Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الدكتور الفيتوري والرأي الآخر (3)

الإمام مالك والرأي الآخر

أراد الدكتور الفيتوري في مقاله الإمام مالك والرأي الآخر قراءة سيرة الإمام مالك واعتباره نموذجا لقراءة نقدية يستكشف من خلالها قيم الحريات ومكانة الرأي الآخر في سيرة الإمام ومسيرته العلمية والسياسية .

وقد أثار الدكتور في مقاله عدد من القضايا والتصورات والأحداث , منها ما يختص بالإمام مالك رحمه الله ومنها ما يتعلق بالعصر الذي عاش فيه , وسأتناول في هذه المقالة جزء مما أختص به الإمام مالك رحمه الله.

قال الدكتور عبدالحكيم:

إن الإمام مالك قد رأى وعرف عن كثب ما حل بالمخالفين لبني أمية في الفكر والرأي من قمع وتنكيل , حيث كانت تلك الفترة تعتبر بدايات الانقلاب السياسي والمنهجي على نمط الخلافة الراشدة ومنهاج النبوة.

أقول: لا أدري لم يحشر الدكتور قضية مخالفة الفكر والرأي في خضم أحداث لا تتعلق بها , وإنما تتعلق بمفهوم آخر في ذاك الزمان , مفهوم إنكار المنكر , نظرا لقلب نظام الحكم من الشورى إلى الملك الوراثي, مع العلم بأن الخلاف لم يكن خلافا سلميا , بل تغير للواقع بحد السيف إنكارا لما حدث من الخلفاء , فترتب على إنكار من أنكر قمع لهم .

وأعلم يا سعادة الدكتور أنه ليس من اليسير الحكم على معطيات عصر وظواهره بمعايير عصر آخر , لأن لكل عصرٍ آلياته وأبعاده ومناهجه في العيش والتفكير .

وقال الدكتور: وكأن الإمام مالك يرى أن حرية الفكر وقيمة الرأي الأخر أصبحت أثر بعد عين، حيث أقبرت بسيف السلطة السياسية , وأن هنالك نوعا من الصراع قائم بين السلطتين , سلطة السيف وسلطة القلم، وأن السلطة السياسية كانت تستخدم بعبع الفتنة كوسيلة لترويض السلطة الدينية , ثم قال : وأمام هذا المنطق المتخلف من السلطة السياسية , لم يجد الإمام مالك سبيلا لعمل سلطته الدينية إلا الاندراج الخجول والبطيء في هذا المسار الحتمي!! مع ما يتطلبه الأمر من مخرجات وآليات دفاعية ، وما يلازمه من تغييب للنقد الذاتي، وحرية الأخر.

أقول: أخي القارئ تأمل معي كيف بنى الدكتور على مقدمته الظنيّة ( وكأن الإمام مالك يرى ) حكما افتراضيا!! فقال (لم يجد الإمام مالك سبيلا لعمل سلطته الدينية إلا الاندراج الخجول والبطيء في هذا المسار الحتمي ).

أعلم يا سعادة الدكتور أن هذا الادعاء والحكم نوعا من أنواع الظلم والتعدي الذي نهينا عنه , وبالأخص أنه لا يمُتُ للنقد المنهجي بصلة , فضلا على أنه بعيد كل البعد عن الحقيقة , ومجانب للصواب, ومن عرف الإمام علم ذلك , فإن الإمام مالكا أجل من أن يندرج في ذاك الإطار, وبهذه الصورة التي ذكرتها.

وإليك صور من تعامل الإمام مالك مع أولئك الخلفاء , ليستبين لك قدر الإمام مالك ومكانته : حكى الزبير عن عمه مصعب وغير واحد أن هارون لما حج أتى مالكاً , فأستأذن عليه حاجبه ثم أذن له , وفي رواية بعضهم ثم خرج إليه , فلما دخل قال يا أبا عبدالله ما حملك على أن أبطأت , وقد علمت مكاني , وفي رواية حبسنا ببابك , قال والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت وعلمت أنك لا تأتي إلا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأحببت أن أتأهب له فقال قد علمت أن الله ما رفعك باطلا , وأخذ بيده فمضى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أخبرني عن مكان أبي بكر وعمر من النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان محلهما منه في حياته كمحلهم منه بعد وفاته.

