Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

فقدان العدالة
"حاميها حرامـيها"


غابت العدالة وبقى الحق والباطل يتصارعان ولا قاضيا يقضي بينهما

تقديم:
ان فقدان العدالة يجعل الناس تنقلب الى الكفاح من اجل احقاق الحق.
وان الكفاح له الوان تفوق الوان الطيف تبهر المكافح بان يزداد قوة في كفاحه معتبرا ذلك انتقاما واحقاقا لحقه الذي هُـدر. وانه قد لا يطلب المرأ اكثر من ان يخرج من هذا الدنيا وحسناته تعادل سيئاته ولم يظلم احدا, وانه لسوف يكون فرحا لو حسناته تعادل او تفوق سيئاته . فالمطالبة بالحق اساسا مشروعا في كل الشرائع الا في شرع الدكتاتورية وشرع الاستعمار الامريكي والبريطاني واليهودي. وان الكفاح من اجل احقاق الحق هو اعلى مراتب الجهاد والكفاح الانساني الذي يجعل الانسان يرتقي سلم الشرف والإباء والعزة ويخلّد بين الناس وان هدر دمه فدمه طاهر شريف.
فاساس وجود الكون هو احقاق الحق, وردع الظلم حتى اذا مات الانسان وقام للقيامة جزاه الله بما هو اهله. ولكن عبور الانسان في هذه الدنيا لايكون عبورا اذا لم ياخذ حقه في الحياة وسوف تبقى روحه بعد موته تلعن كل من اغتصب حقوقه المشروعة.

فما خصائص الحق:

خصائص الحق كخصائص الماء لا طعم له ولا رائحة له ولا لون له. وبهذا نراه شفافا لا يحيد عن الصراط المستقيم. حتى ياتي الظلم لينحرف به عـن مساره ظلما وجورا فبدلا ان يصل الى اصحابه يعطى لمن لا يستحقه. وهكذا يشوبه بلون من الوان الظلم فنراه ملونا ونقول هناك شئ من الحقيقة في كلامه ونغض البصر عن الباطل. وهكذا ننساق وراء كل قائل ونحن لم نذعـن للحقيقة الصافية. فالعدالة والحق والظلم صفات متلازمة لا يمكن لهن ان يفترقن عن بعض. وان الحق والظلم لفي معركة دائمة وقاضيهما العدل.

رؤية العدالة:
فالتقى الحق والعدالة والظلم يوما وجعلوا يتجاذبون اطراف الحديث فقالت العدالة :
ان مصيبة الحق خافتٌ صوته ومنظره كلوحة جميلة خلابة لكنه مخفي وراء اقنعة خوفا من ان يسرقه الظلم من اهله. وانه لا يحاول ان يقول لك اني هنا الا في قصر العدالة اوعند طلاب الحق.

ورغم انه حلو طيب لذيذ جميل ورؤيته تبعث على الطمأنينة, الا انه يحتاج الى من يظهره الى النور حتى يراه الجميع ويذعنوا له. وكثيرا ما يضّيع الحق طريقه عندما يريد ان يزورني في قصر العدالة. ثم نظرت العدالة بعين حزينة وقالت: ومصيبة الظلم انه مزين ومبهم ويضربك بيده ويحبسك ويطاردك الى ان تقتنع انه الحق, ولكنه ليس الحق.

وبهذا نرى انه اذا ظُلم انسانا جئت ادافع عن الحق واولول من بعيد واحاول وقف الظلم.
فسألت العدالة يوما الظلم وقالت من انت ايها الظلم ؟
فقال الظلم: انا هو من يخرج الانسان من دائرت الحق الى دائرة الظلم التي تجسدت في حب الذات والانا والاعتداء والتسلط والتجبر والاغتصاب واكل حقوق الناس . والتي هي تبييت النية وسابق الترصد والحقد الدفين للتسلط على حقوق الغير.
وانا سُقم الحياة ومشرد الاحياء وسبب الحروب ومن تجرعني فقد تجرع كاس حنظل وكاس الدمار والمَنايَ. وانه من تجرعني اجعله انسانا سقيما حقودا مسود الوجه لا يروق له الا ان يتمادى في ظلمه واذاء الاخرين. فانا ابن التكبر! والغطرسة ابنتي وانا من اخترع الكذب والحيل والتحايل على الاخرين. واني لانتشر في الناس مثلما ينتشر السرطان في الجسم. واني آلة من آلات الشياطين اينما اكون اسجن واقتل واشنق واقلب حياة الانسان من سلام الى فوضى ومعاناة والرذيلة واتسلط على حريات الناس لاقمعهم. وانا صانع الفتن, وهذه طبيعتي ولا استطيع ان اغيرها ولهذا خلقت.

