Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الإصلاح اللامعـقول

كثرت هذه الأيام الكتابات عن "الإصلاح السياسي" فى ليبيا، وخاصة من بعض شيوخ وتجار السياسة، وكما يقولون "الجنازة كبيرة والميت فار".. والكل يتوقع أن ولد الفار يطلع حفار، ويخلص ليبيا من الخلل والفساد السياسي الذى يعانى منه الشعب الليبي على امتداد 38 سنة بسبب نظام القذافي الفاشي.

الإصلاح يكون فاعلا عندما يكون هناك خلل فى الدولة، فأحيانا يكون الخلل بسيطا وموضعيا أو عميقا ومتسربا فى الجسد السياسي، وهنا يمكن مقارنة ظواهر المرض الذى يصيب الجسد السياسي كالمرض الذى يصيب الجسد الإنساني، فكلاهما لايرى بالعين المجردة، ويجب تقديم الفحوصات المختلفة لوصف الدواء الفعال، وقد لا يتم ذلك إما بسبب خطأ في التشخيص، أو بسبب صرف الدواء الخطأ، أو لان حالة المريض أصبحت ميؤسا منها.

فالإصلاح السياسي يختص بدولة قائمة بمؤسساتها وسياساتها وممارساتها، ولكن عندما تغيب هذه الدولة كما أشرنا إليها، ويحل محلها إطار آخر يدعى أنه "الثورة"، فإنه لا معنى للإصلاح فى غياب الدولة، وهذا ما غاب عن ذهن سيف الإسلام، الذى قال في أحد خطاباته "تحويل الثورة الى دولة".. وكأن عملية التحويل مسألة ميكانيكية بسيطة، وليست عملية جوهرية تحتاج أولا الى إيجاد معايير وأسس الدولة ذاتها.

فى الواقع أن ليبيا بثرائها وثرواتها أصبحت مملوكة للقذافي وأسرته وحاشيته وبعض تجار السياسة، فالقذافى يحتكر السلطة ويسعى الى توريثها، حيث وزع المناصب على أفراد عائلته والفئة المحيطة به بغض النظر عن مؤهلاتهم وقدراتهم، فالولاء قبل الكفاءة، وهؤلاء لا يملكون شرعية سوى شرعية الفساد والإفساد والاستيلاء على ثروات الشعب الليبى، وامتلاك البيوت الفاخرة والسيارات، بعد أن تم فرض الجوع والخوف على أبناء الشعب الذى أصبح يعيش فى بلد منكوب بإعصار الفساد والخيانة والغدر والاحتكار والغش.. وانعدام المساواة أمام القانون.. فإذا غابت المساواة غاب الأمن والاستقرار، وضاعت الحقوق المشروعة للمواطن، لتحل محلها ممارسات غير مشروعة للأقلية الحاكمة فى البلاد. لقد زادت نسبة الفقر والبطالة فى الوقت الذى تسود فيه شعارات "شركاء لا أجراء".. والزحف على القطاع الخاص وهروب بعض رؤوس الأموال المحلية خارج ليبيا..وحتى الاستثمارات الخارجية لا يمكن لها أن تنجح فى ظل غياب قوانين تحميها، ودولة قائمة على مؤسسات.

هل يعقل أن تتحول الثورة الى دولة فى ظل شعارات تقول "من تحزب خان" "الحزبية إجهاض للديمقراطية"؟ أم أن سيف الإسلام وحاشيته لهم تعريف خاص للدولة، وأنه يسعى لصنع "دولة" على نفس مواصفات صناعة والده "الثورة".

إن الصورة القائمة الآن لما يسمى الإصلاح فى ليبيا- على حسب تحليلى البسيط- يسعى إلى الاحتفاظ "بالهيكل السياسي" الحالي، وإقامة تيار يحتفي بالمنجزات والمعجزات الكاذبة، ويتوهم سيف الإسلام أن الإصلاح يمكن أن يتم بالدعاية الإعلامية ودعوات أئمة وشيوخ الإخوان المسلمين، إلا أن المراهنة على الدعاية الإعلامية ودعوات شيوخ الإخوان وحدها لا تكفي أن تكون الإستراتيجية المثلى "للإصلاح".