وقال هشام بن عيسى لما قدم هارون المدينة دعا مالكا فقال مالك : منكم خرج هذا العلم وأولى الناس بإعظامه ومن إعظامكم له ألا تدعوا حملته إلى أبوابكم, قال قد فعلت يا أباعبدالله .

وقدم المهدي المدينة مرة فبعث إلى مالك فأتاه, فقال لهارون وموسى اسمعا منه , فبعثا إليه فلم يجبهما , فأعلما المهدي فكلمة , فقال يا أمير المؤمنين العلم يؤتى أهله فقال صدق مالك , صيرا إليه فلما صارا إليه قال له مؤدبهما اقرأ علينا , فقال إن أهل المدينة يقرؤون على العالم كما يقرأ الصبيان على المعلم , فإذا أخطئوا أفتاهم , فرجعوا إلى المهدي فبعث إلى مالك فكلمه , فقال سمعت ابن شهاب يقول جمعنا هذا العلم في الروضة من رجال وهم يا أمير المؤمنين : سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعروة والقاسم وسالم وخارجه بن زيد وسليمان بن يسار ونافع وعبد الرحمن بن هرمز ومن بعدهم أبو الزناد وربيعه ويحيى بن سعيد وابن شهاب كل هؤلاء يقرأ عليهم ولا يقرؤون , فقال في هؤلاء قدوة صيروا إليه فاقرؤوا عليه ففعلوا.

ثم قال الدكتور: ومن تلك المخرجات فتاوى بحرمة الخروج عن أئمة الجور، وتجريم مشاركة الخارجين على خلفاء الظلم, كل ذلك اعتبارا منه بماضي التجربة التاريخية الذي لم يتبين منها إلا أن الخارج لم يأت إلا بما هو أكثر فسادا وأبلغ فتنة , وأهتك للحرمات.

أقول: أفدنا يا سعادة الدكتور بأي اعتبار كانت هذه الفتاوى والمخرجات !! هل اعتبار بما ذكرت سابقا أي ( للمنطق المتخلف من قبل السلطة السياسية) أم اعتبار بما ذكرته الآن ( بماضي التجربة التاريخية التي لم يتبين منها إلا أن الخارج لم يأت إلا بما هو أكثر فسادا وأبلغ فتنة , وأهتك للحرمات) أي بفقه المآلات!!.

وأعلم أن الإمام مالك لم يجرم أحدا ممن خرجوا على أولئك الخلفاء , بل روي عنه دعوته للخروج عليهم , وقد ذكرته في مقالك الإمام مالك والرأي الآخر نقلا عن الإمام الطبري قال سيعد بن سنان:أخبرني غير واحد أن مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد ، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ، فقال: إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته.(تاريخ الطبري).

وأقول للأمانة العلمية أن منهج الإمام الطبري أنه يذكر الروايات ولكنه يُحمل الناقل مسؤولية التثبت من صحة الرواية ولذا لا يلزم من كل ما ذكره الإمام الطبري من أخبار أن تكون صحيحة فأعلم.

ثم قال: ويبدو أن الإمام مالك لم يجد أمام محددات المنطق السلطوي الجديد إلا الإعلان عن ضم سلطته العلمية إلى السلطة السياسية معلنا عن نفسه كجزء من شوكتها ، وذلك من خلال المراسيم المعروفة والشارات التي تفرق بين دائرة الموالاة والمعاداة , من بيعة الخليفة،وقبول هداياه،ومشاركته في مجالسه، والحث على إقرار شرعيته،والتنديد بالخارجين على سلطته،وعدم التحريض عليه،ومساندة المخالفين له.

