Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

حديث النفس
1. قرار سياسي جريء

وصلت مع صديقي إلى الميناء في انتظار وصول صديقاً لنا قادم من المهجر بعد سنوات من الهجرة القصرية و التي فُرضَت عليه بسبب معارضته الشديدة للخطاء و الانحراف – ما نسميه في جزيرتنا المفقودة "بالعوج" -؟!
و عند وصولنا المبكر كان لزامً علينا الانتظار حتى وصول الباخرة بالسلامة – إنشاء الله -.. و أثناء ذلك نظر صديقي خلفه و قال: ما رأيك؟
قلت: في ماذا؟!
قال: بدل من تضييع الوقت، فلندخل قليلاً للمحكمة لحضور إحدى جلساتها.
قلت: و الله فكرة مقبولة.

اقتربنا من ذلك الباب الضخم المهيب.. دولة داخل دولة؟! قضاء مستقل يتساوى تحت سيف عدالته الجميع و لا سلطة لأحد عليه؟!!
دخلنا عبر الممرات المنظمة.. و انبهرت لحركة الناس المنظمة، و الهدوء المهيب داخل تلك الممرات الطويلة؟!

قال لي صديقي: هذه إحدى قاعات الجلسات فلندخل.

نعم لقد دخلنا و جلسنا بهدوء تام.. و يالا سعادتي حين سمعت ذلك القاضي الجليل و الذي يجلس خلف منصته.. وهو يتنقل بنظراته المركزة بين الشهود و المحامي و النيابة؟!.
و خلف تلك القضبان يجلس ذلك الشاب مطأطأ الرأس؟ و قد امتلأ حسرة و ندامة لفعلً فعله.. و جُرمٍ ارتكبه؟! و كم كانت السعادة تغمرني و أن استمع لمداولات هذه القضية و التي ما كنت لأسمع عنها لولا عودة جزيرتنا المفقودة لحاضرة الأمم، و لأحضان دولة القانون؟!!

رفعت الجلسة.. قالها سيادة القاضي بصوته الرخيم.. و قطع علي دهشتي و سعادتي صوت ردد ما قاله سيادة القاضي.. نهض صديقي من على مقعده و قال لي: هي بنا.
قلت بصوت خافت: عجيب؟!!
قال صديقي: و ما هو العجيب؟
لم أرد على تساؤله و خرجنا إلى الممر، قال لي صديقي: تعال معي.
اتجهنا بعدها صوب أحد رجالات القضاء و الذي كان يقف أمام مكتبه بلباسه المميَّز و كأنه كان على موعد معنا؟! بعد التحية و السلام
قدمني صديقي للسيد فلان وكيل نيابة شمال المدينة، و اقتنصت هذه الفرصة الثمينة لأتأكدَ هل أنا في حُلُم أم في علم؟!

"سيادة الوكيل قضية زيادة سرعة على الطريق تستلزم كل هذا؟!!" سؤالٌ سألتهُ له
"نعم يا سيد لقد تأكد لنا في جزيرتك الضائعة أن الفرد هو رأس المال و القيمة الحقيقية للمواطن هي كونه إنسان يجب حمايته و السهر على راحته.. إنَّ كل ما تراه من رأس جزيرتك الضائعة إلى هذا الموظف الذي يحرس بوابة هذه المحكمة الموقرة يعملون جميعاً لصالح هذا المواطن الشريف و الذي يخرج من بيته في الصباح ليعود إلى بيته في المساء؛ بل حتى و هو ينام في بيته فنحن جميعاً مسئولون على أمنه و راحته و سعادته"..
علامات استفهام و تعجب كبيرة ظهرت على ملامح وجهي المبتهج؟!!!

"نعم، نعم يا سيدي المواطن الشريف" قالها سيادة الوكيل لي و بعدها أسهب بقوله:
"من حقك أن تتعجب، و لكن هذا واقع لابد من تصديقه و الإيمان به و المحافظةُ عليه.. مكتسبات ناضلنا من أجلها جميعاً و لا يمكن أن نقبل بالتنازل عنها و العودة من جديد إلى الوراء.. مكتسبات و حقوق ضحينا و سنضحي من أجلها" "و ماذا يا سيادة الوكيل سيكون مصير هذا المواطن المتهم بمخالفته قانون المرور و الذي يحدد السرعة على الطريق" سؤال وجهته للسيد الوكيل؟

"مصيره السجن و الغرامة" رد سيادة الوكيل
"ماذا؟! سجن و غرامه؟!! أليس هذا كثير؟!!" هذا كان ردي السريع

