Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

رداً عـلى محمد المقريف
"أهداف الحراك السياسي وحدوده"
المنشور على موقع ليبيا وطننا بتاريخ 22،23- 6-2008

التقويم الموضوعي يجب أن يكون من داخل التجربة وليس من خارجها (2 ـ 2)

يكاد يدهش المرء من طبيعة ونوعية المنطلقات الفكرية التي يؤسس عليها المقريف تحليله للمشهد الليبي في طوره الراهن، ويعتبرها بمثابة مسلمات حقيقية، ليقيم عليها استنتاجاته التي يراها حاكمة لهذا المشهد في طوره الآني والمستقبلي، بعد أن أطر لها تاريخياً في الحلقة الأولى. كما هو الحال في تلك الحلقة، نجده بالحلقة الثانية يؤسس التحليل فيها على ما يعتبره الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي الليبي، وهي الأزمة التي حكمت علاقاته مع المعارضة الداخلية والخارجية صعوداً وهبوطاً، بوصفها تلخيصاً لمشهد الحراك السياسي الذي يتحدث عنه. وهي الفرضية التي لا تستند إلى أي أسس موضوعية تبررها على الأقل خلال السنوات الثلاثة الماضية، بل على العكس، فإن المأزوم هنا هو المعارضة الخارجية وليس النظام السياسي، بعدما انهارت شبكة العمالة السياسية التي طورتها المعارضة خلال العقدين الماضين على المستويين الإقليمي والدولي، وباتت وحيدة دون غطاء سياسي ومالي. وفي المقابل هناك تحسن متزايد في البيئة الإستراتيجية للفعل السياسي الليبي خارجياً ووفرات مالية كبيرة بسبب ارتفاع سعر النفط تمكنها من توظيف هذه الوفرات لدعم شرعيته الداخلية بدور تنموي كبير.. فمن المأزوم هنا النظام السياسي أم المعارضة..؟

إذ يدرك الجميع بأن شعارات الولايات المتحدة والغرب عن التغيير السياسي، وإعادة صياغة وهيكلة العلاقات الداخلية بالدول العربية عبر إفساح المجال للقوى الجديدة الصاعدة للتعبير عن نفسها، وإطلاق الحريات العامة، تراجعت قوتها الضاغطة بشكل كبير في فترة الرئاسة الثانية لإدارة بوش. إذ لم نعد نسمع ضغوط سياسية تمارس بهذا السياق على المستوى الرسمي. وبهذا التوصيف تراجعت قيمة هذه القيم كمحدد حاكم ومؤثر في مسار العلاقات الأمريكية - الليبية. إذ أضيف لذلك مؤشر التحسن الكبير في البيئة الإستراتيجية الحاكمة للتحرك الليبي الخارجي على كافة الأصعدة سواء العربية أو الأوروبية، فإن الضغوط والوضع المأزوم الذي دفع قائد الثورة للحوار والحراك السياسي، هو نوع من خيالات الواقع Day Dreams التي تراءت للمقريف.

ومن المثير أنه في الحلقة الأولى، نفي فكرة الحراك السياسي عن المشهد الليبي، وحينما بدا له وجود هذا الحراك خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإنه يستمر في المكابرة ينفي عنه أيضاً السمة الإصلاحية والرغبة في تغيير المشهد التقليدي الليبي، وإبقائه في حيز المؤامرة التي تمارسها عائلة قائد الثورة لتشتيت الجهود الحقيقية للإصلاح، التي تمتلك غاياته الرئيسة المعارضة في الخارج التي يمثلها، وليست أي معارضة داخلية. فهذه المعارضة الخارجية هي المعارضة الإصلاحية الحقيقية، وأن دعوتها للتغيير الجذري هي الحل لمشاكل ليبيا، أما غيرها من شخوص وتيارات معارضة قررت الانخراط في الحراك السياسي الذي قاده سيف الإسلام، فهي كانت من السذاجة والنفعية أن قبلت الانخراط فيه وتخلت عن مواقفها السابقة.

"يا سيدي" إذا لم تكن لديك القدرة على قراءة الواقع الدولي والإقليمي الذي لفظ المعارضة التي تمثلها، لم يعد حاضناً لها، بعدما طبع علاقاته الرسمية مع النظام الرسمي الليبي، فبرجاء أقرأ بعناية نتائج استطلاع الرأي التي نشرها موقع أخبار ليبيا في مايو الماضي، بخصوص قضايا التغيير السياسي وإعادة بناء الديموقراطية داخل ليبيا.