وسألت العدالة الحق فقالت: ومن انت ايها الحق؟
فقال الحق يشبّه نفسه: انا مثل الماء الصافي شفاف رقيق الخاطر اعطي الحياة لمن يشربني. وانا الدواء للعليل من سقم الحقد والكراهية والظلم. وانا من ادخل السرور على الاسرة وعلى الشعب. وانا الذي يحاجج عنك في محاكم الدنيا وعند الله يوم القيامة. فانا مثل الاكسوجين ! فمن استنشقـني اطفيت نار حقده المتقدة واعطيته راحة بال لم يكن ليحصل عليها لو لم يتحصل علي. وانا من يطفيء الفتن. وانا الذي يجعل الناس تطمئن لك وتحبك اذا اقتنيتني وتحدثت باسمي وجعلتني مناطك وهدفك في حياتك. وانا الذي اخلد ذكراك اذا كتبت كتابا تطالب باحقاقي. واذا ذكرتني عند الحكام والدكتاتورين والجبابرة تسجن وتعذب وقد تموت. وانا الحكمة التي بٌعث بها الانبياء وانا من سجد لي الظلم اعتذارا في المحاكم, وانا من اجفف دموع المحرومين والمظلومين ومن ضاع حقه بين الناس.

وقالت العدالة:
لقد عرّفتما بنفسكما وجاء دوري لأعرف بنفسي :
وانا من كتبت على نفسي بان اشهد للحق انه الحق, وللظلم انه الظلم وسوف لن آخذ جانب هذا او ذاك . واني سوف استعمل كل ما في وسعي لاوقظ الحق من سباته وضعفه واقويه واوقف الظلم واضعفه حتى يستولى الحق على حقه ويظهر.

فجاء الحق ذات يوما شاكيا:

يتهادى الى العدالة يمشي خطوتين ثم يقف يترقب خوفا من ان يكون الظلم مراقبه وقد يكون قد نصب له كمينا يبعده عن قصرالعدالة. الى ان وصل الى العدالة وجعل يتمسح بها ويقبلها ويبكي ويتوسل اليها بان تنقذه من الظلم.

فقال: ايتها العدالة منذ نزولي من السماء وانا مخفي ومهضوم ولم يعطني الظلم فرصة للحياة انعم بها وارُد حقوقي . فقالت العدالة:
اهلا بخير المعارف واعظمها وانبلها واشرفها وافضلها. واهلا بمن خلق الله الكون من اجله. اجلس عندي كي ابعث للظلم بان ياتي واعرف المشكلة كي اقضي فيها .
وجعل الحق يبكي بدموع غزيرة فامرت العدالة بمناديل وكأس ماء كي تواسي به الحق وتستنطقه.
وما ان علم الظلم دعوة العدالة للمثول أمامها حتى اصبح يلوم حراسه ويركلهم لما لم يعلموا بان الحق قد ذهب يشتكيه. وتوعدهم واخذ رتبهم عقابا لهم ووبخهم. وحضر الظلم في كوكبة من حاشيتة وزبانيته.

فقامت العدالة تريد احقاق الحق فقالت:

ان لكل حدود لابد من ان يلزمها. وهو ان تعطى حقوق الاخرين ولو لم يعرفوا انها من حقوقهم وتوعيتهم بذلك . فكيف انت ايها الظلم مدجج باسلحتك ومحوط بحرسك تريد الحق ان يتكلم! فانك قادر على قتله, فيجب ان تتخلص من اسلحتك وان تخلع ثوب السلاح والقوة حتى تتساوى امامي مع طالب الحق.
لتتساوى في وقوفك امامي مع الحق. فليس لك الحق في ان تدجج بالسلاح ولا ان تلبس صفة المتجبر امامي ولا ان تثور على الحق لاخراصه. وانما يجب ان تضع الامور امام عدالتي وانا من احكم عليك او لك او له او عليه ويجب ان تذعـن لذلك الحق وتفعله فانك ان فعلت فقد تخليت عن ظلمك وتعسفك واصبحت تريد الحياة الطيبة النيرة.

