Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

إمراة مِن بِلادى (5)

زيوس إله الحرب وألانتصار الكهل الوقور , حمل الحزن والسرور, بكى عندما حل به البلاء والجور , ففضل الموت عندما ناله الردى وفقد اسمه الصدى . إلا معمرتوس العسكرسوس , إله الحرب والدمار والمرتد , الخارج عن القانون والناموس , يذرع خيمته جيئا وذهاباً , يبحث عن سبيل للخروج من أزمته ( الكساد وكثرة الفلوس ) لابساً فستانه المزركش الطويل , ممسكاً بصولجانه حالماً ببركه دماء , فيأمر الجيوش بالتحرك وراء كوابيسه واوهامه , دون الاصغاء الى مستشاريه وخدامه . استعمل الحيل والتمويه , حاول تضليل العدو , فضرب الجار بالحجارة , وابناء شعبه بالحقارة , فالحرب عنده أداة التاديب للشعوب المستعصية عندما لا تفهم الاشارة .

تنتهى الحرب ليجلس الشيطان يستمع لعزف القيثارة ويتجرع حليب الناقة البسوس , وهو فى قمه إنتشائه , ليشاهد الخسارة تأكل وطنه وتشوه وجهه الجميل وخدوش عميقة , لن تضمد ابداً , تصيبه لتنخر عظامه . معمرتوس قائد الجيوش , بدل النصر بالهزيمة , والعمار بالدمار , والخلود بالموت والفناء . اعاد سيفه الملوث بالدماء الى غمده وقرر النسيان , وهكذا صارت الامور . ولكن , هناك من لم ينسى

إمرأة من بلادى مطاردة بشبح الحرب , واقعة فى شِرك حِبالها , رغماً عنها , مصحوبة بورقة الاقامة الدائمة على ألام واوجاع الماضى . الورقة التى سقطت سهواً من عملية جرد مصائر ألالاف الذين فقِدوا فى حرب تشاد , كأن الارض انشقت وابتلعتهم , ولتبقى هى حية !!

شابة صغيرة حباها الله , سبحانه وتعالى , بهبه من هِباته , جمال نفس وروح , ثلاثة اشهر هى عُمر زواجها , ليؤخذ الزوج عنوة , دون ان يُعلم اهله - هكذا عنوة - كما هى الامور كُلها فى وطننا المسلوب , بدون وجه حق .. الاستيلاء عنوة لم يقتصر على الاراضى والاملاك , بل اتسع ليشمل ارواح الناس .. فكما الارض ليست مِلكاً لآحد , فأرواح الآطفال والشباب والِرجال ليست مِلكاً لآحد , إلا له هو او للموت ...

اُجبر العريس ان يستقل قافلة الموت المُحقق , ليتأمل وجوه شارِدة , حائِره , مُستغربة , لعله يجد اثر او علامه فارقة على الوجوه قبل الرحيل . نظرات مُتلهفة لعودة اللقاء , مُستبشرة بغدٍ لن يكون له رجاء . شباب برىء فى عمر الزهور قُدم كهدايا للرزايا , يلعق دمائه ويضمد جِراحه ويندب اشلاء اخوانه المتناثرة فى الهواء وألالات الحربية المُهانة والشقاء المُقيم . أجسام معوقة ونفوس مُحطمة , عيون جاحظة وجباه تعلوها صفرة الموت . ارواح تصرخ , تصرخ وتصرخ فى الظلمات , ليعلو الصراخ فى كل مكان . ويمتد سِعار النوح والزئير ليملاء اجواء الصحراء الفسيح , ليعصِف الموت اللعين بأرواح الباكين والمشيعيين , ولتلقف توابيت الاحلام المليئة بما حصده القدر اللئيم .. ما كان سر هذا الدمار ؟ أليصبحوا لُعبة فى يد الاقدار ؟؟

تمر الاعوام , يطويها الزمان وهو لا زال هناك . لا تدرى اين ؟ غير انه هُناك , حيث أخذوه . تصرخ مستغيثة لضمير العالم بأنها تُريد أن تراه , ولو لمرة واحدة , وجفاف الصمت من حولها يغمسها فى الموت . ليتهادى قطار الاسئلة والفضول غبر المحطات المتنوعة

قصة عريسها المفقود تسرى فى الروح ويركض هو فى قلبها , لتتعلم ان تُهادن نزف الجِراح . يا حبيبى فى البُعد القاتل , انظر الى وجهك فى الاحلام , لاستيقظ باحثة عنك بجوارى , فيموت اليوم وتبقى انت , ولاصبح انا لحناً لقصيدة حزن , من يوم اخذُك عنوة من تُراب بيتى الى وقت إزهارك فى فضاء الوطن ليتحلل دمك بثراه .