إذ تبدى منه أن هناك أغلبية وصلت إلى ما يعادل 54.5% تؤيد التغيير من خلال عمل سلمي - مدني، في حين لم يؤيد خيار العنف كآلية للتغيير سوى 5.09 % فقط من العينة. أما بخصوص الطرف الأقوى والمؤثر في عملية التغيير، فقد حصل النظام والموالاة على أكبر نسبة تأييد بلغت 35.4% في حين من أيد قدرة المعارضة على التغيير لم يتجاوز 9.82% داخل هذه النسبة، نال قائد الثورة معدل تأييد بلغ 35.91% في حين نال الأبناء من عائلته 28.64% أي أن الجمهور الليبي يرى أن الطرف الأجدر والمؤثر في قيادة الحوار والحراك السياسي المؤدي للتغيير النظام السياسي ممثلاً في قائد الثورة وعائلته 54.6%. أما داخل المعارضة السياسية، فقد أبدى الجمهور تأييده لدعاة الحوار بوصفهم الطرف الأقوى داخل تيار المعارضة، إذ نالوا 37.02 % في حين لم ينال دعاة التغيير بالعنف إلا على 20.99% وأتوا بالمرتبة الثالثة بعد دعاة الحوار والإصلاحيين الذي نالوا معاً 70.7%. بالله عليك أين هو الموقف أو الوضع المأزوم للنظام الليبي..!!

أن تجاوزنا عن مدركاتنا إزاء ضرورة تقّويم المشهد الليبي من ذات التجربة التي انطلق منها وليس من خارجها، ووافقنا مع المقريف على نفس الأرضية والمرجعية التي ينطلق منها في التحليل والدعوة لضرورة التغيير السياسي والانتقال بالمشهد الليبي من ممارسة سياسية استمرت لعقود قائمة على الديمقراطية المباشرة، إلى رؤية مغايرة لها تماماً، فإن هذا التغيير في حاجة ماسة إلى إطار زمني حتى يتم تهيئة المجتمع الليبي بكافة أطيافه الجهوية والقبلية لاستيعاب هذا التغيير الجديد دون مضاعفات كبيرة تقوض تماسكه الجيو - سياسي. ولذا فإن محدد التدريجية في الانتقال من ممارسة سياسية لأخرى مناقضة لها له مدلولاته ومغزاه تجاه تحسين وزيادة منعة المجتمع من مخاطر الحركة السريعة تجاه هذا التغيير، بهدف ضبط حركته السياسية - الاجتماعية لكي لا يكون التغيير بمثابة انفلات في غير صالح المشهد المستقبلي الليبي. وهو ما يتأسس عليه مشروع ليبيا الغد الذي طرحه سيف الإسلام والتيار الإصلاحي داخل النخبة الليبية.

نظراً للأطر الفكرية الحاكمة لشخوص المعارضة الليبية بالخارج، ورغبتهم في الربط الشامل بين التغيير السياسي ورحيل النظام الجماهيري، جعلتهم فاقدي القدرة الموضوعية على قراءة المشهد الليبي أو حتى رصد مؤشرات التحسن النسبي الحادثة داخله، والتي تنطلق من ذات الأرضية الثقافية التي يقفون عليها وهي الأرضية الليبرالية. وفي البداية وصم النظام الجماهيري بالدكتاتورية والاستبداد السياسي لتعمده كبح الحراك السياسي وفق مؤشرات النمط الليبرالي، وحينما بدأت مؤشرات الحراك السياسي تعبر عن نفسها داخل المشهد الليبي برعاية سيف الإسلام وانطلقت من ذات الأرضية الثقافية للمعارضة، وصف التغيير الذي تقوده بالمؤامرة والخنوع للخارج وما إلى قائمة الاتهامات الطويلة في قاموس المعارضة. وهي عملية قصد بها ليس رفض واقع جديد صَِدَمَ هؤلاء فحسب، بل وأيضاً لجوئهم لممارسة نوع من الإرهاب الفكري على شخوص وتيارات المعارضة التي قررت نبذ فكرة العنف والتغيير بالقوة، وآمنت بالتغيير السلمي، وانخرطت في مجال الحراك السياسي الجديد، الذي يخشى المقريف أن يحل محل المعارضة في تطور المشهد الليبي.

