Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
كيف يُحكم على الدار بكونها دار إسلام أو دار كفر؟

كيف يُحكم على الدار بكونها دار إسلام أو دار كفر؟

بقلم الشيخ عبد الحكيم حسان

المصدر : موقع ( مركز المقريزي للدراسات التاريخية )
http://www.almaqreze.net/munawaat/artcl268.html

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لتمام الأحكام التي ذكرناها في موضوع الهجرة نعرض باختصار( ) لتعريف الديار ومتى تصير الدار دار إسلام ومتى تصير دار كفر أو حرب، لأنه لابد أولا من معرفة معنى الدارين ـ دار الإسلام ودار الكفر ـ لتعرف الأحكام التي تختلف باختلافهما، ومعرفة ذلك مبنية على معرفة ما تصير الدار به دار إسلام أو دار كفر، فنقول وبالله تعالى نتأيد ونستعين:
* إن حكم الدار يبنى على الشريعة الظاهرة فيها والحكم الغالب والمهيمن عليها، والأصل في اعتبار هذه الأحكام هو حكم مكة والمدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الأولى إلى الثانية، فإن كانت شريعة الإسلام وأحكامه هي الظاهرة المهيمنة على الدار، وكان أهل الإسلام والتوحيد فيها هم الأعلون بعلو شريعتهم وأحكامهم، فهذه الدار دار إسلام وإن كان من سكانها من ليسوا مسلمين، فإن المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صارت دار إسلام لعلوا شرائع الإسلام وأحكامه فيها، ومن المعلوم أنه كان من سكان المدينة حينئذ كثير من اليهود والمشركين ونفر من النصارى، ولم يمنع ذلك من كونها دار إسلام يجب على المسلمين الهجرة إليها من مكة التي كانت دار كفر لعلو أحكام الكفر فيها وظهور المشركين عليها مع أنها أحب بقاع الأرض إلى كل مسلم، ولم يمنع من تسميتها بذلك وجود بعض المؤمنين من المستضعفين فيها، وهذا أمر متواتر معلوم من الشريعة وهو مذهب جمهور العلماء.
* وقد ذكر بعض الناس أن تسمية الدار بهذه الأسماء ـ دار الكفر ودار الإسلام ـ محدثة لم تكن على عهد الأوائل، وهذا ليس بصحيح، إذ إن تسمية دار الكفر وإطلاقها على مكة قبل الفتح قد ورد على لسان جارية سوداء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فيما رواه البخاري في باب نوم المرأة في المسجد، وابن خزيمة في باب الرخصة في ضرب الخباء واتخاذ بيوت القصب للنساء في المسجد، وابن حبان في باب ذكر إباحة الأخبية للنساء في المسجد عن عائشة :أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم، فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور فوضعته أو وقع منها، فمرت به حدياة وهو ملقى فحسبته لحما فخطفته فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به فطفقوا يفتشون حتى فتشوا قبلها، قالت الوليدة: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم، فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت.
قالت عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، فكانت تأتيني فتحدث عندي، فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت: ويوم الوشاح من أعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني، قالت عائشة فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا فحدثتني بهذا الحديث( )، فقد سمتها الأمة بلدة الكفر عند عائشة رضي الله عنها ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اطلع على ما قالت وأقره.
