Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

رداً عـلى محمد المقريف
"أهداف الحراك السياسي وحدوده"
المنشور على موقع ليبيا وطننا بتاريخ 22،23- 6-2008

التقويم الموضوعي يجب أن يكون من داخل التجربة وليس من خارجها (1 ـ 2)

يبدو أن عدم ضبط المفاهيم والتشويش الحادث في استخدامها، بات سمة رئيسية ليس لهؤلاء الذين يتصدون للعمل العام من دون تخصص أكاديمي فحسب، وإنما طال أيضاً تلك الثلة من المثقفين وحملة الدرجات العلمية الذين تصدوا لهذا الشأن. فهؤلاء يفترض فيهم الدقة والضبط المنهجي للمفاهيم التي يستخدموها في كتاباتهم السياسية لتشريح المشهد الليبي. وإذا كان من الصعب إقرار مبدأ الحيادية العلمية بشكل تام حال التصدي لقضايا هذا المشهد بكافة مشاربها، فعلى الأقل يجب الالتزام بقدر ما من الموضوعية في استخدام مفاهيم التحليل السياسي. والدكتور محمد المقريف في حلقتيه عن أهداف الحراك السياسي وحدودها كما يرسمها القذافي اللتين نشرتا شهر يونيه الماضي، نجده تجاوز ليس الموضوعية في تناول ظاهرة لها أبعادها الحاكمة في علم السياسة فحسب، وإنما أيضاً اختلطت لديه المفاهيم الحاكمة لتلك الظاهرة السياسية، سواء كان ذلك عن عمد أو بدون قصد، فإن النتيجة واحدة هي محاولة للواقع والمفاهيم لتخدم هدفه من التحليل هو تشويه تجربة المصالحة الداخلية وما يصاحبها من تغيير متدرج داخل المشهد الليبي، لا سبب سوى كون المسار الذي بدأت تأخذه تلك التجربة، بدأ يلقى بتداعياته السلبية على عمل ومقولات المعارضة الليبية في الخارج، حيث نزع عنها ورقة هامة وهي رفض النظام للحوار والمصالحة الداخلية.

ففي الحلقة الأولى نجده انطلق من رؤية غربية - ليبرالية لتعريف الحراك السياسي، وحاول من خلالها تعميم مدلولاتها على المشهد الليبي طوال العقود الأربعة الماضية. ولذا لم يرى في هذا المشهد سوى الجمود والتكلس، ولذا اعتبر أن محاولات تغيير النظام السياسي بالقوة القهرية هي الحراك الواحد الذي شهده هذا المشهد طوال تلك الحقبة، ولذا يسرد لنا بيان كامل وتاريخي لسجل المعارضة في هذا السياق، ولا ندري هل هو بمثابة نعي لهذه النوعية من المعارضة التي تستخدم العنف وتجاوزها المشهد الليبي حالياً، أما الوقوع في أسر الماضي وافتقاد القدرة الموضوعية على رؤية الواقع، مما يقوده للفشل في التعامل معه والإحساس بالغربة تجاه، بحيث يكون الحنين للماضي، فيه نوع من التعويض عن الفشل في التكيف السياسي مع الواقع الجديد.

ثم إذا أراد المراقب لهذا المشهد الليبي تقّويم تجربته في الحراك السياسي - المجتمعي، فيجب أن تكون من نفس الأرضية التي انطلقت منها التجربة الليبية وليس من خارجها، تلك إحدى البديهيات الراسخة في البحث السياسي. إذ لا يصح تقّويم تجربة من خارج السياق الذي نشأة فيه، إلا سوف تأتي النتائج بدون جهد سلبية على الفور. وهنا نجد المقريف المعارض لم يفصل نفسه عن المقريف المحلل. والغاية هو واضحة، وصم قائد الثورة ونظامه السياسي بكل نقيصة، وتبرئة المعارضة التي ينتمي لجناح منها من أي مسئولية، لكونهم ملائكة في دولة أشرار. ولعنا هنا نتذكر مقولة السيد المسيح حينما هّم قومه لرجم الزانية.. "من منكم بلا خطيئة فليرجمها"، فأنتم بشر مثل جميع الليبيين، فيكم ما فيهم من نواقص ومساوئ، بل يزيد عليها شر الوصول للسلطة.

