Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
حزب ولاية الفقيه

حزب ولاية الفقيه

عبد الله بن بجاد العتيبي

المصدر :
جريدة الاتحاد الإماراتية
30-5-1429هـ / 4-6-2008م

بعد غزوة "نصرالله" لبيروت الغربية والجبل والتي راح ضحيّتها العشرات من المسلمين السنّة والدروز، وبعدما تلطخ سلاح الحزب بدماء الأبرياء الشرفاء الذين كانوا الحضن الراعي لجرحى الحزب في مغامرته المشؤومة في 2006، بعد تلك الغزوة تبادل بعض الظرفاء نكتةً تقول إن الله تعالى تخلّى عن "حزب الله" بعد تلك الغزوة غير المباركة.

ويبدو أنّ هذه النكتة قد وصلت لقيادات "حزب الله" الممتلئين حدّ التخمة بشعارات العزّة والكرامة والشجاعة والمقاومة، فصدّقوها وقرّروا التعامل معها بالمثل -والعياذ بالله-وذلك بأن يتخلّوا عن الله تعالى كما تخلّى عنهم، فقام كبيرهم الذي علّمهم السحر حسن نصرالله ليؤكّد أنّ الحزب لم يعد حزباً لله بل لقد غدا "حزب ولاية الفقيه"، الفقيه الذي أصبغ عليه نصر الله صفات العدل والحكمة والصدق وغيرها من الصفات، وقد جاء في القرآن: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"!

نقول هذا ونحن نستحضر من داخل السياق الشيعي أن مفهوم "ولاية الفقيه" مفهومٌ محدثٌ في المذهب الشيعي، وهو من مسائل الفروع لا من مسائل الأصول وأنه لم يثر جدلاً واسعاً إلا في القرن الأخير، بدءاً من عصر الصفويين وانتهاء بالثورة الإسلامية والخميني، وأنه حتى يوم الناس هذا مفهومٌ يجد معارضةً قويةً من مرجعياتٍ وعلماء وفقهاء لم يزل لهم تأثيرهم القويّ على المشهد المعاصر وخاصة لدى أتباعهم ومقلّديهم، هذا فضلاً عن المذاهب الأخرى التي ترفض مثل هذا المفهوم رفضاً باتاً.

وحتى لا يأخذنا الحديث بعيداً عما نحن بصدده، فإننا نشهد فترةً تهدئةٍ من جميع الفرقاء في لبنان لا ندري هل تطول أم تقصر، لكننا نرى أغصان الدوحة وقد استطاعت أن تظلل لبنان الذي لم تستطع أشجار أرزه أن تمنحه ظلاً ولا أن توفّر له أمناً، وهو أمرٌ يحمد للدوحة ويسجّل لها دون شك، ولكن ما جرى في الدوحة لم يزل غامضاً حتى الآن، وليس في كل التصريحات التي أعقبته ما يمنح إجاباتٍ حقيقيةٍ للأسئلة الملحّة التي يثيرها اجتماع الدوحة ونتائجه التي كانت قبله وعلى مدى أشهرٍ طويلة بعيدة المنال فصارت أثناءه وبعده قطافاً دانيةً، فما الذي جدّ في الدوحة ولم يكن موجوداً من قبل حتى يتصافى الفرقاء إلى هذه الدرجة؟ ولماذا تخلّت الأكثرية عن مطالبها بكلّ بساطة؟ ولماذا نزعت المعارضة القداسة عن معارضتها وقدّمت تنازلاتها؟ هل الاتفاق الذي جرى في الدوحة جرى "كله" في الدوحة أم أنّ ثمة اتصالات أهم تمّت خارج الدوحة مكّنت من هذا الاتفاق؟ كل هذه الأسئلة ستلتقي بإجاباتها في قابل الأيام ولكن بالتأكيد ليس اليوم.

على الأرض تمّ انتخاب ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية بسرعة البرق بعد تعطيل دام أشهراً متطاولة، وكان خطابه متوازناً يحاول التركيز على المشتركات الوطنية، ويسعى لإرضاء الجميع ويطمح إلى حلٍ شموليٍ لكل المشكلات العالقة، غير أنّ خطاب الرئيس لم يرض حزب ولاية الفقيه فقام أمينه العام حسن نصرالله بالردّ عليه ضمن خطابٍ مطوّلٍ سعى فيه إلى أن يؤكّد أنّه الرجل القويّ في لبنان، ووضع شروطه للمرحلة المقبلة، وقد كان من أغربها رفضه تسليح الجيش اللبناني تحت أعذارٍ هي أوهى من بيت العنكبوت.