ومنطق التحليل الذي يستند إليه في الحلقة الثانية يعاني أيضاً من خلل هيكلي في فهم الواقع السياسي لعملية التغيير سواء داخل ليبيا أو خارجها. والمسألة هنا في غاية البساطة، أهبط "يا سيدي" من فوق الشجرة التي تسلقت إليها إلى أرض الغابة وافهم الواقع كما هو وليس كما يتبدى لك أو ينبغي أن يكون وفق تصوراتك الذهنية، حتى لا يكون المستقبل الليبي رهناً لتلك التصورات غير الموضوعية التي تنشرها في كتابتك وتقاريرك لأجهزة المخابرات الدولية.

إذ تقدم لنا خبرة التحول والتغيير السياسي داخل تجارب مجتمعية غير غربية إلى تجارب ليبرالية مشهدين رئيسيين:

• أولهما: المشهد المنفلت سياسياً بكافة درجاته على سلم التدهور. وهو المشهد الذي شاهدناه في نمط تحول الكتلة الشيوعية سواء في أوروبا الشرقية أو غيرها من الأطر الفرعية الأخرى. داخل النظام العالمي إذ تزامن التغيير هنا مع شيوع مظاهر عامة لانهيار الدولة والمجتمع نتيجة الخلل الذي أصاب العلاقات والروابط القديمة داخل المجتمع، وعدم قدرة القيم الجديدة على الرسوخ وضمان تماسك تلك المجتمعات. ويرجع ذلك للسرعة الكبيرة التي تمت بها عملية التغيير وعدم تهيئة المجتمع لاستقبال هذا التغيير في إدارة نمط العلاقات والقيم الجديدة.

وكان هذا الانهيار متعمداً داخل الكتلة الشرقية وروسيا لوأد البنية الفكرية والمؤسسية المناهضة لليبرالية الغربية التي تأسست عليها تلك المجتمعات، وإحلال ثقافة وقيم ليبرالية محلها. وكانت روسيا نموذجاً جلياً للمدى الذي مضى إليه هذا المشهد المنفلت للتغيير. إذ لم تفقد روسيا مكانتها كقوة عظمي على الساحة العالمية فحسب، بل تزامن معه انهيار مجتمعي شبه تام وشيوع الفساد والمافيا السياسية والإجرامية ونهبت الدولة بطريقة لم تشهد مثلها من قبل. بينما كان وقع هذا التغيير أقل انفلاتاً داخل دول الكتلة الشرقية - الأوروبية نتيجة للدعم والمساعدة الكبيرة التي قدمتها الولايات المتحدة وأوروبا لتلك البلدان لتجاوز مخاض التغيير السياسي، ولكن بتكلفة أكبر على الجانبين. وتبدو صورة ألمانيا نموذجاً للتكلفة الباهظة التي قدمت للحفاظ على تلك المجتمعات من الانهيار، إذ أن إعادة دمج الجزء الشرقي في ألمانيا الموحدة كلفها ما هو فوق قدرة الاقتصاد والسياسة على تحمله حتى الآن.

• ثانيهما: المشهد التدريجي في التغيير، والذي ميز تعاطي الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي مع دول الأطراف داخل القارة، والتي كانت بمثابة هوامش أوروبية للمركز المتقدم في قلب القارة، تحديداً دول مثل أسبانيا، اليونان وأيرلندا.. فالتغيير داخل تلك البلدان من نمط للممارسة السياسية اتسم بالدكتاتورية والنظم العسكرية تحديداً أسبانيا واليونان استلزم ليس مدى زمني طويل فحسب، وإنما أيضاً استثمار سياسي واقتصادي غير مسبوق من قبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حتى استطاعت تلك البلدان النهوض وتجاوز إشكاليات التغيير في بنيتها المجتمعية والسياسية والثقافية.

أما المشهد التركي في التغيير السياسي فهو حالة قائمة بذاتها، تنهض على فكرة التحدي والاستجابة. إذ أن رغبة الأتراك في دخول الاتحاد الأوروبي جعلتهم على مدى زمني طويل قرابة عقدين حتى الآن يقوموا بسلسلة هائلة من التغييرات في البنية المجتمعية، السياسية، الثقافية والاقتصادية لتلبية معايير التأهل لدخول الاتحاد الأوروبي.

