Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

ما هذا يا سيف !!!
حتى رسول الله لم يكن خطاً أحمر

كل ما ورد في خطاب سيف الإسلام في كفة، وقوله إن والده (معمر القذافي) خط أحمر في كفة أخرى. ورغم العديد من التحفظات على ما جاء في الخطاب، فضلاً عن التحفظ الأصلي على سيف نفسه، والمنطلق أو الشرعية التي يتحدث منها، فإن الأفكار التي تحدث عنها ربما تحمل في طياتها بعض البذور التي يمكن، إن وجدت البيئة الصالحة، أن تنتج بعض الثمار المعقولة، من قبيل الحديث عن الدستور والحاجة إلى مراجعة التطبيقات العملية لأساليب ممارسة السلطة الشعبية، والإشارة إلى إمكانية تبني أسلوب الانتخاب في بعض جوانب هذه الممارسة، بدلاً من أسلوب التصعيد الذي أفرز ما تحدث عنه سيف بتفصيل من المساوئ والمثالب والسلبيات. ولكن كل ذلك تم شطبه ونفيه تماماً بذلك الحديث المؤسف عن الخطوط الحمر، وخاصة ذلك الخط الرابع الذي هو (معمر القذافي).

ولعلنا يمكن ألا نختلف مع سيف حول الخطوط الثلاثة الأولى، بعد أن نتفق تماماً على المقصود منها على وجه الضبط والدقة، وهي: الإسلام والأمن الوطني والوحدة الوطنية، فهذه بالفعل ثلاثة من الثوابت التي يجدر أن يتم حولها اتفاق وطني بين جميع أبناء الوطن، على اختلاف مشاربهم ورؤاهم السياسية وانتماءاتهم العرقية والقبلية والجهوية، ولكن خلط هذه الثوابت بالفرد المسمى (معمر القذافي) فهو ما لا يمكن احتماله. فمعمر القذافي ما هو إلا أحد الليبيين شاءت الظروف أن يصل إلى أرفع المواقع في حكم البلاد، ثم يتمكن بمهارته أو بمعاونة أطراف ذات مصلحة في البقاء على رأس الدولة والحكم طوال أربعة العقود الماضية. ومن هذا المنظور فليس ثمة أي معنى لأن يكون معمر القذافي، مهما بلغ من العقل والحكمة وبعد النظر والحنكة السياسية، خطاً أحمر، بمعنى أنه يملك وحده الحقيقة كلها، وأنه لا يخطئ ولا يزل ولا يحيد عن الصواب، وأنه معصوم من الخطأ والزلل، وأنه لا يوجد أحد غيره، من الخمسة ملايين ليبي، من يمكن أن يكون له عقل وحكمة أو تجربة وخبرة، أو علم وتخصص، بحيث يجدر أن يُستَمع إلى رأيه، وأن يُنصَت إلى كلامه، وأن يُتوقع أن يكون لديه شيء مفيد وحكيم وصالح يقوله.

فهل هذا ما يريد سيف أن يحملنا على قبوله، أو يشتري قبولنا له بتلك المليارات التي يلوح بصرفها على مساكن وطرق ومستشفيات ومطارات، ومصالح مادية.

إن أحداً غير الله سبحانه وتعالى ليس خطاً أحمر، فكل البشر خطاؤون ومعرضون للزلل أو مجانبة الصواب، بمن في ذلك الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. ولقد حرصنا على أن نتخذ لكلامنا هذا ذلك العنوان الصارخ: حتى رسول الله لم يكن خطاً أحمر ، ونحن بالفعل نقصده تماماً، فتاريخ الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وما تعلمناه من سيرته مع أصحابه، ثم من تاريخ خلفائه الراشدين من بعده، يعطينا أروع الدروس في هذا الصدد، فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام علمنا أنه خارج إطار ما نزل الوحي به عليه من كلام ربه، وما كلف ببيانه من خلال سنته الشريفة، فإن هناك الكثير جداً من شؤون الحياة الدنيا ما هو مجرد اجتهاد بشري، يستوي فيه الرسول الكريم مع سائر البشر، ومن ثم فهو غير معصوم من الخطأ أو مجانبة الصواب، وعلمنا الرسول نفسه كيف أنه في مثل هذه الشؤون كان يعطي لأصحابه حرية كاملة في إبداء الرأي، مهما اختلف مع رأيه واجتهاده هو نفسه، وثمة حوادث معروفة مشهورة في سيرة الرسول الكريم تعطينا في هذا الصدد أروع المثل، وأفضل القدوة. ويكفي أن نذكر ما حدث في غزوة بدر الكبرى، حين وقف الحباب بن المنذر وناقش الرسول صلى الله عليه وسلم في اختياره الموقع الذي أنزل به جيش المسلمين، قائلاً له: أهو منـزل أنزلكه الله، فلا رأي لنا فيه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما قال له الرسول (ص) إنه الرأي والحرب، قال له بكل جرأة: إذن فليس هذا بمنـزل، ثم أبدى رأيه في الاختيار الذي كان يراه الأصوب. وعلمنا الرسول الكريم الدرس الأعظم والأرقى في الديمقراطية الحقة، حين أقر بصواب رأي الحباب، وخطأ الرأي الذي كان يراه هو.

ولسنا هنا بحاجة إلى سرد مختلف الأمثلة التي تزخر بها سيرة الرسول (ص)، ولكننا نكتفي بهذه الحادثة فقط لنتعلم منها الدرس الذي نريد أن نستخلصه، وهو أن القائد والرئيس والحاكم، لا يخرج في النهاية عن كونه بشراً، يجري عليه ما يجري على سائر البشر، يصيب ويخطئ، فضلاً عن كونه مجبولاً من النقص، لا يمكن أن يعلم كل شيء، أو يفقه في كل جوانب الحياة، ومن ثم فهو لا يقدر أن يقوم بشؤون الحكم وقيادة الرعية بدون الاعتماد على العلماء والمختصين في مختلف شؤون الحياة ومجالاتها، وأنه إن أصر على التصرف بمحض إرادته، وبالاعتماد فقط على علمه ورأيه، فسوف ينساق إلى الخطأ والزلل، وربما ارتكب من الأخطاء ما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من الكوارث والعواقب الوخيمة.

ولقد كان كثيرون يتصورون، وثبت أنهم كانوا مجرد حالمين، أن ثمانية وثلاثين عاماً ظل فيها معمر القذافي خطاً أحمر، لا يجرو أحد على تجاوزه، أو حتى التفكير في مخالفته، وظل فيها من فكروا في المخالفة معرضين للاتهام والملاحقة والتعرض لأبشع أنواع العقاب، كافية جداً لأن تشبع ما لعله كان يملأ نفس القذافي من رغبة طاغية في التسلط والتحكم والشعور بالعظمة والرفعة والسمو عن المخالفة والنقد، وأنه ربما يكون الأوان قد آن، وهو يتقدم في العمر، أن يثوب إلى الرشد، وأن يشرع في التفكير في إعادة الأمانة التي لم يفلح في صيانتها والمحافظة عليها، إلى أصحابها الشرعيين وهم أبناء الشعب الليبي، لكي يتشاوروا فيما بينهم، لعلهم يصلون إلى رأي يكون جديراً بأن ينتشلهم من وهدة الخراب والدمار والتخلف التي انتهوا إليها، ويفتح أمامهم بعض الآفاق لمسيرة جديدة، ربما تمكنهم من اللحاق بركب التقدم الذي تخلفوا عنه منذ زمن طويل، وتعويض قدر مما فاتهم.

مواطن من داخل ليبيا
سبتمبر 2007


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home