وقد ذكر أبو بكر الإسماعيلي عن أئمة الحديث أنهم يعتبرون ظهور الأحكام هو الحاكم على الدار بكونها دار إسلام أو لا حيث قال رحمه الله: ويرون ـ أي أئمة الحديث ـ الدار دار الإسلام لا دار الكفر كما رأته المعتزلة ما دام النداء بالصلاة والإقامة ظاهرين وأهلها ممكنين منها آمنين. اهـ( )
وقال ابن القيم رحمه الله: قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل. اهـ( )
وقد اعتبر ابن تيمية رحمه الله إن إقامة التوحيد هو الحد الفاصل بين دار الكفر ودار الإسلام حيث قال: فأما التوحيد فهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم وعليه نصبت القبلة وبه وجبت الذمة وبه حقنت الدماء والأموال وانفصلت دار الإسلام من دار الكفر. اهـ( )
وقد ورد في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يقول: الدار إذا ظهر فيها القول بخلق القرآن والقدر وما يجري مجرى ذلك فهي دار كفر. اهـ( )
وقال ابن حزم رحمه الله: وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يماذجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم لإمارة عليهم أو لتجارة بينهم كافرا ولا مسيئا بل هو مسلم محسن، ودارهم دار إسلام لا دار شركن لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها. اهـ( )
هذا وليس للدار حكما ثابتا لا يتغير أبدا، بل إن الحكم عليها بحسب الغالب والظاهر فيها مثل أحوال العباد، فمن كان مؤمنا تقيا فهو من أولياء الله تعالى المتقين فإن تغير حاله تغير حكمه، وكذلك الديار فإن غلب عليها أهل التوحيد والإيمان وأقاموا فيها أحكام الإسلام وشرائعه فهي دار إسلام، وإن تغير حالها باستيلاء أهل الكفر والشرك عليها وظهور كفرهم وشركهم عليها فهي دار كفر أو حرب بحسب ذلك وهذا هو موجب نصوص القرآن والسنة والله اعلم.
وفي بيان هذا المعنى قال ابن تيمية رحمه الله: ثم من هذه الأمكنة ما سكنه بعد ذلك الكفار وأهل البدع والفجور ومنها ما خرب وصار غير هذه الأمكنة، والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها، فقد تكون البقعة دار كفر إذا كان أهلها كفارا ثم تصير دار إسلام إذا أسلم أهلها، كما كانت مكة شرفها الله في أول الأمر دار كفر وحرب، وقال الله تعالى فيها (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك)( )، ثم لما فتحها النبي r صارت دار إسلام وهى في نفسها أم القرى وأحب الأرض إلى الله..
وكذلك الأرض المقدسة كان فيها الجبارون الذين ذكرهم الله تعالى كما قال تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذا جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وأنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فأنا داخلون)( ) الآيات، وقال تعالى لما أنجى موسى وقومه من الغرق (سأريكم دار الفاسقين)( )، وكانت تلك الديار ديار الفاسقين لما كان يسكنها إذ ذاك الفاسقون ثم لما سكنها الصالحون صارت دار الصالحين.
وهذا أصل يجب أن يعرف، فإن البلد قد تحمد أو تذم في بعض الأوقات لحال أهله ثم يتغير حال أهله فيتغير الحكم فيهم، إذا المدح والذم والثواب والعقاب إنما يترتب على الإيمان والعمل الصالح أو على ضد ذلك من الكفر والفسوق والعصيان، قال الله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)( )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم(لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس بنو آدم وآدم من تراب)( )، وكتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي ـ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما لما آخى بين المهاجرين والأنصار وكان أبو الدرداء بالشام وسلمان بالعراق نائبا لعمر بن الخطاب ـ: أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان أن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الرجل عمله. اهـ( )
وقال ابن تيمية أيضا رحمه الله: وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة لها بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، فكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوف في ذلك الوقت، فإن سكنها غير ما ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم.
وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا والكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا أو نحو ذلك كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال، وقد قال تعالى (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة) الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر وهى ما زالت في نفسها خير أرض الله وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها فقد روى الترمذي مرفوعا أنه r قال لمكة وهو واقف بالحزورة (والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت)، وفى رواية (خير أرض الله وأحب أرض الله إلى)( )، فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله وكان مقامه بالمدينة ومقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة كما ثبت في الصحيح (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجرى رزقه من الجنة وأمن الفتان) وفى السنن عن عثمان عن النبي r أنه قال (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف فيما سواه من المنازل) وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود...إلى أن قال:
وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام (سأريكم دار الفاسقين) وهى الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهى الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة، فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلما وتارة كافرا وتارة مؤمنا وتارة منافقا وتارة برا تقيا وتارة فاسقا وتارة فاجرا شقيا، وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر المعصية إلى الإيمان والطاعة وهذا أمر باق إلى يوم القيامة. اهـ( )
وقد اشترط أبو حنيفة رحمه الله شروطا أخرى حتى تصير دار الإسلام دار كفر من ذهاب أمان المسلمين فيها ومتاخمتها لدار كفر أخرى، وهذه الشروط لا ينهض الدليل لاعتبارها، فضلا عن كونها مخالفة لما عليه جمهور أهل العلم، ولذلك فقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وهذا التقسيم هو بالنسبة لحكم لدار لا لحكم ساكنيها، إذ قد يكون من سكان دار الإسلام من ليس بمسلم كما كان الحال في المدينة بعد هجرة المسلمين إليها، فقد كان فيها نفر من النصارى وكثير من اليهود، وقد يكون من سكان دار الكفر أو الحرب من هو مسلم مستضعف كما كان الحال في مكة قبل الفتح، فالحديث هنا عن تسمية الدار لا عن البحث في حكم ساكنيها والله تعالى أعلم.
وفي تعريف دار الإسلام ودار الكفر قال الكاساني رحمه الله: لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، واختلفوا في دار الإسلام أنها بماذا تصير دار الكفر، قال أبو حنيفة: إنها لا تصير دار الكفر إلا بثلاث شرائط، أحدها: ظهور أحكام الكفر فيها، والثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر، والثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول وهو أمان المسلمين.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إنها تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، وجه قولهما: أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام والنار دار البوار لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله أعلم.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر وإنما المقصود هو الأمن والخوف، ومعناه أن الأمن إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام، وإن كان الأمن فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر، والأحكام مبنية على الأمن والخوف لا على الإسلام والكفر، فكان اعتبار الأمن والخوف أولى...إلى قوله:
وقياس هذا الاختلاف في أرض لأهل الإسلام ظهر عليها المشركون وأظهروا فيها أحكام الكفر أو كان أهلها أهل ذمة فنقضوا الذمة وأظهروا أحكام الشرك هل تصير دار الحرب فهو على ما ذكرنا من الاختلاف، فإذا صارت دار الحرب فحكمها إذا ظهرنا عليها وحكم سائر دور الحرب سواء وقد ذكرناه. اهـ( )
وقد ذكر السرخسي رجمه الله عن الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة: إنه إذا أظهروا الشرك فقد صارت دارهم دار حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة( ).
وما ورد في قول أبي حنيفة رحمه الله من اعتبار الأمن والخوف فقط في الحكم على الدار وعدم اعتبار ظهور الأحكام والشرائع مخالف للهدي النبوي الوارد في صحيح السنة، إذ أن النبي r كان يأمر سراياه التي تخرج للجهاد أن لا يغيروا على قرية أو محل حتى ينتظروا وقت الصلاة، فإن سمعوا أذانا أمسكوا عن الغارة لأن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة التي يحكم بها على الدار، وإن لم يسمعوا أذانا أغاروا( )، وهذا ظاهر في اعتبار ظهور الشرائع والأحكام لا بحصول الأمن والخوف، ولذلك قال القرطبي رحمه الله: قال أبو عمر: ولا أعلم اختلافا في وجوب الأذان جملة على أهل المصر لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر وكان رسول الله r إذا بعث سرية قال لهم (إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا إن لم تسمعوا الأذان فأغيروا) أو قال (فشنوا الغارة) وفي صحيح مسلم (كان رسول الله r يغير إذا طلع الفجر فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار) الحديث. اهـ( )
