Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

دولة للأوباش... للحراس ... أم لكل الناس

كنت عاهدتُ إبنتي الصغيرة الوحيدة وأصدقائي الكُثُر أن لا أعود إلى الكتابة مرة أُخرى حتى يلج البعير في سَمْ الخِياط خاصة في صحيفة الوطن التي لا تنشر إلا مايوافق هواها. لكني أجدني اليوم مرغماَ على العودة وقد رأيت المستوى الذي وصل إليه الحوار على صفحات هذه الصحيفة حول مايسمونها ليبيا الغد. فنحن لم نرَ لنا غداً منذ زمن بعيد فعيوننا تعودت على رؤية الأمس وأحلامنا أُخْتصِرتْ على العودة إلى ذلك الأمس فلا اليوم يسرنا ولا الغد يستهوينا وحالنا لايتغير ومستوى إِبداعنا وتحليلنا للوقائع والأحداث وثقافتنا على ماتريده صحيفة الوطن ومالكوها.

ياسادتي إن أكثر مايحزنني ويحزن الليبيين جميعاً بدون إستثناء حتى المستفيدين من تردي أوضاعنا جميعها أن القائمين على تحديد إلى أين يسير كل شيءٍ في بلادنا يصرون على إستغفالنا والضحك على ذقوننا لِمَنْ بقى له ذقن وعلى تهميشنا وتحقيرنا وكأننا لسنا بشراً ولسنا ليبيين ولسنا نفقه شيئاً في بلدٍ يُفْتَرَضُ أنها لكل الناس دون تمييز. هم يصرون على تجهيلنا وعلى إستعبادنا لنرضى بمايقولون ونقبل بمايفعلون بنا وحتى نشكرهم عليه ويصرون على طمس ماتبقى لنا من هوية فنصير مسخاً يسهل تشكيله. لقد كان الاولى بهم أنْ يعلنوا منذ زمن بعيد أن ليبيا لم تعد ملكاً لأهلها وأن ملكيتها قد آلت إلى مجموعة محدودة من الليبيين لايشاركهم فيها إلا مجموعة صغيرة من القادمين من دول الجوار ومن يقبل بالفتات. هم لهم كل الحق في أن يقولوا ويفعلوا أما نحن فالصامتون الخانعون النُوم. ليبيا مسرحهم الذي تجري عليه الفصول وهو مقسم بينهم. إذا ظلمونا فلانتظلم وإذا أجعونا فلانتضور وإذا ركبونا كالحمير فلانتذمر. أما حقوقنا فقد سُلبِتْ منا قهراً وعنوةً ولا أرى أحداً منا يذكرها أو يَجُدُ في طلبها فطلب الحقوق على الضعيف والخانع محرم ونحن نعي ذلك تماماً ولم نتجرأ يوماً على نسيانه. إذا ألقينا بكل حسن النية التي نملك منها ما يكفي لكل البشرية جانباً وتناسينا أوجاعنا التي لاتستجيب لوصفات الحكماء وتغافلنا عما يقوله الذين ذهب الله بنور بصيرتهم فلا يرون النور حتى يرث الله الارض لأدركنا ٱنْ ليس لنا إلا الإعتراف بمأساوية حاضرنا وإستحالة أن يستقيم لنا حال لأننا بكل بساطة شعب إمعي وساذج يرضينا القليل ونقبل بكل مَنْ يجيد التبرير والتفسير أو يحمل عصاً أَو سوطاً يجلدنا به كالعبيد. أَليس الأولى بنا أن نرشد أولاً قبل ٱن نبدأ المسير؟

لعلي أكثر منْ يعي أن الغضب والخطابات النارية في غير مكانهما لايغيران شيئاً كما أنني أعي أن المداهنة والنفاق لايصنعان مستقبلاً. لكنني لا أجد في ليبيا غير ذلك فالكل يداهن وينافق والكل يجامل ويفاوض لعله يصيبه رضا أصحاب النفوذ والسلطان. الكل يغضب من جاره ويضرب زوجته. أين مثقفونا وأُدباؤنا ومفكرونا ومبدعونا؟ هل ياترى رحلوا عنا أم تسللوا خلسةً من بيننا دون أنْ نشعر برحليهم؟ أم غدتْ الكتابة إشتراكيةً كما هو الجهل إشتراكي في بلد يفتخر بجماهيرية كل الاشياء والاسماء والنعوت والصفات ويستوي فيه الاحياء والاموات؟ لم تكن ولن تكون الكتابة يوماً للمترفين والمرفهين وأصحاب الألقاب وكل مدعٍ آفاقٍ كذاب. الكتابة أعظم المعاناة وبلوغ الحقيقة أسمى الغايات والتغيير إلى الأجمل والأفضل أطول الرأيات. من يكتب فقط ليسود الصفحات أو ليرضي البلاط وخدم البلاط أو ليتقرب بما يكتب للزعامات والذين يوقعون على الصكوك بدون رقيب من أموال الليبيين والليبيات فليس له في ذاكرة التاريخ مكان ولن تناله إلا اللعنات. كم من المرات كفرنا بوطن حجمه بحجم مآسينا وكم من المرات تبرأنا إلى الله من وطن صار حكراً على الجهلة واللصوص وقطاع الطرق والمنافقين والمرابين. كم من المرات فررنا من أمٍ لا تؤوي إليها إلا العصاة والبغاة وكل من لا دين له ولا شرف له ولا لون له ولا قضية له إلا المضاربة على شعب بأكمله وعلى تاريخه وحاضره ومستقبله وعلى مكانه فوق الارض وتحت الشمس وعلى دماء شهدائه الذين سقطوا فوق ترابه ولم تسقط من الذاكرة لا أسماؤهم ولا تضحياتهم ولا القضية التي ضحوا لاجلها بأرواحهم وأرى اليوم من يعبث بكل هذا دون أدنى شعور بحجم الإثم ومقدار الخيانة.