ستة اعوام من حياة الوحدة والعزلة والشتات , ليصبح قلبها عنواناً للصبر والصمود . قلق وأنتظار وارتباك , ألاماً تضرب جذور اعماقها لينتفض قلبها عند كل طرقه باب , او سماع اى خبر عن الحرب ولو من بعيد . يمر الوقت ويخبو الامل ليدب من جديد , فتُقيد الشموع وتُهدى الورود , وتدعوا الاهل والاحباب والجيران وتنتظر هى و طفليها التوئم , مع المُنتظرين , مصحوبين بالامل , لا يهم ان كان حياً او ميتاً , المهم ان يعود صداه وتعلن حقيقه رجوعه , بأنه مات شهيداً من اجل البلاد . ولكن شيئاً لم يحدث ولن يحدث , فقد كان مجرد تشابه بالآسماء .

تدخل حرب صامتة , لتصبح هى وطفليها , احد ضحايا تشاد , الذين لم تتضمنهم قوائم الخسائر البشرية , فهى تتألم مثلها مثل غيرها , دون ان ينتبه احد الى انها اكثر تأثراً وتوتراً وقلقاً وإنتظاراً ويأساً و إحباطاً , ولتتحول بسمتها الى أشلاء من الدم واللحم المُتطاير , تماماً كما تحولت حياتها من الحقيقة الى الكابوس الذى تعيشه بفعل الحرب . منذ ان خبِر الناس الحروب ورثوا شىء واحد منها , الا وهو فقدان احبتهم , مصيبة لا يكتوى بها إلا المُقربون . مأساة القابع فى المجهول حين تشتبه زوجة صغيرة السن فى وفاة زوجها الحبيب , ولكنها تعجز عن الحداد فى غياب الدليل , فتعيش مُعذبة بأنتظار مُعجزة ما , عسى ان يكون اسمه الاسير .

ذهبت جهودها ادراج الرياح , تجوب البلاد , تسأل , تبحث , تدقق المعلومات , تسرُد حكايات بخصوص النزاع . وإله الحرب مُجبر على الصمت الرهيب , حاملاً مظلته , خوفاً من لهيب الشمس اللعين , وبقيه الشعب يغط فى نوم عميق . تبحث مُتابطة ذراع اليأس , غير قادرة ان تتجاوز الاحداث العنيفة , كأحد قنابل الحرب العنقوديه لِتدوى سماء حياتها , ليُلازِمها القلق المُهين , لِسنوات طِوال حتى بعد إنتهاء القِتال . ليغرس فى نفسِها جرح مُتقيح , ضر بنسيج روحها والعلاقه بينها وبين الغير .

ولدت حُرة والحياة لديها لا قيمة لها بعد ان فُقد الحبيب , قدرها يحثها على التضحية بقية عمرها لتربية طفليهما , هذا ما تتمناه بِكُلِ حواسها , فهو غائب وعليها الانتظار , او شهيد وعليها الوفاء , طفليها اللذان لم يعرفا معنى الابوة , إلا ما سمعاه من هنا وهناك عنه , ليجود النظام عليهما بلقب يتيم ينتظر اباه مُحملاً بالحلوى والنياشين , ولكن النظام ابى إلا ان يقلدهما القهر والحرمان والتهميش وألاهمال . ولكنها تُساق الى حتفها , عندما يعرض عليها امر الزواج , لتصرخ فى وجوههم رافضه طرح الموضوع , ولكن نظرة الناس اليها تظغط على انفاسها , عندما يُفرض عليها ان تجوب طريق المحاكم لتحصُل على شهادة وفاة رغم انه قد يكون على قيد الحياة , فهى صغيرة السن وجميله , وحرام ان تضيع بقية عمرها فى الانتظار , فمثلها يجب ان يكون فى كنف زوج يضمن لها الاستقرار والاستمرار , فمن سيربى صغارها ومن سيدخل البسمة على قلوبهم كُل عيد ومن سيُلملم جِراحِها ويمسح عبرتها من على وجنتيها ليل نهار ؟ ومن سيتكفل بها وبطفليها عندما تخل عنها الِنظام الذى تنصل من مسئوليته وانكر الحرب ؟ هى بحاجة الى من تشكوا اليه همها فى حال غياب والديها , جُملةً رُددت على مسامعها كل دقيقه وثانيه لتودىء نتائجها لاحقاً فترفع راية الاستسلام لهم وللقدر, وتُعلن موافقه خططهم والاذعان لها . صراع من اجل البقاء , صراعها هذه المرة مع اهل الزوج الذين ابوا الا ان يستكثروا عليها حقها فى عيش الحياة , وبأن فلان المفقود ليس فى عداد الاموات وان عليها ان تدفع الثمن مهما كان , فأمر زواجها مرفوض وعليها الوفاء والانتظار. اربعة اعوام من عمرها استلزمت حكم إنتصار . ورقة تقول انه مات . يا لمهزلة الاقدار .