وعودة للأفكار التي تناولها في حلقته الأولى، فإننا يمكن تفنيد مصداقيتها من خلال مستويين من التحليل: أولهما، خاص بالمنهج الذي استخدامه في التحليل، وثانيهما، تطابق نتائجه التي حاول التوصل إليها مع الواقع السياسي سواء داخل المشهد الليبي ذاته، أو ما حوله من أطر للتفاعل ماضية وآنية.

فعلى المستوى الأول، المتعلق بالمنهج المستخدم في التحليل، فإنه أفتقد الموضوعية نتيجة التحليل من خارج التجربة وليس من داخلها من ناحية، وغياب الوعي التاريخي بالحركة السياسية للتغيير والحراك السياسي من ناحية أخرى، ولذا أتى تحليله متحيزاً بشكل مثير للشفقة.

في البداية هناك خطأ في الربط بين الحراك السياسي كظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية، والدولة كتنظيم سياسي حديث. فكافة أشكال التنظيم السياسي السابقة على الدولة الحديثة عرفت ظاهرة الحراك السياسي والمجتمعي، فالتاريخ لم يكن أبداً جامداً أو ساكناً قبل اكتشاف الدولة سواء كمعني سياسي عقب معاهدة ستالفيا بالقرن السابع عشر، أو كمعني قيمي بعد الثورة الفرنسية بالقرن الثامن عشر. وثم تالياً كان هناك خطأ آخر في الربط بين الحراك السياسي، وعقيدة سياسية بعينها هي الليبرالية - الغربية، فالمجتمعات غير الغربية شهدت نوعاً من الحراك السياسي سواء بالمعنى الذي أورده في بداية الحلقة الأولى، مثل الهند قبل الاستقلال عن بريطانيا، حيث قاد زعيمها الروحي غاندي عملية غير مسبوقة للحراك الاجتماعي خلال عقدي الثلاثينات والأربعينيات من القرن الماضي، بل وقدمت نسقاً للتغيير السياسي عبر نهج اللاعنف، مازال حتى الآن هو الرقي والنموذج، أو بالمعني الاصطلاحي للمفهوم كما حدث في مصر طوال تاريخها قبل حقبة الدولة الحديثة على يد محمد على باشا.

ولذا فإن النتيجة التي وصل إليها، اعتبرها عدم تجني على المشهد الليبي بعد ثورة سبتمبر، هي التجني بعينه. إذ يستحيل الركون لفرضية أن الدولة الليبية بعد هذا التوقيت لم تشهد حراكاً سياسياً، وكانت مجتمعاً خامداً ولا حياة فيه، باستثناء محاولات التغيير بالعنف المسلح التي سردها. ولذا فإن هذا الربط بين ظاهرة الحراك السياسي بالمعني الليبرالي، وشكل الدولة الليبية وطبيعة الممارسة السياسية داخلها بعد هذا التغيير في غير محله. ولذا فإن الخطأ هنا يكمن في هذا الواقع الذي ميز تطور المشهد الليبي، وليس في الظاهرة التي وجدت لنفسها تعابير أخرى غير تلك التي يتبناها المقريف والمقتبسة من الخبرة الليبرالية - الغربية. ما هذه النرجسية يا سيدي، فالواقع هو أساس التحليل، ليس الارتباطات الذهنية في عقل المحلل السياسي. وإذا كان هناك عدم تطابق بين الاثنين، فإن الخطأ ينصرف لتلك الارتباطات الذهنية، وليس إلى الواقع الذي يجب في تلك الحالة تغييره بشكل جذري لكي يتماس مع تلك التصورات الذهنية.