أقول : بينّت فيما سبق أن الأسلوب المتبع من قبل الدكتور الفيتوري في بناء مقدمة ظنية بل ووهمية نحو عبارة ( ويبدو أن الإمام مالك ) ثم إصداره لحكم افتراضي كقوله ( الإعلان عن ضم سلطته العلمية إلى السلطة السياسية معلنا عن نفسه كجزء من شوكتها ) لا يمُتُ للنقد المنهجي بصلة, فضلا على أنه بعيد عن الحقيقة , وأما الدعاوى التي أطلقها الدكتور الفيتوري في حق الإمام مالك والموسومة لديه بالمراسيم والشارات سأقف معها لنستبين حقيقتها و صوابيتها.

مقدمة.

لقد ولد الإمام مالك في نهاية عهد الوليد بن عبدالملك , وعاصر عدد من الخلفاء في طفولته كعهد سليمان بن عبدالملك وعهد الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز وعهد يزيد بن عبدالملك وعهد هشام بن عبدالملك , وللمعلومية لما تولى هشام بن عبدالملك الحكم كان عمر الإمام مالك أثنى عشر عاما وبموت الخليفة هشام بن عبدالملك مات ملك بني أمية.

قبول هدايا الخليفة أما قبول الهدايا والجوائز فلم يكن الإمام مالك أول من قبل الجوائز ولا آخر من قبلها بل قد قبلها وأخذها من هو أجل من الإمام مالك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كسيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه وكان من الراسخين في العلم فقد كان يقبل جوائز معاوية وأبنه يزيد , و عبدالله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر والحسين , وقد ورد أن سيدنا ابن عمر رضي الله عنه مع ورعه وفضله كان يقبل هدايا صهره المختار بن عبيد ويأكل طعامه ويقبل جوائزه , وكذا الإمام الشعبي وهو من كبار التابعين وإبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة , والحسن البصري مع زهده وورعه وسائر علماء البصرة , وأبان بن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة عدا سعيد بن المسيب , والإمام ابن شهاب الزهري, وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق , وكذا سفيان الثوري مع ورعه وفضله ولذا يتضح لنا مما تقدم أن أخذ جوائز السلطان مشروع إذا لم يترتب على أخذه لها ما يخل بدينه ومروءته.

مشاركته في مجالسه.

أعلم أن للعلماء مسلكان في التعامل مع الأمراء والسلاطين , منهم الممانع لمخالطتهم تورعا فلا يأتي باب سلطان أو أمير ألا أن يكون كالخلفاء الراشدين وأمثالهم , ومنهم المجيز بدعوى أنهم لو تخلفوا عنهم سيأتيهم من يزين لهم ظلمهم وطغيانهم وأهوائهم ومن هؤلاء الإمام مالك عليه رحمة الله.

وقد كان من رأي الإمام مالك أن يدخل على السلاطين والأمراء العالم الذي يصدع بالحق وليس عليه بذلك بأس

ولما قيل للإمام مالك إنك تدخل على السلاطين وهم يظلمون ويجورون فقال : رحمك الله وأين المتكلم بالحق , ولم يعهد على الإمام مالك أنه سكت عن منكر أو ساوم على دينه أو أشار بغير ما يرضي الله تعالى فأعلم.

ولما سئل عيسى بن عمران المدني : أكان مالك يغشى الأمراء قال: لا , إلا أن يبعثوا إليه فيأتيهم , وقال: حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه أن يدخل إلى كل ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر , ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره , لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك فإذا كان, فهو الفضل الذي ليس بعده فضل).

الحث على إقرار شرعيته.

من المؤسف إطلاق الأحكام على عواهنها من غير تقييد ولا إيضاح وبالأخص في غياب الأدلة والبراهين على الدعاوى وهذا مما نهينا عنه شرعا قال تعالى ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) فآمل من الدكتور إيضاح المراد والتدليل عليه , والابتعاد عن العموميات والظنيّات, وأعلم أن شرعية الإمامة قد تثبت للخلفاء بأحد هذه الثلاث: إما ببيعة أهل الحل والعقد ، وإما بعهد الإمام الذي قبله له ، وإما بتغلبه على الناس وفيه كلامٌ وكلام.

