Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الدكتور الفيتوري والرأي الآخر (2)

القرآن والرأي الآخر!!

أشار الدكتور عبدالحكيم في بداية مقاله القرآن والرأي الآخر إلى أنه لا يستغرب أن يكون أول ما نزل من سور القرآن الكريم يحمل في طياته تشريعا ملزما بطلب العلم والتفكر، ونبذ الجهل والتخلف ، وتقريرا لحرية الرأي والاعتقاد وإدانة لممارسة الإكراه وحرمان الغير من حرية الاعتقاد والعبادة والتدين والرأي مستندا بقوله تعالى : (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وقوله (أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى) وقوله (لكم دينكم ولي دين)

وأقول إن مدلول كلماته أكبر بكثير مما تشير إليه الآيات الكريمة لأن معنى الآية الأولى أي اقرأ يا محمد ما أنزل إليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك , أما الآية الثانية فالهمزة فيها بداية للتعجب وليست للاستنكار على من ينهى عبدا عن صلاته أو عبادته وقد جاءت في عدو الله أبي جهل, وأما الآية الثالثة فقد صرحت للكفار بأن لكم شرككم ولي توحيدي مع العلم بأن سورة الكافرون أو سورة البراءة من الشرك قد ابتدأت بالتوبيخ والتشنيع (قل يا أيها الكافرون) ومع ذلك لا حرج في استخلاص العبر والمعاني والفوائد من الآيات الكريمة ولكنها جزما دون ما ذكر الدكتور.

وقال الدكتور ثم توالت نزول الآيات تترى تقرر حق الاعتقاد، والتدين، وحرية الفكر والرأي بصورة لم يسبق لها مثيل، وذلك على كافة المستويات, مدللا بصور ثلاثة تبين قيمة المستويات الحوارية, حوار الله تعالى مع ملائكته , وحوار الله تعالى مع إبراهيم عليه السلام, وحوار الله تعالى مع إبليس اللعين.

وإنني لأستعجب!! فأي حرية اعتقاد أو فكر أشارت إليها الآيات الكريمة , لو وقفنا مع إحدى هذه المستويات الحوارية نحو حوار الله تعالى مع إبليس اللعين لعلمنا مدى مجانبة الدكتور للصواب , فقد استدل الدكتور بقوله تعالى (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين).

أقول اعلم أخي الدكتور عبدالحكيم إن الاستفهام في الآية ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) هو للتقريع والتوبيخ وليس ما ذهبت إليه !! , ومما يزيد الأمر توكيدا ما جاء عقب هذه الآية مباشرة ( قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) , لقد أمره تعالى أن يهبط من الجنة لأنه لا ينبغي له أن يستكبر عن طاعة الله وأمره ويسكن جنته , ولقد أمر بالخروج ذليلا حقيرا صاغرا لأنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله تعالى الذل والصغار.

ثم قال الدكتور:وعلى أساس قيمة الحوار هذه , قامت حرية الاعتقاد والفكر والرأي، مدللا بأن القرآن الكريم سجل لنا مستويات متنوعة من هذه الحريات على مستوى الاعتقاد في ذات الخالق سبحانه، وأكد أن كل تلك التوجيهات خالية تماما من الإشارة إلى إنزال العقاب على أولئك المخالفين،أو تشريع عقوبة حدية ضدهم،أو ممارسة التهميش والإقصاء والإلغاء ضدهم. وأستدل الدكتور بثلاث آيات سنقف منها على قوله تعالى (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء)، وقوله تعالى (وقالوا يد الله مغلولة).

أقول: ألم يقل الله عز وجل عقب الآية الأولى (سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق , ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد ) أليس فيه إخبار بإنزال العذاب عليهم يوم القيامة , وإن قلت إن هذا في الآخرة وليس في الدنيا أقول أليس التوعد بالعذاب في الآخرة نوعا من العقاب الدنيوي. وفي كلا الحاليين فقد أشارة الآية إلى إنزال العقاب بخلاف ما ذكرت من أنها خالية تماما من الإشارة إليه.

أما الآية الثانية وهي قوله تعالى (وقالوا يد الله مغلولة) فقد جاء مكملا لهذه الآية قوله تعالى ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء..) أليس قوله تعالى (غلت أيديهم ) دعاء عليهم بالبخل المذموم والفقر والنكد نوعا من أنواع العقاب , وقوله تعالى (ولعنوا بما قالوا ) هو إبعاد من رحمته تعالى بسبب مقالتهم الشنيعة وهو من أشد أنواع العقاب!! فضلا أن الآيات لا تدل على الحرية الاعتقادية أو الفكرية.

ثم بين الدكتور عبدالحكيم أن القرآن لا يفتأ رغم كل العوائق البيئية والعرفية يقرر حرية الرأي الآخر بحيث يجعل الاختلاف والخلاف هو الأصل في الخليقة مستدلا بقوله تعالى (ولذلك خلقهم).

وأقول: إن استدلال الدكتور بالآية غير مناسب لما أراده لأن اللام في الآية هي لام العاقبة أي خلقهم لتكون العاقبة اختلافهم مابين شقي وسعيد , قال الإمام الطبري وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم.

ثم قال الدكتور: إن القرآن رفع من سقف حرية الرأي بعدم تشريع عقوبة حدية على المخالف سواء أكانت هذه المخالفة مخالفة في تقديس الذات الإلهية ، أو توقير الرسول ، أو عدم الإيمان بآياته مستدلا بعدد من الآيات منها قوله تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون).