ولذا لم يكن من الغريب أن يصف النظام الليبي بالتوجهات الفردية والدكتاتورية والإقصائية، في بداية التحليل، بل ذهب ما هو أبعد حينما نفى الشرعية الثورية عن التغيير السياسي الذي حدث في سبتمبر 1969. أياً كان توصيف ما حدث هل هو ثورة.. أم انقلاب عسكري، فإن هذا التغيير في المحصلة النهائية أرسى لنفسه شرعية ثورية جديدة حلت محل الشرعية الملكية السابقة. ومن يقول بخلاف ذلك، فهو غير فاهم أو مدرك لأدوات التحليل السياسي. ثم نجده بعد ذلك تالياً يقصي شرعية النظام الجماهيري الواسع داخل الدولة الليبية، ويعلقها بشخص قائد الثورة وعائلته لكي يوصمه بكل ما يتصور أنه حل بليبيا من مساوئ وأخطاء.

والشئ المثير للدهشة هنا، أنه يستخلص مما يعتبره جموداً سياسياً طوال الحقب الأربعة الماضية، نتيجة منطقية لتبرير لجوء المعارضة للعنف بهدف تحقيق التغيير السياسي. فالمعارضة ليست في حاجة للتبرير من أجل الوجود والعمل السياسي، فهي تنشأ نظراً للحاجة إليها للتعبير عن أشكال التمايز والاختلاف داخل المجتمع، والتجربة الليبية حاولت تخليق مجال آخر للممارسة السياسية يتم داخله تحيّيد تلك التمايزات بشقيها السياسي والثقافي، لكي لا تقود لصراع داخل المجتمع. غير أن ما يريد المقريف قوله بشكل غير صريح، أن لجوء المعارضة السياسية بالخارج وهو أحد شخوصها للعنف المسلح، اعتماداً على مساندة ودعم خارجيين له ما يبرره، وهو محاولة إقصاء النظام الجماهيري في ليبيا، وليس ممارسة المعارضة السياسية الداعية للحوار والحل الوسط التوافقي، كما تطرحه الرؤية الليبرالية.

وهنا تكمن أزمة المنهج الذي يعتمد عليه في التحليل، فهو يتعامل معه بشكل انتقائي ليخدم به النتائج التي يريد الوصول إليها. وبخلاف هذا التناقض، يمكن إضافة محددين لتلك الأزمة وانعكاساتهما على المشهد الليبي:

• أولهما: تبريره للعنف من جانب المعارضة كوسيلة من وسائل التغيير السياسي، وشجب العنف المقابل من قبل النظام رداً على عنف المعارضة. فنحن أما أن نكون أمام معادلة عنف أو معادلة حوار سياسي. وهذا التناقض يبلغ مداه في حين يقرر بمشروعية مشروع المعارضة لاستخدام العنف للوصول للسلطة، بوصفه الوسيلة الوحيدة للتغيير السياسي الجذري، فإنه يشجب تغيير مماثل أتت به ثورة الفاتح من سبتمبر، يوصفه بالانقلاب على الشرعية الملكية.

• ثانيهما: ليس بالعنف وحده يمكن الحديث عن التغيير السياسي كنتيجة للحراك السياسي الصدامي بين النظام والمجتمع. فقد أبدعت التجارب التاريخية عبر الزمن آليات أخرى للتغيير وهو التغيير اللاعنيف. فالادعاء بوجود عنف رسمي لكبح مظاهر الحراك الاجتماعي، والرد عليه بعنف مقابل هو بمثابة تقديم الذرائع لتبرير لجوء المعارضة للتعاون مع كل من سهل لها حيازة أدوات العنف سواء في الداخل أو الخارج. فثقافة اللاعنف وإشاعاتها داخل المجتمع قادرة على إحداث التغيير السياسي بما تولده من آليات للحراك السياسي - النضالي السلمي، وبتكلفة مجتمعية أقل وعلى مدى زمني متسع. غير أن تلك الثقافة تتطلب قيادات لها من الحضور والتأثير السياسي الطاغي Charisma هو ما لم يتوفر بعد لشخوص المعارضة الليبية، بالإضافة لاستعجالها الاستئثار بالسلطة، وتحيّيد أي خيارات أخرى للمواءمة السياسية غير إزاحة النظام الجماهيري القائم. ومرة أخرى تقدم لنا تجربة غاندي في الكفاح السلمي من أجل التغيير نموذجاً يمكن التعويل عليه هنا للوصول للغايات المرجوة.