فضاء عالى فُتحت ابوابه لارواح الشهداء الذين قضوا فى إدغال الصحراء . لم يجازوا بشعور الانتصار على الاعداء رغم صبرهم وغربتهم , وإنما جازوا بروح النفى والاقصاء . حرب ملعونة حرقت الاخضر واليابس بما فيها الراية الخضراء . قطعت شرايين الحياة فى السارة ووادى الدوم , ليطلق بلد الارامل على وطن لم يعرف معنى لحرب كارثية , ينتهى مُشعلها بالتبرىء من مسئوليته منها , وليفرض على نساء ليبيا الاتشاح بالسواد بسبب الفواجع , وليغرقهن فى بحار الضياع والمأساة بعد إغراق ازواجهن وابنائهن ما بين الرمال وأعماق البحار . إنعكاس هذا الترمل ليس بالهين . كل جثة قُبرت تبعتها جثة زوجه او ام , ليمتد وينعكس الترمل على جميع النواحى الاجتماعية , من فقر وعوز واحتياج وجنوح وضياع اطفال , نتيجة لفقدان عائل الاسرة سواء كان زوج او ابن . دماء اُهدِرت وحياة شعب فُرِطت , والسبب سياسة إبادة بالداخل والخارج على حد سواء .

حرب مهما كانت اسبابها وغايتها فهى إثم وخطيئة , ومهما ادعينا انها نظيفة وعادلة تبقى قذرة وظالمة .المعلومات الحقيقية عن المفقودين حُجبت كسلاح سياسى ليس ضد العدو , الذى لا نعرفه , ولكن ضد اهلنا وشعبنا من قبل راعى كره رعيته , فزج ببعضه غياهب السجون والبعض الاخر بغياهب المجهول . الراعى ليس خائفاً من المسئولية عند السؤال . فمثله محارب مغوار , صولاته وجولاته تشهد لها الادِغال . جهوده فى إنقاذ جنوده دونها التاريخ بالدماء . فهو قد اعطى الاولوية للعثور على الاحياء دون الاموات للحيلولة دون رجوعهم , فيسطروا التاريخ بشهادات ضده وليكونوا كمسمار جُحا , او خوفاً من ان يعودوا كجيش خبر الحرب فيقودوا تمرداً دموياً ضده , مع هذا او ذاك .

قضية ضحايا تشاد قضية ركنها الزمن على احد رفوفه , وقصه هذه المرأة ليس تقليباُ لمواجع ولكنه مُلامسة لواقع قام , يقوم ودام .

حتى تندمل جراح مُجتمعنا , على السلطة ان تُقر بأن مًشكلة المفقودين مشكلتها الخاصة ولتُشرع ابواب مقبرة الشهداء على مصرعيها لتستقبلهم بشواهد اسماءهم بدلاً من اسم مقبرة الانتظار الفارغة , فجلاء مصيرهم يجنب الجمود الطويل , وان تقوم بتكريم الاحياء منهم فتستقبلهم إستقبال الابطال .. واقع صارم ان يقف الوطن عارياً , مُستباحاً مسلوباً . سماءاً وبشراً وثروة , لا يستحق قائده الفاشل الا ان يصلب على عامود الخيانة المُرصع بجماجم الابرياء .

على الشعب الليبى التخلص من المرجعيات الفكرية التى سيطرت عليه إبان العقود الاربع الماضية اثناء تعامله مع النظام ورمزه , ليدركوا أنهم يعيشون اليوم فى حضارة حقوق الانسان فكرياً وان للانسان الحق فى الرفاه مادياً . عندها يمكنهم ان يتخذوا مبادرة وطنية تحررهم من الحروب والافات والالام والمصائب , ومن مسايرة الواقع المر الذى يعيشونه , ويجعل المواطن الليبى اينما كان رسول وفاق ووئام وليس عبداً للاصنام والاثام .

تحية مُكللة بكُلِ ايات الاحترام والتقدير والامتنان الى جميع ابطال حرب تشاد الاحياء منهم والاموات . جعل الله تضحياتكم سرابيل تقيكم عذاب الدنيا والاخرة ولتكون لكم العمل الصالح الذى يقربكم الى الله .

وطنى 100
7-27-2008


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home