وفي كل هذه المشاهد المتعددة من التغيير السياسي كانت هناك مجموعة شروط موضوعية مكنت المجتمعات من إنجاح عملية التغيير، والحد قدر المستطاع من مضاعفاتها الخطيرة، يأتي في مقدمتها:

• وجود رغبة سياسية من النظام السياسي بمحورية وأهمية عملية التغيير السياسي.

• مدى زمني لتهيئة البني السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية لقبول هذا التغيير والمشاركة فيه بفاعلية.

• مساندة ودعم خارجي ملموس للمساعدة في تجاوز مضاعفات عملية التحول لتقليل تكلفتها المجتمعية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وإذا عدنا للمشهد الليبي، نجد أن الرغبة في التغيير تم التعبير عنها، وشكلت فضاء جديد للتفاعل المجتمعي الذي أسماه المقريف بالحراك السياسي. ولكن هذه الرغبة في ضوء انعدام المساندة السياسية والضخ المالي والاستثماري الهائل من قبل قوى خارجية كبرى من ناحية، وافتقادها لمعادلة الاستجابة والتحدي شأنها في ذلك شأن العديد من بلدان المنطقة من ناحية أخرى، فإن مداها الزمني يجب أن يكون مقبولاً، بحيث تجنب التدريجية فيه المجتمع الليبي من المضاعفات الخطيرة التي مرت بها مجتمعات مشابهة تعرضت لموجة تغيير كبيرة.

ولذا فإن النظرة التآمرية لهذا الحراك السياسي ناجمة عن افتراضات غير منطقية وتبريرية لعدم الدخول فيها من ناحية، وإرهاب من يحاول الانخراط فيها من ناحية أخرى. والتي بلورها المقريف فيما أسماه أهداف الحراك السياسي الثمانية، وهي أن دلت على شئ فإنها تدل على موقف المأزوم لصاحبها أكثر من كونها محاولة لتشريح واقع فعلي يتصدى له. وفي معادلة هذا الحراك، يصور النظام الليبي بوصفه التنين المخيف في الأساطير الصينية القديمة، والقوى المشاركة فيه بوصفها قوى صغيرة على وشك أن يلتهمها بالإغواء والمنافع دون حول لها ولا قوة. غير أن المثير في تلك الأهداف اثنين هما مدعاة للرثاء عليه:

• أولهما: حديثه عن كون الحراك مدعاة لاكتشاف توجهات الشخوص المشاركة فيه فكرياً وعقائدياً لاعتقالهم فيما بعد كما حدث في استشهاده لما حدث قبل أكثر من ثلاثة عقود مع المعارضة التي قبلت الحوار السياسي مع النظام. "يا سيدي" الرحمة بعقولنا البسيطة، وما هذا السخف واللامنطقية في التحليل.. ألم تعلم أن الثورة الرقمية الحديثة فرضت واقعاً جديداً يجّب معه مثل هذه الآليات التقليدية للتعرف على التوجهات الفكرية والعقائدية للناس من حولنا. فجلسة بسيطة على الانترنت، أو من خلال جمع البيانات وتحليلها عبر تلك الوسائل الرقمية يمكن بسهولة معرفة توجهات الأفراد.

• ثانيهما: الادعاء بأن الحراك السياسي الذي تشهده ليبيا حالياً يوفر مزيد من الوقت للنظام الليبي في تعامله مع الخارج لتجاوز وتخفيف حّدة الضغوط القادمة منه تجاه ليبيا. "يا سيدي" هناك بديهيات يجب أن تقر بها أفرزها الواقع الفعلي ليس خيالات الأماني التي تتحلي بها:

1. أن عامل الوقت يعمل في صالح النظام الليبي وليس ضده. وأن كان هناك قيد لعامل الوقت فهو تجاه المعارضة التي مر عليها ثلاثة عقود من العمل السياسي دون تحقيق الغاية منه، وانحسر عنها الدعم والمساندة الإقليمية والدولية.