أما على المستوى الثاني الخاص بالتفاعلات الحاكمة بين النظام والمعارضة وتداعياتها على تطور المشهد الليبي، فإن حصر الإصلاح والتغيير السياسي في خيار وحيد هو إزاحة النظام الجماهيري من السلطة، والاعتماد عليه كإستراتيجية ثابتة لعمل المعارضة أو بعض شخوصها بالخارج طوال فترة تزيد عن العقود الثالثة، دون أدنى مراجعة نقدية لتلك الإستراتيجية رغم فشلها في تحقيق شئ، وهو بمثابة نوع من العمى السياسي، والانفصال عن الواقع الفعلي. كأننا أمام أحد فصول التراجيديا اليونانية القديمة.

فالمعادلة التي يصور بها الصراع بين النظام والمعارضة، لا تخرج عن كونها معادلة صفرية Zero Sum Game لا تقبل الحلول الوسط، فأما أن أحصل على كل شئ أو لا شئ، لا مجال للمواءمة السياسية بسبب تغير الأجواء الحاكمة لمعادلة الصراع. فالمعارضة سعت لإسقاط النظام، الذي قام بدوره بالدفاع عن نفسه وتصفية رموزها في الداخل والخارج، حسب مقتضيات هذه المعادلة طوال العقود الثلاثة الماضية. وهذه الحالة الحّدية من الاستقطاب السياسي، استطاع النظام منذ فترة تجاوزها بقدر عالي من الرشادة، عبر تعديل سلوكه تجاه معادلة الصراع التقليدي، والانفتاح المتدرج على المعارضة ومطالبها في حدودها المقبولة، اتساقاً مع مبدأ المواءمة السياسية، والمضامين الحاكمة لمعادلة الصراع غير الصفرية. ولكن المقريف لا يرى في هذا التحول بالمعادلة، سوى مؤامرة سياسية على المعارضة، بقصد تحيّيدها وتدجينها داخل النظام. وثم دعنا نتساءل بماذا يفسر هذا التحول من موقف النظام، مقابلة المعارضة له بالرفض، وإعادة التمسك بمعادلة الصراع الصفرية، رغم خسارتها للجوار الإقليمي الحاضن لها، ثم تالياً الإطار الدولي المساند والمدعم مالياً..؟!

لعل أبسط التفسيرات هنا، وهو عدم القدرة على التكيف مع حّدة المتغيرات الداخلية والخارجية التي اعترت المشهد الليبي، أما أقصاها فيكمن في كون بعض رموز وشخوص تلك المعارضة لم تعد تتصور نفسها خارج سياق الزعامة والرغبة في الاستئثار بالسلطة والنفوذ، اللتين كانتا في مرحلة ما قريبة المنال بسبب التكالب الخارجي على ليبيا، أما اليوم فهما باتتا أبعد مما هو متصور. بماذا يتم تسمية ذلك، هل هو نوع من العمى السياسي.؟! أم سيطرة التفكير بالأماني Wishing Thinking ومحاولة تمني غايات بات الواقع يلفظها من تقديراته الواقعية. أياً كان التوصيف الموضوعي لتلك الحالة، فإننا أمام حالة انفصال لا شعوري عن الواقع بكل تجلياته.

