Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

ليس هذا هو المطلوب من علي الريشي

قرأت في موقع أخبار ليبيا مقالة كتبها مواطن ليبي، يقول إنه كان أحد المغتربين الذين يعيشون في بريطانيا، وأنه عاد إلى الوطن، ولقي فيه استقبالاً طيباً وحافلاً من قبل عناصر منتدبة من إدارة المغتربين التي يديرها الدكتور علي الريشي. وقد أسبغ كاتب هذه المقالة، العائد إلى وطنه من ديار الغربة، أنماطاً من الثناء والمديح على الإنجاز العظيم الذي قام به الدكتور علي الريشي لتسهيل وترتيب عودته وعودة آخرين غيره من المواطنين إلى بلدهم. وطفق يردد ما سمعه من الدكتور الريشي من تأكيدات على فكرة أن الوطن ملك لكل أبنائه، وأن حق العودة إليه والعيش فيه مكفول لهم جميعهم دون استثناء، وأن الدكتور الريشي لن يجشم نفسه عناء الاتصال بالليبيين في الخارج لإقناعهم بالعودة، وأن على هؤلاء أن يقوموا هم بالاتصال به للحصول على التسهيلات التي تحدث عنها كاتب المقال والتي تمنحها إدارة المغتربين لمن يريد العودة. وقد وجدت أن كاتب هذه المقالة قد ورط نفسه، في الغالب دون أن يدرك ذلك، لخدمة تلك اللعبة التي يريد النظام الحاكم في ليبيا، من خلال هذه الإدارة المختصة بشؤون المغتربين، ومن خلال الدكتور الريشي الذي كان هو نفسه حتى وقت ليس بالبعيد يعد أحد هؤلاء المغتربين، أن يلعبها لتمييع وتسطيح قضية الليبيين المقيمين في الخارج، وإفراغها من مضامينها السياسية والفكرية، بتصويرها وكأنها مجرد مسألة فردية ذاتية، لأفراد بأعيانهم أدت بهم ظروف معينة إلى مغادرة الوطن، والعيش في بقاع مختلفة من ديار الغربة، وهم الآن لظروف ودواع أخرى مختلفة يتوقون للتمكن من العودة إلى الوطن، ولا يرجون أكثر من أن تتوفر لهم بعض الضمانات التي تكفل لهم ألا يمسهم أحد بأذى، وألا تلاحقهم أجهزة الأمن الخارجي واللجان الثورية بالمساءلة والتحقيقات، بما يتضمنه كل ذلك من مخاطر التعرض لسوء المعاملة، وربما السجن.
والواقع أن هذا المسعى من قبل النظام قد وجد وشرع في تنفيذه منذ سنوات عديدة، سبقت ظهور الدكتور الريشي ودائرة المغتربين بوقت طويل، فقد أخذ النظام يرسل المبعوثين، ويوفد الأعوان للاتصال بالليبيين المقيمين في الخارج، وخاصة أولئك الذين كانوا منتظمين في صفوف تنظيمات المعارضة الوطنية العاملة ضد النظام، من أجل إقناعهم بالتوقف عن المعارضة، والعودة إلى البلاد، مع تقديم كل الضمانات لكفالة أمنهم الشخصي وأمن ذويهم وعائلاتهم، وتقديم كل الإغراءات المادية السخية. وقد ظلت هذه المساعي مستمرة دون توقف، وبذل النظام في سبيلها كل ما بوسعه من جهود وإمكانات مادية وغير مادية، وحقق من طريقها بعض النجاح المحدود، حيث تمكن من استقطاب أعداد من الليبيين الذين كانوا عاملين في صفوف المعارضة، فكسبهم إلى صفه، وجندهم لخدمته من خلال كشف أسرار التنظيمات التي كانوا يعملون في صفوفها، والعمل لصالحه كجواسيس وعملاء من داخل تلك التنظيمات، ناهيك عن نجاحه المحدود الآخر في إقناع العديد من الليبيين بالعودة إلى بلادهم بعد كفالة أمنهم الشخصي وسلامتهم.
