Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

في الذكرى الأولى لرحيلك يا أبي

مر عام ، هل حقاً مر عام ، كأن الحدث كان بالأمس فلم تجف المآقى بعد ، ولم تعرف البسمة طريقها إلى الشفاه بعد ، فلازلنا نعانى الصدمة .. صدمة الفراق وليس صدمة الموت ، فالموت حق ولكنه الفراق المر ..
لازلنا لم نستوعب الحدث بعد . لازال يتراءى لنا كأنه خيال وليس واقعا . نجد صعوبة كبيرة في الإعتراف بهذا الواقع وبأن الموت خطف منا خير الرجال ، وزينة الرجال ، وأقوى الرجال ، و أكرم الرجال وأوفى الرجال .. بإختصار خطف الموت منا أعظم الرجال ، والعظمة لله وحده من قبل ومن بعد . رجل عرف الطريق إلى قلوب الناس بمختلف طبقاتهم ، وهوياتهم ، وأماكنهم ، فدخل هذه القلوب وسكنها معززاً مبجلاً . هذه القلوب التى ما أن سمعت بخبر رحيله حتى تقاطرت من كل حدب وصوب لتبكيه بحرقة وتقول " نحنا نتعزَى فيه .. الوطن كلَه يتعزَى فيه"
وكانت هذه العبارة هى التى خففت عناَ ولوقليلاً عظم المصاب . فهذا هو الحب الصادق وهذه لمسة الوفاء التى ظهرت بدون زيف . هذا هوالحب الذى كان دائما - رحمه الله - مؤمن بأن الناس يكنونه له حتى وإن لم يعبروا عنه ، كان يقول دائما " الناس فيها الخير " وكنا نعارضه أحيانا ، وكان يقنعنا دائما بأن الناس فيها الخير . حقا - يا أبي - فبعد أن رأينا هذه الجموع الهادرة التى جاءت لتشاركنا مصابنا الجلل عرفنا أن ( الناس فيها الخير ) . وأنا أعرفك ياأبي عندما تؤمن بشىء فإنه يكون هو الصواب بعينه .
ماذا أقول ياأبي ، إنني لا أجد الكلمات التي تعبر عماَ بنفسي ، هل أقول أنك لم تغب عناَ أبداًَ ، وأنك لازلت بيننا . نعم يا أبي لازلت ممددا على فراشك الطاهر وحولك الأبناء والأحفاد ، ولازلت تسأل عن أحوال كل منا على حده ، ولازلت تنصح ولازلت توَجه ، لازلنا نسمع تلك الكلمات الطيبة ، وتلك الدعوات الصالحة كل صباح ومساء . لم أنس بعد أحاديثى الصباحية معك وأنت تتناول قهوتك ، ولم أنس تكملة النقاش مساء في جميع الموضوعات التى بدأناها صباحا . كنت تحدثنى عن كل شىء ، عن ماضيك وعن حاضرك ، كنت تردد دائما " الحمد لله ليس في حياتي ما أندم عليه فتاريخي ناصع البياض " .
حقا وصدقا كان ولازال تاريخك ناصع البياض . لازلت أذكر قبل أن ترحل بسويعات ، كنت أجلس بجانبك استمع إلى حديث من أحاديثك الشيَقة ، كنت أنصت واضعة يدى تحت خدَى مصغية بكل كياني لما تقول ... فجأة قطعت الحديث وسأ لتني " لماذا تضعين يدك تحت خدَك .. لا تخافي ... لا تخافوا جميعا ، لقد تركت لكم تاريخا مشرفا " لم أكن أدرى أن هذه الجملة ستكون آخر الحديث معك ، لم أكن أعلم أنك سترحل بعدها.
حقا يا أبي إنه تاريخ مشرف لم تصنعه بيسر وسهولة فقد أخذ منك الكثير من الوقت والكثير من المعاناة والجهد ، والكثير الكثير من الصبر ليظهر بهذه الصورة المشرقة التى وضعتك في مصاف الرجال العظام الذين يذكرهم التاريخ بكل فخر .
إنني يا أبى مهما كتبت ومهما قلت فلن أوفيك حقك ، فأنا عاجزة تماما عن التعبير عما يختلج بنفسي ، ولذلك فإنني لا أجد خيرا من ترديد بعضا من أبيات قالها في رثائك بعض من المخلصين في هذا الوطن .
قال إبن أحد رفاقك :
لا الدمع يجدى ولايفيد رثاء      رحل الذى زانت به العلياء
لئن غبت عنا ياحسين فإنما       ذكراك تبقى في القلوب بهاء
وإن حاد عنا في الحياة بجسمه      بقيت لنا في ذكره أصداء
ملاء البلاد بطولها وبعرضها      صيتا يعم بنوره الأرجاء
صيتا ستذكره الأجيال ما بقيت      صيتا تطاول في العلا الجوزاء
فيه التواضع شيمة وخليقة      فيه المروءة جودة وعطاء
فيه السماحةدون أى تكلف      زادته بين قرانه إثراء
فيه من الأدب الجميل كياسة      وهبته عند العارفين ولاء
فيه من الحلم الكريم لطافة      شهدت به الأنداد والأعداء
فيه من الخلق الرفيع رجاحة      قول وفعل صادق ونقاء

وقالت ( بنت برقة ) :
ولمثله يأتي القريض طواعية      و بمثل صيته يفخر الاطراء
فالمدح في غير الحسين نقيصة      و القول قي غير الحسين هراء

ثم قالت :
يا ابن برقة ودعتك بدمعها      وبكت عليك البيد و الخضراء
خلدت من أسد و سيف قاطع      والحق لا تأتي معه الخيلاء
قد عشت في الدنيا حياة صافية      بسموها دانت لك العلياء
أرقد رفيق الصالحين فانما      جيرانك الأبرار والشهداء

ليس هناك من كلام بعد سوى الدعاء إلى الله أن يغفر لك ، وأن يجازيك بالأحسان إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً ، وأن ينقلك من ضيق اللحود إلى جنات الخلود .. آمين

فتحية


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home