ثم هناك نقطة أخرى، بخصوص هذا الإطار الخارجي الذي احتضن المعارضة الليبية، ولفظها الآن، وهو المتعلق بتوصيف الأشياء بمسمياتها الحقيقية. يا سيدي، تخلي دول الجوار الإقليمي، أو البيئة الدولية التي احتضنت المعارضة الليبية في السابق، لم يأت بسبب ما أسميته "تنقية الأجواء العربية"، وإنما لانتهاء مرحلة التوظيف Manipulation بما كانت تعنيه في تباعد في منظومة العلاقات المصلحية التي نسجتها شبكة العمالة السياسية Clients Network. فالمسألة برمتها هي علاقات مصالح وليس لها علاقة بالمبادئ والقيم التي تّدعي المعارضة أنها تحملها وتكافح من أجلها، ووجدت من يشاركها في الخارج. فالمشهد مع القوى الدولية وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، رغم كونه أقل لفظاً لتلك المعارضة، فإن وقع انهيار شبكة العمالة السياسية كان له الأثر الأكبر عليها، لكونها كانت المُدعم السياسي والمالي الرئيس للعديد من فصائلها وتحديداً جبهة الإنقاذ. فأين الآن جيش الإنقاذ الذي رعته الاستخبارات الأمريكية ومدته بالتدريب والخبراء والسلاح داخل الأراضي الأمريكية، وأين هي مؤتمرات المعارضة التي كانت تحشد لها وسائل الإعلام والحضور.... حينما انتفت الحاجة إليكم من قبل تلك الدول مجتمعة، تم لفظكم ووقف قنوات الدعم، ثم تركوكم وحدكم أمام النظام.

كما شاع في تحليل المقريف آفة من اكبر آفات المعارضة السياسية العربية، وهي نفي الوطنية أو المصداقية فيها عن شخوص وفصائل قررت المراجعة النقدية لنهج استخدام العنف كوسيلة للتغيير السياسي، ومحاولة الالتقاء مع النظام عند مسافة وسط. إذ مرة يصفهم بالسذاجة نتيجة انصياعهم لسياسة الخداع التي لجأ إليها النظام في تعامله مع المعارضة، ومرة أخرى بالنفعية لكون عودتهم إلى ليبيا لم ترتبط بمطلب الإصلاح الشامل هي القضية التي دافعوا عنها، وإنما الحصول على ما أسماه الأمان الشخصي وبعض المنافع المادية والمكاسب الوظيفية والمالية..! وبدا هذا التحول في موقف المعارضة حسب رصده في مؤتمر جينيف عام 1992 عبر تقديم ما سمي بورقة الموقعين التي أخرجت مطلب إزاحة النظام من معادلة التغيير الذي تدعو إليه، وأقرت ببقاء قائد الثورة رئيساً روحياً ورمزاً لكل الليبيين. أما أنت ومن يتبنى خيار العنف هم المثاليين والإصلاحيين الحقيقيين، وما عداكم مجرد نفعيين أو قليلي العزم والإصرار على الهدف الكبير.

أن أزمة المعارضة بالخارج وفي مقدمتها جبهة الإنقاذ، ليست بسبب الأوضاع الدولية المتقلبة، أو عودة العديد من رموزها التي رفعت شعار الإصلاح من الداخل بالطرق السلمية، أو حتى الدعوة التي بدأت تأخذها الدعوة للحوار الداخلي وتحقيق المصالحة بين النظام ومعارضيه، إنما تكمن في طبيعة تفكير رموزها، وغلبة التفكير بالأماني عليهم، وعدم قدرة شخوصها على إعادة تقّويم تجربتها الماضية، وإعادة قراءتها قراءة نقدية واضحة، والإجابة على التساؤل المحوري على أجندتها السياسية.. هل هناك جدوى من البقاء في الخارج وممارسة المعارضة وفقاً لمضامين المعادلة التقليدية، القائمة على التغيير الجذري دون وسواه من خيارات..؟! أم العودة للوطن وسلوك طريق آخر للإصلاح والتغيير من الداخل، وفقاً للمقاربة السلمية - اللاعنف..؟

فالمصلحون حقاً، هم أولئك الذي وجهوا جهودهم تجاه تنمية المجال العام بهدف تطوير الفضاء المجتمعي، وتمكينه من تجاوز كافة القيود التي تكبله تجاه ترسيخ قيم المواطنة والشعور بالهوية الجامعة الواحدة، عوضاً على غلبة الولاءات الفرعية. هي حركة لا تستدعي الصدام المباشر مع النظام السياسي، وإنما العمل في فضاء أوسع يقود الحراك السياسي فيما بعد.