ومع ذلك فلم تفلح كل تلك الجهود التي بذلها النظام في إنهاء مسألة الليبيين المقيمين في الخارج الذين تحمل شريحة مهمة منهم راية معارضته والجهر برفضه والمطالبة بإنهاء هيمنته على مقاليد الأمور في ليبيا، والمطالبة بإعادة أمانة الحكم إلى صاحبها الشرعي وهو الشعب الليبي. فهؤلاء النشطون في سياق النضال من أجل أهداف القضية الوطنية يرفضون تماماً أي محاولة لإفراغ قضية وجودهم في الخارج من معناها الأصيل والجوهري المتمثل في مواجهة النظام الحاكم بمطالب الشعب الليبي المشروعة في استعادة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الديمقراطية.
ومن هنا فإننا نقول للدكتور علي الريشي إن المطلوب منه هو أبعد من هذا الذي يقوم به حالياً بكثير، فإنه إذا حصر جهوده في إقناع عشرات أو مئات من الليبيين بالعودة، وقام بتسهيل عودتهم وضمان أن يصلوا بيوتهم وذويهم بسلام دون أن تلحقهم مساءلات ومتابعات أجهزة الأمن واللجان الثورية، فإنه لن يكون قد فعل شيئاً ذا بال، ولن يذكر له بالفضل في تاريخه الوطني والسياسي. فهذه مسألة إجرائية تافهة وعادية، قام بها غيره من قبل، وظل الليبيون الراغبون في العودة إلى الوطن يقومون بها من خلال اتصالاتهم الشخصية والعائلية بذوي النفوذ في البلاد، حتى قبل أن تنشأ تلك الدائرة الخاصة بوزارة الخارجية، وقبل أن يعين الدكتور الريشي رئيساً لها.
أما إذا ما أراد الدكتور علي الريشي، وهو المعروف بأنه من أوائل من رفعوا صوت الرفض والمعارضة في الوطن منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، أن يجد لنفسه موقعاً متميزاً يذكر له في تاريخ النضال من أجل القضية الوطنية فعليه أن يجد طريقة لاستثمار هذا الموقع المهم الذي يوجد فيه على رأس إحدى الدوائر المهمة في إحدى الوزارات المهمة في البلاد، لكي يبلور مع المخلصين من العاملين في النظام الحاكم، ممن يريدون إصلاح الأوضاع المتردية القائمة، حلاً سياسياً لقضية المغتربين، يقوم بالدرجة الأولى على إزالة الأسباب والدوافع الأصلية التي خلقت ظاهرة الغربة منذ البداية، وهي القيود التي وضعت على حرية الرأي والتعبير داخل البلاد، متمثلة في تلك القوانين الجائرة التي جرمت الرأي المختلف مع رأي السلطة الحاكمة، وشرعت له من العقوبات البشعة ما أجبر كل من كان حريصاً على أن يمتلك رأيه الحر ، وكل من وجد نفسه مختلفاً مع السلطة الحاكمة وسياساتها في إدارة شؤون البلاد إلى تفضيل مغادرة الوطن، والتضحية بالنفس والمال وبالأهل والصحاب، بحثاً عن موقع في أرض الله الواسعة يتيح له أن يعيش بكرامة وعزة، وأن يمتلك ما شاء من رأي وأن يعبر عنه دون أن يتهمه أحد بأي تهمة.
إن الطريق أمام الدكتور الريشي جد واضحة، فعليه أن يفعل شيئاً لإزالة الأسباب والدواعي التي فرضت على الليبيين مغادرة وطنهم، ونؤكد له أنه لن يكون بعد ذلك بحاجة مطلقاً إلى بذل أي جهود، لإقناع أحد من المغتربين بالعودة إلى الوطن، وأن إعادة الشرعية لوجود المواطن الحر على أرض وطنه سوف تغني المواطن عن أية تسهيلات تقدم له لكي يعود، وسوف تتيح للمواطن العائد أن يجد على أرض المطار أهله وذويه ورفاقه وأصدقاءه، بدلاً من موظفي دائرة المغتربين ومندوبيها.

بقلم: د. عبد الله جبريل
Abdullah_jibreel@yahoo.com
21 اكتوبر 2007


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home