Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الأوطان الحقيقية والأوطان المزورة

أضع بين يدي القارئ الكريم هذه الرسالة التي وصلتني عبر بريدي الإلكتروني ردا على مقالي السابق "الأسلاك الشائكة والأحضان الدافئة"، وقد اخترت لها ـ بعد استئذان كاتبها ـ عنوان الأوطان الحقيقية والأوطان المزورة.

هند مصطفى البركي
hendabdo@yahoo.com

================================

الآنسة/ السيدة هند البركي

تحية طيبة وبعد

سيدتي الكريمة بداية اعتذر عن الكتابة إليك دون سابق معرفة، ولكني طالعت على الشبكة الالكترونية مقالا تحت عنوان "الأسلاك الشائكة والأحضان الدافئة"، والذي حرك الكثير من الأشجان والأحزان التي كنت اهدهدها بصبر نافذ لتبقى كامنة. منذ زمن ليس بالبعيد لملمت احباطاتي الكثيرة والكبيرة وقبلت رأس هذا الوطن المشعث، ورحلت دون اي رغبة مرة للعودة ثانية ولو لإلقاء السلام. وقد اجتمع عليّ سوء الحظ، والإلتزامات الإجتماعية المقيته، فرأيتني في ذاك المكان الذي أقسمت ألا تطأه قدماي مرة ثانية!!

ظللت اتعيش على ذكريات الأيام الجميلة، حيث الأمن والأمان والحرية التي عشتها ولامستها في شوارع لندن لعدة سنوات، محاولا قدر جهدي التكيف مع واقع لا يمكن لإنسان يحترم نفسه ان يتكيف معه، فجاء مقالك هذا ليهدم آخر قلاع الصبر التي خبأت خيبتي وراءها، خاصة وانك تكتبين من تلك البلاد التي طالما حملت لها مشاعر حميمية ومحبة، حتى قبل ان اعرف عنها الكثير، وكانت محبتي تلك لدولة فنلندا مدفوعة لحب كبير لأحد الرجال الكبار، والذي اختارها لتكون موطنا له. ذلك الرجل هو الصادق النيهوم، والذي كان له الفضل الأكبر في تفتح وعينا وإدراكنا على قيم المواطنة الحقة ومواصفات الأوطان الحقيقية.

اختار النيهوم تلك البلاد لأنها تسهم بكل هدوء وسكينة في قيادة خطى الانسان نحو بلوغ انسانيته الكاملة، بعيدا عن الجعجعة الكاذبة والصراخ والعويل الذي يحاول شد الإنسان وإرادته لعصر الديناصورات.

وبعيدا عن كل الأكاذيب التي ملأت بها رؤوسنا الصغيرة ونحن على مقاعد الدراسة عن الوطن الحبيب. الوطن أيّا كانت مواصفاته، بعيدا عن هذا العبث بالألفاظ وقلب الحقائق. فلا يمكن للبخيل ان يكون كريما، ولا يمكن لوطن الجور ـ الذي يقبع في قاع الجحيم ـ ان يكون عزيزا.

لقد كبرنا يا سيدتي واتسعت مداركنا وعرفنا كيف تعامل الأوطان الحقيقية أبناءها، وكيف تكرم انسانيتهم، ولم يتبق من كل تلك الأراجيف التي زرعوها في رؤوسنا الصغيرة سوى شبح لذكريات باهتة لسنوات طفولتنا التعيسة التي قضيناها في ساحات مدارسنا في برد الشتاء القارص، وتحت لهيب شمس الصيف تلهب رؤوسنا الصغيرة ونحن نردد نشيده ونحي علمه الذابل الذي رفض دوما ان يرفرف مهما علت اصواتنا.

نعم لقد كبرنا وادركنا الاوطان الحقيقية هي تلك التي تحقق للإنسان شروط انسانيته الكاملة التي وهبها الله له، وليست تلك التي تظل تصر عنادا على اعتبار الانسان هيكلا حجريا يجب بناءه وفق قياسات مسبقة، رافضا ان يدرك ان الانسان لا يبنى، لكنه ينمو مثله مثل بقية المخلوقات الاخرى.

الوطن الحقيقي هو ذاك الذي يختصر دوره في توفير أدوات النمو للإنسان ليتشكل كما أراد الله له، وكما أراد هو لنفسه. وأدوات نمو الإنسان هي ذاتها الادوات لنمو بقية المخلوقات. إنها وببساطة الشمس، والفضاء الرحب، والهواء. حيث الشمس هي دفئ الإخوة الإنسانية، والفضاء الرحب هو ذلك المتسع الذي يسمح لقامة الإنسان ان تتمدد كلما شم أنفاس الحرية والعدالة.