اليوم ياسادتي يتوجب علينا جميعاً أن نعلن أن ليس بمقدورنا أن نحتمل أكثر أو نستوعب أكثر أو نُستغْفَل أكثر أو نُهان ونُذَل أكثر فوطن كان لنا أضحى لغيرنا وأهداف ساميات كانت تدفعنا صارت حراماً علينا والأصفاد التي نمقت حتى ونحن نرفل في جنات النعيم الأرضي في جماهيرية السعداء تنتظرنا. الجهل الذي إتخذناه عدواً كعداوة الشيطان يخيم على كل شيءٍ في بلادنا. لا تقرأ مقالاً في صحافة الغد الذي لن يأتي أو الأمس الذي لن يرحل إلا ويصيبك الغثيان من ركاكة الاسلوب وسوء التعبير وضعف اللغة والأخطاء النحوية التي لا تعد ولا تحصى. فمحرر صحيفة الوطن مثلاً لايكتب سطرين إلا وبهما مقدار ثلاثة أسطر من الأخطاء اللغوية المعيبة لطالب في المرحلة الإبتدائية. إذا كان كل شيءٍ في بلادنا يقاس على هذا فلماذا إذن اللوم على سوء أداء لجنة غير شعبية وغير إشتراكية أو مؤسسة تعليمية أو جامعة وطنية والقائمون عليها على هذا المستوى من التردي. إذا كان الذين يحكمون هذا البلد لايقبلون عن هؤلاء بديلاً هل يمكننا بعد ذلك القفز فوق المسلمات ونرجو أن يتغير حالنا. لقد هالني وأنا أقرأ في صحيفة الوطن كلمات الثناء والمديح في أحد هؤلاء الذين يتحملون وزر تخلفنا وٱنتشار الفساد بيننا وكأنه قد جاءنا بحلولٍ لأزماتنا المستعصيات وقادنا الى بر الأمان. هذا الرجل لم يقترح إسماً لمنصب إلا وكان صاحبه تابعاً له جاهلاً يأتمر بأومره أو من قبيلته أو أُمياً يفسد ولا يصلح أو لصاً حقيراً لايبغي سوى ملأ جيوبه وأنا على ذلك من الشاهدين. فكيف تريدوننا أن نصدق دعاوى الغد هذه. إذا قلنا بذلك فقد صرنا حينها نمارس الجنون وصار للجنون سوق يباع فيه ويشترى إسمه ليبيا .

ياسادتي إذا أصر أبطال الغد على تجريعنا هذه ألاوهام ولم نقدر على تقيائها فسيكون من حقنا حينئذ أن ندعوا الله أن يعيد لنا الطليان أو الانجليز ولن يفعلوا بنا أكثر مما يفعل هؤلاء ولن نقبل حينها دعوةً للدفاع عن وطنٍ هو للأوباش وللحراس دون جميع الناس. وليذهب إلى الجحيم فخر وزهو الاعرابي فينا بالدفاع والموت من أجل وطن لايجسد إلا العناء والشقاء والظلم والعبودية والضعف وإنعدام الأمل ولا يعيش أبناؤه إلا بالنفاق والكذب والتزلف ولايقدر أحدهم أن يجهر فيه بصوته.

ياسادتي...

لستُ آبه بعد اليوم بما سيقوله في حقي المستفيدون من كل وضع ووضعية.

ولستُ آبه بعد اليوم بتهم الخيانة التي ستلصقونها بي عظمى كانت أم صغرى فقد كانت دائماً جاهزة بحق كل شريف.

لستُ آبه بعد اليوم بطردي من الجامعة وقطع مرتبي وحتى سحب هويتي الليبية مني.

إننا ياأخوتي متساوون في الخيانة العظمى... متساوون في الخذلان لهذا الوطن... متساوون في مقدار جبننا وإنعدام رجولتنا... متساوون في القدرة على الكلام وقلة الفعل... متساوون في النفاق والكذب حتى على زوجاتنا وٱطفالنا... متساوون في رجاء أن لا نرى شمس يوم آخر ونحن في ليبيا.

كلنا مروض ومدجن جبان...وجلنا لايعلم.

د. احمد المنصور
كلية الهندسة
جامعة الفاتح


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home