من المعلوم أنّ أية دولةٍ يفترض أن يكون لها جيش يحميها خصوصاً في المناطق التي تشهد اضطراباتٍ وتهديداً للأمن والاستقرار والاستقلال وجنوب لبنان على رأس تلك المناطق، فلماذا إذن يرفض الحزب تسليح الجيش في ذات الوقت الذي يعتبر فيه سلاحه مقدّساً؟ غير خافٍ أنّ سلاح الحزب الطائفي الذي يسمّيه سلاح المقاومة لم يعد مقدساً منذ غزوة بيروت والجبل، وهي الجريمة التي ذهب ضحيتها العشرات الذين تدنس هذا السلاح بدمائهم الزكية البريئة، هذا مع استحضار أن "حزب الله" بعد حرب تمّوز التي يزعم فيها أنّه انتصر لم يعد قادراً على إلقاء حجرٍ على إسرائيل، فلِمَ يستمر بالتشدّق بسلاح المقاومة وإلقاء القداسة عليه؟ لا بدّ أنّ وراء الأكمة ما وراءها فلننتظر الأحداث المقبلة ونرصد ما يجدّ، هذا مع أن رأس جبل الجليد الذي ظهر في بيروت الغربية والجبل لا يبشر بخير.

يبقى السؤال الكبير، لماذا تحدّث نصرالله عن كلّ شيء تقريباً وتغافل عن جريمته قبل أيام معدودة في بيروت الغربية والجبل؟ وعندما مرّ عليها في خطابه مرّ مرور الكرام وتوقّف عن الارتجال وأخذ يقرأ من ورقة في يده بالنصّ خلافاً لما اعتاد عليه من الارتجال والاكتفاء بالنقاط مع العلم بأنّ جريمته تلك تعدّ المسألة الأهم التي كان يجب أن يخوض فيها وأن يجيب على التساؤلات المطروحة حول تدنّس سلاح الحزب بدم المواطنين وهو ما لم يفعله وتحمّل بشكلٍ شخصيٍ مسؤولية تأجيل الحديث فيه لوقتٍ لاحقٍ لم يحدّده، ربما لأنه يعتبر أنّه أمرٌ يخصّه وحده وليس لعوائل الضحايا ولا للمواطنين اللبنانيين الحق في تحديده أو مطالبته به! كان مما يثير في حديث السيّد حسن قوله "كل المقاومات المنتصرة في التاريخ بعد انتصارها إما استلمت السلطة أو طالبت بالسلطة"، وقال بعدها إنه لا يريد السلطة في لبنان، ولكنّه في ذات الكلمة ذكر أنّه الأقوى وسعى لفرض شروطه على لبنان الدولة ولبنان الشعب، ونسي أنّ المقاومات والثورات التي تنتصر -وكما في التاريخ أيضاً- كثيراً ما تغريها قوّتها فتجعلها تنزلق في المهالك، وليس بعيداً عنّا في العالم العربي ما فعله صدّام حسين بعد انتصاره في الحرب مع إيران، حيث كانت أول أعماله احتلال الكويت عسكرياً وارتكاب أفظع الجرائم تماماً كما فعل "حزب الله" ببيروت الغربية والجبل عندما امتلأ بالشعور بالانتصار وامتلاك القوّة على الأرض.

يخطئ حسن نصرالله كثيراً حين يظنّ أنّه قادرٌ وهو يمثل أقلية شيعية في بحر من السنة أنّ يذلّ السنّة أو يظهر لهم أنّه قادر على السيطرة عليهم وإجبارهم على كلّ ما يريد رغماً عنهم، وقد أخطأ أكثر حين حاول استعراض قوّته العسكرية على الأرض بتطرفٍ ضد الأكثرية المعتدلة والمسالمة، لأنّه بذلك سيضطر لاحقاً لمواجهة تطرفٍ مضادٍ لا يعبأ باعتدال الأكثرية الحالية ولا يقيم وزناً لمسالمتها، بل إنّه ربّما يتبرأ منها ومن أفعالها، وسيجد السيد حسن نفسه يوماً ما مضطراً لمواجهة "زرقاويٍ" سنيٍ لبنانيٍ متطرّف يعامله بنفس لغته التي ارتضاها ويجرّعه كؤوساً أخطأ هو بتجريعها للأكثرية فأيقظ بها الطائفية من رقادها وليحصد حينها ما زرع و"على نفسها براقش تجني" كما يقول المثل العربي القديم.

ليس هذا ضرباً من ضروب الخيال، ولا شذوذاً في استشراف المستقبل، ولا سوداويةً في الرؤية، فنذر مثل هذا البلاء بدأت في الظهور على الشبكة العنكبوتية "الإنترنت" حيث الدعوات المتواصلة والساخنة الموجّهة لسنة لبنان للتسلح والتدريب بعيداً عن الزعامات الحالية، والتسلح والتدريب خاصة في بلدٍ مثل لبنان يعدّان أمراً من أيسر الأمور.

يجب ألاً يغتر حزب ولاية الفقيه بأنّ إيران ومن ورائها سوريا تسيطران على قيادات "القاعدة"، فإن حالات الطائفية المحتقنة ستخرج "قواعد" بعيدةٍ كلّ البعد عن "القاعدة" الأصلية وقياداتها، فالمرجل الطائفي حين يغلي يقلب عالي الأمور سافلها ويخلط أوراق اللعبة أكثر مما يتوقعه مثيرو الفتنة وموقدو جمر الطائفية، والأيام حبلى.


ابن مصراته


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home