وفي النهاية، يجد المرء صعوبة كبيرة في استيعاب وفهم المقولة التي هيمنت على التحليل ذات الطابع المتشائم، وختم بها المقريف حلقته الأولى، وهي المتعلقة بالربط بين فكرة الحراك السياسي وشخص قائد الثورة وعائلته وتحديداً ابنه سيف الإسلام. ولذا فهو حراك يعتبره أقرب للمؤامرة على المعارضة السياسية في الداخل والخارج منه للإصلاح الداخلي..! فهذا الربط ينفي أبسط قواعد العمل السياسي وهي استقلالية المجتمع بكافة أطيافه عن السلطة، كما أنه بالأساس كان رغبة من النظام لتجاوز حقبة من التاريخ داخل المشهد الليبي، اتسمت باستنزاف مادي ومعنوي كبيرين. كما أن افتراض القدرة المطلقة للسلطة في التحكم بمسارات تفاعل المجتمع أو الحراك السياسي الجديد وإخضاعهما لرغباتها وسلطويتها، ليس له أثبات أو برهان إلا في ذهنية أحادية الجانب ترفض قبول المتغيرات التي طرأت على معادلة الصراع. بالإضافة إلى أنه من السخف اعتبار المجتمع الليبي مجرد دمى لا إرادة فيها، تحركها السلطة السياسية كيفما تشاء.

القضية برمتها باتت في غاية البساطة أبسط من المؤامرة التي يتحدث عنها المقريف، تتمحور حول رؤية وتجربة سياسية تبناها قائد الثورة داخل ليبيا، اتسمت بالطابع المثالي، حاول من خلالها تقديم معالجة جديدة لأوجه الإخفاق التي واجهت الرؤية الليبرالية - الغربية، وتحديداً الديموقراطية التمثيلية representative القائمة على التمثيل النسبي والجماعات الوسيطة بين المجتمع وصانع القرار السياسي. فقدم فكرته عن الديموقراطية المباشرة بالعودة وإلغاء كافة الجماعات الوسيطة بين المواطن والدولة. غير أن تلك الرؤية واجهت بقدر عال من التحديات الناجمة عن عدم تهيئة البيئة المجتمعية التهيئة التامة للتفاعل مع تلك الرؤية من ناحية، أو وجود جماعات من المنتفعين الذين وظفوا تلك الرؤية لخدمة مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة العامة من ناحية أخرى. وما نشهده من حراك سياسي في الفترة الأخيرة، ما هو إلا محاولة لتصويب تلك الرؤية المثالية، على أرضية تراكم الخبرات الماضية، وهو الحراك الذي يقوده سيف الإسلام، بدعم مباشر من قائد الثورة. والهدف هنا هو محاولة توجيه قدراً عالياً من الاهتمام للشأن الداخلي الذي تراجع الاهتمام به في خضم الانخراط الليبي في الشأن العالمي طوال الحقب الماضية.

وفقاً لمضامين تلك الرؤية، كان هناك حراك سياسي ملموس داخل الأطر التي بلورتها تلك الممارسة السياسية الجديدة، وهو حراك يصعب تقّويمه من خارج التجربة، كما حاول التحليل الذي قدمه المقريف فعله. فالمجتمع والممارسة السياسية طوال العقود الماضية لم تشهد نسقاً ليبرالياً حتى يمكن استخدام أدواته في التحليل والتقّويم، وإنما شهد تجربة مغايرة تماماً قائمة على التمثيل المباشر، وحق المواطن في التعبير عن حقوقه وممارسة مسئوليته ضمن أطر غير تقليدية ودون الوسائط التقليدية مثل الأحزاب وجماعات المصالح السياسية والمهنية.

د. يوسف أمين شاكير


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home