وورد في التمهيد لابن عبد البر رحمه الله: ومن الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام لمن لم يعرفها الأذان الدال على الدار، وكل قرية أو مصر لا يؤذن فيه بالصلاة فأهله لله عز وجل عصاة.. اهـ( )
وورد أيضا في شرح الزرقاني على الموطأ في الحديث عن الأذان: وأما في المصر فواجب كفاية، فلو اتفقوا على تركه أثموا وقوتلوا عليه لأنه شعار الإسلام ومن العلامات المفرقة بين دار الإسلام والكفر، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أنس مرفوعا (كان النبي r يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار). اهـ( )
وقال ابن قدامة رحمه الله: ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة وعلى الإمام قتالهم، فإن أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة، ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه، وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، وإذا قاتلهم قتل في قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء: أن تكون متاخمة لدار الحرب لا شيء بينهما من دار الإسلام، الثاني: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن، الثالث: أن تجري فيها أحكامهم، ولنا إنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين. اهـ( )
وقد فصل الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله فيما يعتبر به حكم الدار وذلك في رده على حسين بن حسن الذي قسم الديار بحسب ساكنيها فقط وعمم الحكم بذلك ونفى أن يكون الحكم متعلقا بظهور الأحكام من عدمه فقال ابن سحمان رحمه الله: إن لفظ الدار قد يطلق ويراد به الحال ويطلق ويراد به المحل، فإن كان أراد الأول فصحيح ولا كلام، وإن كان أراد الثاني فغير صحيح، فإن هذا التقسيم للساكن لا للدار، وقد أجمع العلماء على أن مكة المشرفة قبل الفتح دار كفر وحرب لا دار إسلام ولو كان فيها القسمان المذكوران، ولم يقسم أحد من العلماء هذا التقسيم للدار في قديم الزمان وحديثه، بل هذا التقسيم للساكن فيها ولا حكم يتعلق بهذين القسمين بل الحكم للأغلب من أهلها إذ هم الغالبون القاهرون من عداهم ومن سواهم مستخف مستضعف مضهود مقهور لا حكم له، وظاهر كلام هذا الجاهل المركب أن مكة شرفها الله وصانها وجعل أهل الإسلام ولاتها وسكانها قبل الفتح ليست دار كفر، لأن الله تعالى قسم أهلها ثلاثة أقسام: محارب وعاص ظالم لنفسه ومستضعف عاجز فلا تكون دار كفر، ولا تعمم الدار بالكفر بل تكون على حكم الساكن على ثلاثة أقسام، وهذا لم يقل به أحد من العلماء في مكة المشرفة قبل الفتح، بل الذي اتفق عليه العلماء أنها بلاد كفر وحرب ولو كان فيها أناس مسلمون مستخفون أو ظالمون لأنفسهم بالإقامة في دار الكفر غير مظهرين لدينهم كما هو معروف مشهور، وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أن أحد الأقسام الأربعة التي قد اشتملت عليها الوجود هو القسم الرابع وهم الذين عنى الله بقوله (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم)( ) هم من كان كافرا ظاهرا مؤمنا باطنا، فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره، فهم في الظاهر لهم حكم الكفار، وعلى زعم هذا الجاهل أنه إذا كانت مكة المشرفة قد قسمها الله ثلاثة أقسام فلا تكون مع هذا التقسيم بلاد كفر وحرب إذ ذاك، وإلا فما وجه الاستدلال بهذا التقسيم حينئذ، وإذا كان ذلك كذلك فحكم بلد دبي وأبي ظبي حكم مكة ولا شك أن فيها مسلمين ظالمين لأنفسهم ومستضعفين عاجزين، وكل بلد من بلاد الكفر فيها نوع من هؤلاء...إلى أن قال:
وأما تعريف بلاد الكفر فقد ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجري عليها أحكام الكفر ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر، وأما حكم العاصي الظالم القادر على الهجرة الذي لا يقدر على إظهار دينه فهو على ما ظهر من حاله، فإن كان ظاهره مع أهل بلده فحكمه حكمهم في الظاهر وإن كان مسلما يخفي إسلامه لما روى البخاري في صحيحه من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال r (لا والله لا تذرون منه درهما)( )، وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش في فدى أسراهم ففدى في كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلما فقال رسول الله r (الله أعلم بإسلامك، فإن يكون كما يقول فإن الله يجزيك به، وأما ظاهرك فقد كان علينا فافتد نفسك وابنى أخيك وأخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمر وأخي بني الحارث بن فهر) قال: ما ذاك عندي يا رسول الله، فقال r (فأين المال الذين دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم) قال العباس: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل فأحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله r (لا ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك) ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه…الحديث( )، فاستحل رسول الله r فداءه والمال الذي كان معه لأن ظاهره كان مع الكفار بقعوده عندهم وخروجه معهم، ومن كان مع الكفار فله حكمهم في الظاهر. ومما يوضح لك أن مكة المشرفة قبل الفتح بلد كفر وحرب ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في الكلام على قوله r (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) وقال r (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار إسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار إسلام فقال (لا هجرة بعد الفتح).