ثم اذنت العدالة للحق بان يبين تظلمه امام الجميع فقال :.
ان الظلم قد ظلمني فلم يعطني حقي في الحياة بحرية وامان .
ولقد عرّضني للاضطهاد واهانني وعذبني وانتزع مني اقوالا واتهمني كذبا وزورا. ان التعذيب الذي مررت به لا يمكن ان يتصور. فالتهديد باللواط كل يوم وتركك عاريا بدون لباس. والتعرض للتحقيق والعينين معصوبتين واليدين في اغلال امريكية الصنع تقفل كلما اردت ان تقاومها ولها اثقالا حتى تمنعك من رفع يدك الا بصعوبة. ويضع القرآن امامي ثم يدفه بعصى تدريجيا من على الطاولة حتى يقع امامي في سلة مهملات انتقاما من عقيدتي. وضربات الكهرباء في القبل والدبر التي يغمى عليك فيها. الضرب على الوجه والعينان معصوبتان فلا اعرف من اين تاتي الضربة والضرب بالحذاء وكلام السوقة والسفهاء الذي يرمونني به ليل نهار وصراخ المساجين المعذبين ليل نهار فلا تستطيع ان تنام الا مغمى عليك من الارهاق وما الى ذلك.

فقد ضربني بالفلقة وبضربات الكهرباء الاسعة وبالضرب وبالاهانة لي ولاهلي وساومني كي اعترف بما لم افعل. ولما قلت ان من حقي التظلم ومطالبة العدالة, لم يعترف بحقوقي ومضي في تعذيبي نفسيا وجسديا.

ثم اقام محكمة عسكرية صورية في معسكر ليحاكمني. فطالبت بحقي امام القانون المدني وليس محاكمة عسكرية. وطلبت بان يساوي بيني وبين من يحاكم ولا يصنفني بتصنيف الخيانة او اي تصنيف آخر. فلما ادانني لم يجد القاضي العسكري اي دليل علي, الا انه ادانني بالشبهة والظن (وان الظن لا يغني عن الحق شيئا). فلم يقر لي بحق المشاركة السياسية والثقافية واقصاني وابعدني بتمييز عنصري بسبب رأي. فقد جعل من يوافقه الرأي مقربا وجعل من لم يوافقه الرأي مبعدا. وقد سلبني حق التظاهر والاعتصام السلميين وحق ان اقيم الاحزاب وان اعبر عما بداخلى من حب لوطني وكيف اجعله جنة على الارض. ثم لم يكن له بد الا انه وضع كمامة على فمي وامرني بان اوقّع ورقة مضمونها عدم التحدث في الامور السياسية وعدم المطالبة بحقوقي المدنية كي يغتصب حقوقي ويفرض علي العيش في ذلة طوال فترة حكمه.
ثم تنهت الحق قليلا وقال : ها وقد استغل خرصي وعدم قدرتي على الاستعانة باهل الحق لأتقوى بهم واُسمع العالم بظلم الظالم لينهضوا معي. فما كان منه الا ان صادر منى اموالي وحصادي وهدم بيتي وقال انه ليس لي الحق في هذا وقد توعدني إن عدت للحديث مرة اخرى فسيعلقـني على حبل المشنقة ويسكتني الى الابد.

فياحضرة العدالة الموقرة يـامن كتبت على نفسك ان لا تتحيزي الى هذا او ذاك, انصفيني.

فأذنت العدالة للظلم بان يرد فقال:
لا لآ انه مخطئ! اني اعطيته حق التحدث والانتقاد داخل اماكن خاصة. ولكنه يريد ان يعارضني ويكون خائنا. ويريد مني ان اترك الحكم لغيري من امثاله بالانتخابات. ويريد ان يرسم سياسة البلاد ولم يطبق قوانيني التي اصدرت له ولم يحضر اجتماعاتي ومؤتمراتي. ولم يشارك في احتفالاتي ولم يركع لي ويسلم امره لي. فهو دائما يعارضني ويجد قصورا في ارائي واعمالى وانا لا اتحمل من ينتقدني فاني اشعر به انه خائن.
وهنا صارت جلجلة بين الحاضرين واعتراضا على ما قاله الظلم.

فطرقت العدالة بمطرقتها تطلب هدوء الحاضرين وأذنت لمحامي الحق بان يضع قضية الحق بين يدي العدالة فقال:

ايها الظالم:
انه ان اردت ان تصلح هيئتك او هندامك فماذا تفعل؟
فاجاب: انظر الى المرآة.
قال المحامي: انه عين الصواب: فالمرآة صادقة لا تكذب فيما نقلته عن صورتك. ومن هنا تستطيع ان تنظر الى عيوب وجهك وهندامك اليس كذلك ايها الظالم؟
قال: اجل انه كذلك, ولكن ماذا تريد من سياق هذا المثال؟
فقال المحامي: وقياسا على ذلك فان احزاب المعارضة في الحكم هي المرآة الصادقة التى ترى فيها عيوب برامج الحكم والخطط التنفيذية. ومن هنا نرى ان الحلقة المفقودة هو انك لا تتخذ مرآة ولكنك ترفض وبشدة من ان تنظر الى عيوب افعالك في مرآة المعارضة.
وهنا ايد كل الحاضرين ما قاله محامي الحق.
واستطرد محامي الحق قائلا:
انه لمن العقل ان تستمع لاراء المعارضين. وان تعطي كل ذي حق حقه في المحادثة, فان ألزموك الحجة أبرزت حجتك واقنعتهم او اقنعوك. وان المعارضة انما هي تمحيصا وهزهزة للقرارات الصادرة لانتقاء منها ما هو صالح, واظهار محاسنه, ونبذ ما كان منه فاسدا, واظهار مساوءه وتجنبه. وان ما كان فاسدا يسقط قبل ان يوقع الدولة في خسائر كبيرة. وان ما كان حسنا صمد وانتفع الناس به وسيستمر مادام للمعارضين صوتا في اظهار محاسن الحسن ومساوء المسئ .
فقال الظلم ايتها العدالة انه ليس الحق وانما هو مشاغب يتخفى تحت غطاء الحق .
فقالت العدالة انه قد اتى الى اعتابي واستنصر بي فوالله لانصرنه وانه مهما كان مشاغبا او طالبا لحق. اذا اعطيته حقه فان كان مشاغبا ابتعد عنك واطفأة نار شغبه. وان كان محقا فقد اخذ حقه وطفأة نار حقده .

وقال: ولكني استطيع كبته بالحديد والنار!!!
وهنا صاحت العدالة وهي تقول: لا... ايتها الظلم البشع لا تفعل
ان الحياة حقوق لو كنت انت مواطنا عاديا وليس حاكما وقد اخذ الحاكم حقك ظلما فماذا تفعل؟ قال اثور ولا يهدأ لي حفن حتى آخذ حقي!
فقالت: عجبا لك ايها الظلم تقول هذا وتعيب عن من يطالبك بحقوقه.
انه الحق وانك ستعطي حقوقه عاجلا ام آجلا وانك سوف تدفعه اضعافا مضاعفة. وانك ان لم تعطي حقوق الناس فسوف يلجؤون الى العمل المسلح وسوف يكون في البلاد قتل ومآسي انت في غنا عنها. رد الحقوق الى اهلها حتى تريح ترتاح.
وهنا ركل الظلم احد حراسه وهو يقول: كيف فلت منكم هذا وجاء الى هنا الم تعلموا اني حرمت علي الحق بان يزور العدالة... خططوا لسجنه او لقتله !!!.
وهكذا يسجن ويقتل حامل الحق لانه يامر بالقسط.

"ان الذين يكفرون بايات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يامرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب اليم". البقرة

وخلاصة القول :
ان حقوق الانسان دائما مهضومة في الدول العربية وانه اذا اعطي المواطن حقا باليد اليمني اخذ منه حقا اخرا باليد اليسرى.
وانك دائما تجد الذي ينتقص من حقك ويقايض عليه ولا يبالي بك او بالحقوقيين من الناس.
فليس هناك دولة المؤسسات التي تشتغل ذاتيا وتنظم طاقات الشعب وتوفر الامن والامان بدون تدخل من الحاكم.
وليس هناك محكمة عدل متفق عليها يشتكي اليها المتضرر من حكام العرب.
وان اكبر شئ تصل اليه كحقوقي هو ان تتملق وتداهن من اجل ان تبقى حيا وبدون سجن او تعذيب.
وانه لزم الامر بان تمشي قرب الحائط حتى لا تلتقمك آلة القمع والعقاب والنسيان في العالم العربي.
فأين الحقوقيون العرب؟ واين اجتماعاتهم واين من كتب على نفسه بان يأخذ بحقوق الانسان في العالم العربي؟
لما لم يكن لهم اليد الطولى في بسط الامن والامان وكف دموع المساجين والارامل والايتام؟
الم يحن وقت العدل في العالم العربي ؟
وان شعوبا كالشعوب العربية لا يمكن ان تكون سلبية اكثر مما هي عليه الان.
فلماذا لا تطالب الشعوب العربية بحقوقها؟ ولماذا هم ساكتون ونائمون؟ والامم الاخرى قائمة على تنصيب حكامها واسقاطها والمشاركة في رسم سياسة الدولة ؟

كتبه : د بشير رجب الاصيبعي
مراقب سياسي
bashirlasceabai@yahoo.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home