"نعم يا سيد.. بعد أن وُضِعَ دستور جزيرتك الضائعة نص على أن المواطن هو أساس قيام هذه الدولة و هو الأصل الذي تدور عليه المقاصد و لهذا حمايته – نفسه، عرضه، ماله، و انتمائه الفكري و الديني – هي شغلها الشاغل، و همها الأهم.. و من هنا فكل القوانين و التي وضعت بعد ذلك وضعها المشرعون على هذا الأساس، و لأن المواطن و خلال عدة عقود من الضياع و التشتت و الفوضى لا بد له من قانون رادع يضبطه و يعيده إلى صوابه و رشده، هذه القانون تدعمه عدة إجراءات مهمة منها إعلام منضبط و مواكب لمسيرتنا هذه يرشِّد و يعلِّم، و قوة سياسية تحمي هذه القوانين و تدعم تطبيقه، و يبقى أنتم و من مثلكم من المواطنين الوطنيين الشرفاء أملُنا في نشر هذا الوعي داخل المجتمع" رد سيادة الوكيل و الذي لم يقنعني كثيراً لأنه لازال يدور في نفسي سؤال هو مربِطَ الفرس في هذا كله؟!

" سؤال أخير يا سيادة الوكيل"
"نعم تفضل"
قلت له:"و أين صارَ الأقارب و الأصحاب و الأحباب و ما كنا نسميه بالـ(واسطة أو الكتف)؟!"
ضحك سيادة الوكيل و قال:"لازلت تتذكَّر! إنها من مخلفات الماضي و يمكنك أن تعتبرها من جرائم العصور المظلمة"

"يا سيادة الوكيل ماذا لو حصل و تدخل مسئول كبير في الدولة و تم تجاوز القانون" هذا ما رددت به عليه..

انتفض سيادة الوكيل و قال:"كارثة.. مصيبة؟! لا يمكن أبداً؟!! هنا تأتي قوة السياسة و الإرادة الوطنية و التي تكلمنا عنها"
قلت:"و كيف"
قال سيادة الوكيل:"ستنقلب الأمور و تتطَّور، و تعاد المحاكمة لتشمل هذا المسئول المتجاوز لمركزه و حدود مسئولياته و تنتقل المحاكمة إلى محكمة أمن الدولة، و سيعتبر هذا التدخل جريمة في حق المجتمع و محاولة انقلابية على دولة القانون و مؤسساته القضائية المستقلة.. و يمكن أن تكون سبب في سقوط الكبار في الدولة، لأنهم موظفون لدى الدولة و هم تحت دستور و قانون الدولة، حالهم حال أي موظف في أي إدارة من إدارات هذه الدولة"..

قلت هل:"ممكن يا سيادة الوكيل التوسع في الشرح و تقول لي لماذا كل هذا؟!!"

قال سيادة الوكيل:"لأن جريمة الأول هي جريمة تمس الأمن القومي في أساسها و مبتداها؟! لأنها تمس بشكل مباشر أمن الإنسان المواطن؛ و هذا الإنسان المواطن هو كما أسلفنا رأس مال الوطن و الدولة و ذخرهما و ذخيرتهما، و المساس بأمنه و سلامته و الاستهتار بهما هو بمثابة المساس و الاستهتار بأمن الدولة، و من هنا فأي تدخل من قبل أي شخص كان مواطن مسئول في الدولة أو مواطن غير مسئول في الدولة يدخل في جريمة المساس بأمن الدولة بل و التحريض عليه؛ و هنا صارَ لابد من محاكمة المحرض المتجاوز و التشديد في الحكم عليه قبل محاكمة الفاعل الأول"

قاطعنا صديقي بقوله:"شكراً يا سيادة الوكيل على هذه المعلومات القيمة و نأسف على شغل وقتكم الثمين".. رد سيادة الوكيل:"أهلاً وسهلاً بكم و بأسئلتكم و استفساراتكم في كل وقت"

و بعد تحية الوداع.. قلت لصديقي:"ماذا دهاك هل ألجمتك جرأتي مع السيد الوكيل"؟
قال صديقي:"أبداً يا صديقي و لكن أردت أن أعطيك الفرصة الكافية لتعلم ما أعلم، و تفهم ما أفهم، و تؤمن به كما أؤمن به بل و مستعد للتضحية من أجله و حمايته و الذود عنه"

خرجنا حتى وصلنا أمام باب محكمة شمال المدينة.. ذلك الباب الكبير المهيب و العتيق أيضاً.. و نظرت إليه و قلت في نفسي "تغيير حقيقي.. قرار سياسي جريء".

بقلم: علي عبدالنبي العبار
13.07.2007
che_alhasawi@hotmail.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home