وكون الأرض دار كفر ودار إيمان ودار فاسقين ليست صفة لازمة لها بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، وكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير من ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم، وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيها عز وجل كان بحسب ذلك، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا أو الفاسق يصير صالحا أو الكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا ونحو ذلك كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال...إلى أن قال رحمه الله: فأحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلما وتارة كافرا وتارة مؤمنا وتارة منافقا وتارة برا تقيا وتارة فاسقا وتارة فاجرا شقيا، وهكذا المساكن بحسب سكانها إلى آخر كلامه، قال ابن سحمان: وهذا مما لا إشكال فيه بحمد الله فهذا كلام أهل العلم وموجب سنة رسول الله r في حكم الدار وساكنها. اهـ( )
هذا وقد زاد ابن تيمية رحمه الله في أنواع الديار قسما ثالثا وسماه دارا مركبة وذلك حينما سئل عن حكم بلدة ماردين والتي كان يعيش فيها المسلمون مختلطين مع غيرهم، ولم أجد لهذا القسم أصل يؤيده في الأدلة ولا في أقوال أهل العلم، بل إن بعض العلماء قد اعتبر أن هذا التقسيم مرجوحا ورده.
فقد سئل ابن تيمية رحمه الله عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت، ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكور في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم.
وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان ليست بمنزلة دار السلم التي تجرى عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه. اهـ( )
وقد اعترض بعض علماء الدعوة النجدية على قوله بأنها قسم ثالث, فقالوا: وأما البلد التي يحكم عليها بأنها بلد كفر, فقال ابن مفلح: وكل دار غلب عليها أحكام المسلمين فدار إسلام، وإن غلب عليها أحكام الكفر فدار كفر، ولا دار غيرهما، وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية وسئل عن ماردين: هل هي دار حرب أو دار إسلام? قال: هي مركبة فيها المعنيان ليست بمنزلة دار الإسلام التي تجري فيها أحكام الإسلام لكون جنودها مسلمين ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه، والأولى هو الذي ذكره القاضي والأصحاب. اهـ( )
فالأصل والذي يترجح اعتباره والله أعلم ما استقر عليه جمهور أهل العلم من تقسيمهم الديار إلى قسمين لا ثالث لهما: دار إسلام ودار كفر، وقد تكون هناك بعض الديار يكثر فيها الفسق وتنتشر فيها البدع غير المكفرة ويقل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن هذا الفسق والابتداع لا يصل إلى حد الكفر المقنن والذي يتواطؤ عليه أهل الدار أو الحاكمين فيها، فهذه الدار يصح أن يقال فيها دار فسق وبدعة، وليس هذا قسيما لدار الإسلام ولكنه تمييز لها عن دار الطاعة والسنة وهي دار إسلام ولا شك، وكذلك فإن دار الكفر قد لا يقاتل أهلها أهل الإسلام ولا يحاربونهم فلا تسمى دار حرب وهي دار كفر ولا شك بخلاف الدار التي يحارب أهلها أهل الإسلام ويقاتلونهم فهذه دار كفر وحرب والله تعالى أعلم.

كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته
أبو عمرو
عبد الحكيم حسان


سعد


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home