لعلّ أجمل ما قرأت في تعريف الأوطان ما كتبه الكاتب السوري زكريا تامر، إذ يقول الأوطان نوعان: أوطان حقيقية، وأوطان مزورة. الأوطان المزورة هي أوطان الطغاة، والأوطان الحقيقية هي أوطان الناس الأحرار. أوطان الطغاة لا تمنح الناس سوى القهر والفتنة، ومدنها لها صفات القبور والسجون، لذا فإن الولاء لأوطان الطغاة خيانة للإنسان، بينما التمرد عليها وعصيانها إخلاص للإنسان.

سيدتي الكريمة، أظن أن هذا هو التصنيف الصحيح للأوطان. أوطان حقيقية وأوطان مزورة. الأوطان المزورة هي التي صاغت منظومة قيمها بحيث يكون الإنسان هو المفردة الوحيدة الغائبة عنها، وليكون الحاكم بأمر شيطانه هو محور كل الأشياء، والتي لا تبقى لها وظيفة سوى التسبيح والتهليل بحمده. أما الأوطان الحقيقية فهي تلك التي صاغت منظومة قيمها ليكون الإنسان هو المبتدأ والمنتهى، وهو محور لكل الأشياء، والتي تكرس نفسها لمجد الإنسان ورفعته.

فالأوطان المزورة تغير المفاهيم وتقلب القيم، وتصبح للكلمات مدلولات مختلفة غير تلك التي خلقت لأجلها. حتى اعضاء الإنسان الظاهر منها والباطن تحول لتؤدي وظائف مختلفة لما خلقها الله لها. فقلب الإنسان الذي خلق لينبض بدفئ المشاعر الإنسانية يتحول في وطن الزور إلى بركة دم آسن مليئة بالشرور والأحقاد والضغائن، ويتحول بصر الإنسان الذي خلق ليسبح في فضاءات الله، ويردد ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، يتحول في أوطان الزور إلى بصر مزروع في الأرض يردد رب لما خلقتني سبحانك!!

في الأوطان الحقيقية تكون الحناجر مخلوقة لتنشد أناشيد السلام وألحان الحب، وفي أوطان الزور لا تصلح إلا للهتاف والصراخ. في الأوطان الحقيقة تكون وظيفة قبضات الأيدي المساهمة في شق طريقا للإنسان نحو الكمال الذي يصبو إليه، وفي أوطان الزور لا وظيفة لها سوى خنق الأنفاس وقهر الناس. وفي الأوطان الحقيقية تكون الألسن مخلوقة لتسبح بحمد الله، وفي أوطان الزور لا وظيفة لها إلا التسبيح بحمد الحاكم بأمر شيطانه الرجيم. في الأوطان الحقيقية خلقت الأرجل لتمشي بخطى ثابته نحو آفاق أرحب وأوسع، وفي أوطان الزور تكون وظيفتها المشي في جنازة الوطن الذي يذبح في كل يوم 1000 مرة ومرة.

سيدتي الكريمة، ماذا يتبقى من الإنسان إذا خسر إنسانيته؟؟ لا شئ نعم لا شئ. إن الأوطان غير قادرة على خلق الإنسان الحقيقي، في حين ان الإنسان الحقيقي قادر على خلق الأوطان الحقيقية، ولنا في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأسوة الحسنة. لقد هاجر الرسول الكريم فارا بحريته وانسانيته من الطغيان والقهر والإستلاب، ليؤسس المجتمع الإنساني الأروع والأجمل في تاريخ الإنسانية.

سيدتي الكريمة أرجو المعذرة مجددا على إقتحام خلوتك دون إذن، لكن الأشجان فاضت وكان لابد من الكتابة بعد ان حركت مقالتك الجميلة تلك كوامن النفس التي كنت اهدهدها بعد عودتي من لندن محاولا إيجاد الأعذار والمبررات الكاذبة لتضيعي حريتي بعد ان نلتها، ولعودتي إلى دائرة العبث الأبدي، والذي يسمونه الوطن.

أخيرا انا على يقين انه سيكون في وقتك متسع لقراءة كلماتي هذه، وسيكون في قلبك المحبة الكافية لتفهمها، لأن الفضاءات الرحبة التي توفرها الأوطان الحقيقية تمنح الإنسان من سعة الصدر، ولين القلب لتفهم أوجاع الغرباء.

لك صادق أمنياتي بدوام الهناء
.........
6 مارس 2007


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home