أقول: الآية تتحدث عن استهزاء أقوام بالله تعالى وبآياته ورسوله وليست عن حرية رأي , ومما يدلل على ذلك أن الاستفهام المذكور في الآية هو للتوبيخ ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون), وأن أولئك القوم قد اعتذروا من سوء فعلهم فقد قال الله تعالى (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم .) فأي حرية رأي في هذه الآية لأقوام قد وبخوا واعتذروا بل قد كفروا لاستهزائهم بالله تعالى وبآياته ورسله!!.

وقال الدكتور: إن حرية الرأي السلمي في القرآن مشروعة ومكفولة ، بل قيمة الحرية في القرآن تعد كلية مقاصدية من كليات التنزيل , يرد إليها غيرها ولها ما بعدها ، فقد تضافرت الآيات في مواضع عدة ، وفي سياقات متنوعة ، ومستويات مختلفة في تقرير كلية الحرية , وبذلك يرتفع سقف قيمة الحرية الفكرية في القرآن إلى ما ليس له حد، فكل شيء قابل للنقاش في الأصول والفروع ، إذ لا سبيل للإكراه في ذلك وإنما الإقناع بالحجة والبرهان والمنطق والعقل، وهذا هو السبيل الوحيد الذي يقرره القرآن الكريم(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (لا إكراه في الدين).

أقول: هذه كلمة حق عموما , لها مالها وعليها ما عليها , وتقتضي منا التفصيل والبيان , وفيها صواب وفيها غيره , وبالأخص عبارة أن سقف قيمة الحرية الفكرية يرتفع في القرآن إلى ما ليس له حد، فكل شيء قابل للنقاش في الأصول والفروع.

ثم أختتم الدكتور عبدالحكيم مقاله بكلام حسن قائلا: إن الله تعالى قد أورث خلقه ذوي الفطر السليمة وعيا بحقهم الإنساني، ولم يؤاخذ المخالفين منهم بعقوبة استئصالية بما كسبوا من أفكار واعتقادات وأراء (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا).لذلك كان المقصد الأساسي للرسالة والرسول تذكير الناس بهذه الحقوق دونما ممارسة الإكراه عليهم (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)،

(إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر).

ثم قال: إن القرآن الكريم يعترف بالرأي الأخر، ويحترمه وإن كان لا يقر به،فهو يتفهمه ولا يؤمن به،ولكنه لا يسعى للاستئصال أصحابه وإلغائهم من الوجود، وإنما الحوار والمحاجة والجدال بالتي هي أحسن، (وحاجه قومه قال اتحآجوني في الله وقد هدان)، (وجادلهم بالتي هي أحسن)، ولذلك كانت مجادلة الرسل مع أقوامهم بالتي هي أحسن دون إلغاء وإقصاء.

وأقول : لقد جاء الإسلام وهو الدين الحق فأقر حرية الاعتقاد، فلم يبح أبدًا أن يكره الناس على اعتناقه ، أو اعتناق سواه من الأديان، وأعلن في ذلك قول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِيْ الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيْعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُوْنُوْا مُؤْمِنِيْنَ) أي لو أراد الله لآمن الناس جميعا , ولكن لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للحكمة , فإنه تعالى يريد من عباده إيمان الاختيار لا إيمان الإكراه والاضطرار , ثم بين أي يا محمد أفأنت تكره الناس على الإيمان وتضطرهم للدخول في دينك ليس ذلك إليك , لأن نبينا عليه الصلاة والسلام كان حريصا على إيمان جميع الناس.

ومما يؤكد الحرية الدينية الاعتقادية قوله تعالى (لا إِكْرَاهَ فِيْ الدِّيْنِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ)

وسبب نزول هذه الآية يبين لنا إلى أي مدى وصل الإسلام في تقديس الحرية، وفي تكريم هذا المعنى، وتأكيد هذا المبدأ، فقد كان الأوس والخزرج في الجاهلية إذا امتنعت المرأة من الحمل فنذرت إذا ولدت ولدًا هوَّدته، أي جعلته من يهود، وهكذا نشأ بين الأوس والخزرج هاتين القبيلتين العربيتين بعض أبناء يهود، فلما جاء الإسلام وأكرمهم الله بهذا الدين وأتم عليهم نعمته، أراد بعض الآباء أن يعيدوا أبناءهم إلى الإسلام، دينهم ودين الأمة في ذلك الحين، وأن يخرجوهم من اليهودية، ورغم الظروف التي دخلوا فيها اليهودية، ورغم الحرب التي بين المسلمين واليهود، لم يُبِح الإسلام إكراه أحد على الخروج من دينه وعلى الدخول في دين آخر ولو كان هو الإسلام، فقال: (لا إِكْرَاهَ فِيْ الدِّيْنِ) في وقت كانت الدولة البيزنطية تقول: إما التنصر وإما القتل. وكان المصلحون الدينيون في فارس يُتَّهَمون بأشنع التهم.

والسلام

بقلم / معاذ
________________________________________________

* بداية أشهد الله أنني ما ابتغيت بهذا النقد إحراج الدكتور عبدالحكيم الفيتوري فهو أسمى من يحرج من الحق وبالحق, وما كتبت المقال بغير اسمي إلا رغبة مني أن يكون عملي خالصا لله تعالى وأن لا يكون للنفس حظ من الهوى.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home