التنديد بالخارجين على سلطته.

أقول: التنديد بالخارجين على سلطة من يا دكتور ؟ جزما لا تقصد بكلامك بالخارجين على الدولة الأموية لأنها قد ماتت بموت هشام بن عبدالملك , وإنما تقصد بالخارجين على سلطة الخليفة العباسي ابتداء من أبوالعباس السفاح وأبوجعفر المنصور والمهدي والهادي والرشيد الذي انتهى عهده بعد موت الأمام مالك بسنين معدودة.

ولا أعتقد أنك تقصد الثورات المنحرفة كثورة الرواندية التي ظهرت في عهد أبي جعفر المنصور وكانوا يقولون بالتناسخ وادعوا ألوهية المنصور , وثورة المقنعية وهم أتباع المقنع واسمه عطاء وكان يقول بالتناسخ ويزعم أن الله قد ظهر في صورة أدم ثم في صورة غيره ثم وصل إلى المقنع وكان المقنع قبيح الوجه أعور ولذلك اتخذ قناعا من ذهب على وجهه .

وإنما تقصد ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم , فإن كان كذلك فأعلم أن هذه الثورة كانت في عهد الخليفة المنصور وكان محمد النفس الزكية يرى نفسه أحق بالخلافة من أبي جعفر المنصور، وقد امتنع عن بيعته، كما امتنع من قبل عن بيعة أبي العباس السفاح , واعترف الناس بإمامته في مكة والمدينة، وتلقّب بأمير المؤمنين، وكان الناس يميلون إليه لخلقه وزهده وحلمه وبعده عن الظلم وسفك الدماء حتى أطلقوا عليه النفس الزكية. وقد بعث إليه المنصور بجيش كبير يقوده عمه عيسى بن موسى فتمكن من هزيمة محمد النفس الزكية وقتله بالمدينة المنورة 145هـ , ثم تمكن من هزيمة الجيش الثاني الذي كان يقوده إبراهيم أخو محمد النفس الزكية، الذي تغلب على البصرة والأهواز وفارس، ونجح في القضاء عليه بعد صعوبة بالغة في 145هـ في معركة حاسمة وقعت في "باخمرى" بين الكوفة وواسط .

ولا نعلم أن الإمام مالك ندد بالخارجين على سلطة الخلفاء بل المعلوم خلاف ذلك كما ذكرنا آنفا , حينما استفتي الإمام مالك بن أنس في الخروج مع محمد النفس الزكية ، وقيل له: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر ، فقال: إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم الإمام مالك بيته.

عدم التحريض عليه ومساندة المخالفين له.

أعلم أن الإمام مالك ليس ممن خاض أو يخوض بالسياسة , ولا يرضى عن الفتن متأسيا بمنهج أبن عمر في ذلك , ولا يذكر أحد أنه خرج على طاعة أو دعا يقينا إلى ثورة , كما أنه لم يكن داعيا للولاة والخلفاء في عصره , بل كان آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر سواء مع الرعية أو الراعي أميرا كان أو خليفة.

وفي الختام أود أن أؤكد أنه ينبغي على كل ناقد أو باحث في مجال التاريخ وغيره أن يتحلى بالمنهج الأخلاقي معتمدًا على الصدق في الرواية، والصدق في التثبُّت، والصدق في التفسير، والصدق في التكييف، مع ضرورة توافر حسن النية في كل مرحلةٍ من هذه المراحل لئلا يصل بنا الحال للتعدي على الحقيقة وعلى تاريخ أمتنا ولئلا نستخلص أراء مغلوطة وتصورات خاطئه كما هو الحال في نقد الدكتور عبدالحكيم للأئمة الأعلام وبالأخص الإمام مالك والشافعي عليهم رحمة الله , فغفر الله تعالى لنا وللدكتور عبدالحكيم.

بقلم / معاذ
muazlibya@yahoo.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home