2. أن العلاقات المتبادلة بين الدول في العلاقات الدولية قائمة على المصالح وليس على نوعية القيم والمثل العليا، والتي أن وجدت فهي توظف سياسياً لخدمة المصالح. وهذا ما شاهدناه في تعامل إدارة بوش مع المنطقة العربية خلال السنوات الثالثة الماضية، حيث تراجع الترويج للقيم لصالح النهج الواقعي، والحال لم يختلف كثيراً مع دول الاتحاد الأوروبي وتحديداً فرنسا وبريطانيا.

"يا سيدي" يجب أن تعلم أن الحراك السياسي هو في بدايته الأولى، ولذا فإن القفز على عامل الزمن وتحديد حدوده ونتائجه النهائية، كما حاولت فعله هو نوع من الدجل السياسي، كما "يا سيدي" أنت خارج نطاق وأطر هذا الحراك ومناقشاته، فليس لك الحق أن تُقومه استناداً إلى خلفية ومرجعية مسبقة. إذا أردت الموضوعية فشارك في الحراك ثم أحكم عليه بعد التجربة وليس استناداً للأماني. ولذا تبدو الهوة كبيرة مع ما ذهب إليه من أسس، استند إليها لرسم حدود هذا الحراك، والواقع الآني والمستقبلي للمشهد الليبي، لكونه ببساطة "يا سيدي" هو حراك يعكس الأوزان النسبية للقوى والشخوص المشاركة فيه من ناحية، وقدراتهم الموضوعية على تطوير هذه الآلية لخدمة التغيير السياسي والمدى الذي يمكن أن يبلغه مستقبلاً من ناحية أخرى.

مع ملاحظة قيد موضوعي على المدى المتصور لهذا الحراك، وهو ضرورة بقاء قائد الثورة على رأس الدولة بوصفه معطي سياسي. إذ لا يعقل بالمرة أن يطلب من نظام سياسي إدارة حوار وحراك مجتمعي نحو التغيير، يكون أحد مطالبه الرئيسة هو إنهاء وجود رأس هذا النظام. فهذا "يا سيدي" نوع من الانتحار السياسي وعبثية في التفكير. ولكنها تبدو قضية منطقية لبعض شخوص المعارضة في الخارج التي مازالت تربط بين التغيير والحراك الذي يقود إليه برحيل قائد الثورة ونظامه السياسي عن الدولة، وتضع هذا البند شرطاً في برنامجها السياسي، ومطلب قبل الدخول في أي حراك أو حوار سياسي للتغيير. والسؤال هنا تحت أي تبرير يمكن قبول ذلك. فهذا المطلب عجزت المعارضة عن تحقيقه في الماضي عبر الاحتكام للقوة المسلحة، فهل تتوقع أن يتم تحقيقه سلمياً بعد حراك سياسي كان النظام هو الدافع الرئيس إليه..؟!

وفي النهاية نجد المقريف في تحليله للحراك السياسي في ليبيا مسكون بالشئ ونقيضهه في ذات الوقت، فهو مسكون بهواجس تلاشي ظاهرة المعارضة الليبية في الداخل والخارج بعد كم التحولات التي طرأت على بيئة عملها وانفراط عقدها بعد نبذ فكرة التغيير العنيف وعودة الكثير من رموزها للداخل، وتحولها لظاهرة صوتية أكثر من فعل سياسي ملموس، وهو في ذات الوقت مسكون بأمل أن يكون هذا الحراك البداية الموضوعية لحدوث شرخ داخل النظام الليبي يفضى إلى نهايته، كما حدث مع التجربة السوفيتية في تسعينيات القرن الماضي بعد سياسيتي الجلاسنوت والبيروستريكا.

وإذا كان قد لامس جوهر الحقيقة في الشق الأول، وتحديداً في ضوء الإصرار على عدم التكيف مع الواقع الجديد لعلاقات النظام مع المعارضة، وفشل فكرة التغيير السياسي بالقوة القهرية والعنف من الخارج والداخل معاً، فإنه من الناحية الأخرى ابتعد كثيراً وشطح في الشق الثاني لوجود العديد من أوجه التباين بين التجربة السوفيتية في الإصلاح السياسي - الاقتصادي، وتجربة الحراك الليبي، ولعل أبرزها هو انتفاء المحدد الخاص بالدور الخارجي الضاغط لإسقاط التجربة الاشتراكية كمنافس عقائدي للتجربة الليبرالية.

د. يوسف أمين شاكير


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home