجابته الحسناء بعفوية بأن الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحاً بعد وأنه " لساته بكير كتير تَ يجي الاستاذ حسين عالسفارة ". زفر السفير فى قرارة نفسه من تصرفات هذا الأفعوان الصغير ، المتمرغ فى أحضان الجاه والمال ، المتجاهل لأبسط قواعد العمل الدبلوماسي والإداري ( تجدر الإشارة الى أن السيد الأفعوان المحترم حسين الزواوي يشغل وظيفة الأمين المساعد لشؤون التعاون فى الأساس ، وطبعاً بعد فبركته لعملية الزحف على الأستاذ مفتاح نجم صار يشغل وظيفة الأخير "الأمين المساعد لشؤون الثقافة والإعلام" عن طريق التكليف المباشر .. مما يذكرنا بشامبوات اثنين فى واحد ) .. فكر سيادة السفير قليلاً ثم طلب من سكرتيرته الحسناء ابلاغ الأستاذ عيسى ، المكلف بشؤون الطلاب أن يحضر الى مكتبه حالاً. دقائق معدودة تلك التى استغرقتها خطوات المشرف الطلابي من مبنى القنصلية الى مبنى السفارة ، كان خلالها يموج بين العديد من الأسئلة التى تصب كلها فى سبب استدعائه من قِبل السفير فى هذا الوقت المبكر. عندما دخل لمكتب السفير ، وبعد تبادله بعض الكلمات الترحيبية ، ناوله السفير ورقتين باهتتى الألوان ، فنقل بصره بين أسطرهما ، قالباً اياهما من الجهتين ليتأكد من أنه قد قرأ كل شىء ، ثم نظر ناحية السفير ليجده ينظر ناحيته محاولاً الغوص فى أعماقه لمعرف انطباعه عن الفاكس القادم من قلب الشرق.

بدأ سيادة السفير حديثه عن الخطوات التي يتوجب اتباعها ، وأن التصعيد يجب أن يتم في غُضُون أيام وليس أسابيع ، عملاً بما جاء في الفاكس. لم يستوعب المشرف الطلابي المطلوب منه ، فأخبره سيادة السفير أنه سيقوم بتشكيل لجنة تتكون منه ومن بعض الموضفين الآخرين للإشراف على التصعيد فى المؤتمرات المختلفة. أبدى الأستاذ المشرف الطلابي تبرُّمِهِ قليلاً ، راجياً سيادة السفير أن يعفيه من هذا ليقينه بما يصاحب هذا العمل من ظروف لاتتفق مع ظروفه الشخصية فى هذه الفترة. لم يَعِـدَهُ سيادة السفير بشىء ، انما طلب منه تكتم الأمر حتى يحدّثه بعد ذلك ، فغادر المشرف الطلابي مكتب السفير بعد تبادل تحايا المجاملة المعتادة ، آخذاً طريقه نحو مكتبه في المبنى الواقع على نفس شارع السفارة ، مُتمنياً في قرارة نفسه أن يعفيه سيادة السفير الموقر من هذه المهمة ، لما لها من توابع ومشاكل هو في غنى عنها.

بعد زهاء الساعة من مغادرة المشرف الثقافي لمصعد مبنى السفارة ، وفي مفارقة غريبة عجيبة ، يقوم ذات المصعد بحمل الأفعوان الصغير بسرعة البرق ( لخفة المحمول .. جسداً وعقلاً ) الى الطابق العاشر حيث مكان السفارة ، فتستقبله سكرتيرة الإستقبال بابتسامة واسعة عريضة من الأذن إلى الأذن ، مُـتبعة التصبيح بالخير بــ" والله مبكر اليوم يا استاد حسين .. ان شاء الله خير" ، فيرد الوغد ضاحكاً: " ديمه بكـّير .. ديمه بكـّير" ، ويدلف عبر الباب الزجاجي بروائحه الزكية ( على فكرة .. الأفعوان الصغير صار مادة تـنـدر حسنوات السفارة منذ قدومه ، لأنه لايفرق بين العطور الخاصة بالسهرات ولا العطور الخاصة بالإجتماعات ولا تلك الخاصة باللقاءات الحميمية .. هذا ناهيك عن أنه لايفرق بين العطور الشتوية والصيفية ولا حتى الفرق بين هذه الأنواع كلها ومعطرات الجو .. "وطبعاً اللبنانيات اللى يخدمن في السفارة فاهمات الجو هذا كله" ). قبل وصول الوغد الى مكتبه ، مر على " كافيه " السفارة ليقوم بإعداد قهوته ( لأنه متواضع الأخ ) ، مُتجاهلاً منصبه وكل " البريسـتيج " الذى يتـطـلبه ، كل ذلك من أجل أن تـتـدخل أحد الحسنــوات وتـقول له: " مايصير يااستاد حسين .. خلي عنك دخيل الله" فيرد هو متواضعاً " لا لا .. عادي عادي". هذه المسرحية اليومية تحدث يومياً ، وكل غايتها فى نفسه الخبيثة هو جذب أطراف الحديث مع السكرتيرات وتبادل النكات والضحكات ومن ثم يُـقال عليه " والله مهضوم كتير الاستاد حسين".

بعد أن أخذ الأستاذ حسين ( أو كما ينادينه حسناواته : لستاد حسين ) رشفات من فنجان قهوته ، وقال للحسناء الذى ساعدته فى اعداده " الله الله ... يسلموا أصابيعك " (باعتبار أن الاخ ناجح الأول على بيروت عاد)، أخذ فنجان قهوته وانعطف نحو أول مكتب وجد به سكرتيرة ، ليُصبِّح عليها ويجد مبرراً للحديث معها كعادته ، ثم ثالثة ورابعة وهلما جرا (باعتبار أنه أميناً مساعداً للتعاون الليبي اللبناني في كندا). الا أنه فى ذلك اليوم ، لمحته سكرتيرة السفير وهي تغادر مكتبها لتصوير بعض الأوراق ، فهرعت فوراً للسفير تخبره أن " هلق وصل لستاد حسين " ، فيطلب منها أن تخبره بأن السفير يريده في مكتبه على عجل. أخبرت سكرتيرة السفير الأفعوان الصغير بأن سيادة السفير يطلبه حالاً في مكتبه ، فسلمها الوغد فنجان القهوة مُبدياً أسنانه الأمامية الصفراء كاملة ويقول لها مازحاً "خلصي هالرشفات... ترى فيهن البركة"، متخذاً طريقه نحو مكتب السفير ... سفير الجماهيرية العظمى على الأراضي الكندية.

إلى اللقاء في الحلقة الثانية بإذن الله تعالى .......

عـضو الرقابة الشعـبية بالمؤتمر الشعـبي الأساسي كندا
شعبية أمريكا الشمالية
________________________________________________

(*) للأمانة الصحفية ... الأفعوان الصغير حسين الزواوي لا يدخن السجائر ، وذلك لعلمه بمضار التدخين الصحية في الحياة الدنيا ، انما يقوم بسرقة المال العام فقط رغم علمه بمضار أكل المال الحرام فى الحياة الآخرة.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home