Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

أطفال البيان الأول

مع بزوغ شمس الفاتح من شهر سبتمبر عام 1969 استيقض الليبيون من سباتهم واستفاقوا على صوت البيان الأول للثورة, ليجدوا أن أحلام الماضي أصبحت حقيقة وأن زمن الأحلام قد ولّى دونما رجعة وتطاير بعيدا مع الغبار الذي حركته عجلات سيارات ودبابات الضباط الأحرار والجنود البواسل الذين استقبلهم الشعب بالأفراح والأهازيج وغنوا لهم أغاني النصر, وهتف الجميع بصوت واحد وبقلب واحد ؛ هتفوا للثورة وقائدها الذي أطل عليهم وعرفوه لأول مرة من خلال البيان الأول للثورة بكلماته المجلجلة ووقعه الثابت على الأسماع وتدفقه إلى القلوب .
لقد امتدت كلمات البيان الأول بصوت القائد الثائر لتنتشر في الأفق ويتردد صداها في جميع أنحاء مدينة بنغازي من أقصاها الى أقصاها من قاريونس إلى سيدي يونس وينطلق عبر الإذاعة إلى مدن وقرى وبوادي ليبيا ( الجماهيرية العظمى ) . انطلقت كلمات البيان الأول لتعلن مباديء وأسس مستقبل الجماهير القادم ، كان أولها إعلان نهاية عهد الخيانة والغدر ففهمها الشعب وهتف بحياة قائده وتيقن بأنه لن يتعرض بعد الآن لا للخيانة ولا للغدر, ثم جاءت كلمات القائد بعد ذلك أكثر دويّا بأنه لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم في ظل مجتمع ترفرف عليه إن شاء الله راية الرخاء . ووسط هذه الفرحة العارمة كانت كلمات البيان مدوّية بأكثر من ذلك بما تحمله من مباديء وأسس للحياة القادمة فكان الثأر للكرامة التي جرحت والحق الذي اغتصب إعلان عن نهاية حقبة ولّت بلا رجعة , فلن تجرح للشعب كرامة بعد الآن ولن يغتصب حقهم بأي وضع من الأوضاع أو تحت أي ظرف من الظروف مهما كانت , وفي الختام كان المسك يعبق ريحا من خلال أجمل وصف يمكن أن يوصف به شعب في العالم بخطابه لهم " يا أبناء الأرياف الطاهرة " , أي أنكم أيها الليبيون طاهرون مادمتم في ظل الثورة وحماها .
عاش الليبيون حلمهم ثلاثون عاما في ظل الإنجازات المتلاحقة في رعاية الثورة وقائدها إلى أن استفاقوا على وقع كابوس زلزل أركان مدينة بنغازي أرض البيان الأول للثورة على خبر أصبح واقعا وفاجعة لم يأت ذكر لمثيلها في دهاليز التاريخ ولا حتى ظلمات الأساطير. لقد كانت المأساة قد حلت ولا سبيل إلا بالاقتناع بأن ما حدث قد حدث فعلا وأن جريمة قتل الأنفس جزافا قد حدثت وأي أنفس, أنفس الأطفال الأبرياء. ومن قبل من , من قبل ملائكة الرحمة ؟ . إنها مأساة وكارثة بجميع المقاييس ومختلف الشرائع وكافة الأديان.
غير أن البعد الأخطر لهذه الكارثة هو ما حملني لكتابة هذا المقال استنادا لما جاء في الفقرة الخامسة والعشرين من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان , فوجدت أنه لزاما علي أن أوضح بعدا أخطر مما هو منظور وكائن ومما يتحدث به الكثير .
إن البعد الأخطر لهذه الكارثة يكمن في الإجابة على السؤال التالي :- ( لماذا بنغازي ؟ ) . لماذا مدينة البيان الأول للثورة ؟
إن استهداف هذه المدينة بالتحديد وبالذات دون باقي مدن الجماهيرية هو استهداف لروح البيان الأول للثورة , وكأنهم يقولون لهذه الجماهير التي عاشت حلمها استفيقي على وقع هذا الكابوس البشع الذي خطف أرواح أطفالك وفطر قلوب أمهاتك وأوهن من عزيمة أبناءك.
لقد استهدف هذا العمل الإجرامي البشع روح البيان فكانت الخيانة وكان الغدر من خلال حقن الأطفال الذين جاء بهم أهلهم لتطعيمهم وتحصينهم, وكان هضم حقوقهم في المعيشة الهنية وغبنهم في أبنائهم فلذة أكبادهم وظلمهم في حقهم في الحياة في ظل مجتمع ترفرف عليه راية الرخاء. وكان جرح كرامتهم واغتصاب حقهم . ثم كان الاستهداف أوضح من خلال تدنيسهم لطهارة هذه البلاد ( يا أبناء الأرياف الطاهرة ) وتلويثهم لدماء الأطفال الأنقياء بحقن ملوثة بداء فتاك ملوث بقصد الاعتداء على سلامة البلاد وأمن المجتمع .
وختاما فانه مهما كان هنالك من حديث لن يعبر عن سوء وفداحة هذه الجريمة النكراء.
إلا أن مدينة بنغازي (البيان الأول ) تطالب بحقها في القصاص العادل من الذين أجرموا بحقها وتسببوا بهذا الأذى الفاحش بأبنائها وبيانها (البيان الأول ) .

أسامة فرج البرغـثي
مديرإعلام الجمعية الوطنية لثقافة وفكر الطفل الليبي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home