قال سيف الإسلام "هناك خطوط حمراء لا بد أن نتفق عليها" "الإسلام وأمن واستقرار ليبيا ووحدة التراب الليبي ومعمر القذافي." وهذا القول فى ذاتة يحمل معنى الإجبار..... من قال إننا جميعا أى الشعب الليبى سنتفق على خطوط جاء بها ابن القذافى وحده ولم يشترك الشعب بأى شكل من الأشكال فى وضع هذه الخطوط الحمراء.

دعونا نناقش هذه الخطوط:

الإسلام: للأسف الدين أصبح تجارة سهلة للوصول الى السلطة، فالإخوان المسلمون على الساحة الليبية يعتبر الإصلاح بالنسبة لهم هو وسيلة للوصول الى السلطة أو المشاركة فيها، إذا كنا نعتقد بأن من مهمة الحركات الإسلامية التصدى للظلم وإيقاظ الأمة للتصدى للاستبداد الخارجى والداخلى وعلى تحقيق الديمقراطية والقبول بالتعددية الحزبية فى اطار التراث والأصول العامة للشعوب.

والسؤال المطروح على الحركات الإسلامية وعلى وجه الخصوص حركة الإخوان المسلمين: ماهو موقفكم مع التيار الليبرالى العربى الجديد؟ فهو تيار يدعو للإصلاح والديمقراطية والحرية والتعددية، وقدم أربع مبادرات دولية وعربية للإصلاح والتطور الديمقراطى.

الأمن: وتحولت السلطة من حام للحريات إلى قامع لها، فلا مساواة بين المواطنين، ولا ضمانات قانونية وقضائية للمواطنين فى مواجهة السلطة التى تحكمت بشكل مطلق فى كل مناحى حياتهم، بدءا من لقمة العيش وانتهاءا بمدى قدرتهم على السفر أو دخولا وخروجا من الوطن.

وحدة التراب الليبي: لايمكن تحقيق وحدة التراب الليبي فى ظل نظام استبدادى يعتمد سياسة فرق تسد، فالقذافى منذ أن جاء إلى الحكم وهو يعتمد على ضرب القبائل بعضها ببعض وعزل الشعب الليبى عن بعضة البعض والتفريق بين المدن الليبية، واتباع سياسة مركزية أدت الى انهيار صورة التلاحم للشعب الليبى فى مواجهة ما هو مفروض علية. وحدة التراب الليبي تتم عبر نظام ديمقراطى يحترم حقوق الإنسان ويساوي بين المواطنين ولا يظلم الأقلية.. لا فرق بين شرق أو غرب ولا شمال ولا جنوب ولا مسلم أو يهودى.

أما الخط الأخير "الخطأ الكبير" المتمثل فى القذافى فلا يمكن اعتباره بأى حال من الأحوال بأنه استثناء عن القاعدة التى تساوي بين المواطنين، ومهما ادعى بأنه "قائد ثورة" أو "ليس حاكما" فهذا لن يعفيه من أن يساوى مع بقية الليبيين أمام القانون. فالخط الأحمر هو محاولة من الابن لحماية أبيه السبب الأول والاخير فى كل الجرائم والمآسى والنكبات التى أصابت الشعب الليبى، ومازالت آثارها ونتائجها قائمة حتى الآن وقد تبقى حتى فى المستقبل المنظور.

أما فى ما يتعلق بالمعارضة الليبية الممثلة فى المؤتمر الوطنى، والمزمع عقد دورته الثانية قريبا ان يطرح مبادرة (شاملة) في إطار إعادة بناء الدولة الليبية بشكل كامل وبطريقة تحد من تركيز السلطة بيد الفرد أو المؤسسة وتوزع السلطة بشكل متوازن بين مختلف المؤسسات في النظام السياسي وبما يحقق الرقابة المتبادلة والمساءلة، فالمبادرة سوف تقودنا في النهاية إلى إعادة الشرعية المفقودة فى ليبيا.

أما تيار "أصحاب المشروعات الصغيرة" أمثال محمد بويصير، وإدريس المسمارى، وعاشور الشامس، وعلى الريشى، ومحمود جبريل وغيرهم فإن أجندتهم تتلخص في البحث عن حلول تلفيقية تساعد نظام القذافى الفاشي على البقاء فترة أكثر. فهذا التيار قد يضعف المعارضة على طرح مطالبها بقوة خوفا من أن تتهم بعدم الواقعية، ولكنهم فى الحقيقة يجرونها بمشاريعهم الصغيرة لمصالحهم الشخصية.

ليبى امسوط


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home