Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

محاولة يائسة لإنعاش سلطة الشعب المحتضرة

ما تداولته الأخبار من حديث العقيد القذافي إلى ما يسمى "الرفاق" ومن بقي من الضباط الأحرار، هو في تقديري محاولة أخرى يأمل "القائد" من خلالها ابتداع نوع جديد من الدواء، عساه يفلح في إدامة النبض والحياة في جسد سلطة الشعب المسجى منذ سنين عدة، وهو في حالة موت سريري، بعد أن ظلت أنماط الأدوية التي لم يتوقف العقيد عن اختراعها واحدا تلو الآخر، تفشل في علاج العلة الكامنة، أو التخفيف من أعراضها التي أخذت تظهر على السطح في مختلف الأشكال.
فقد جرب القائد صيغة "اللجان الثورية" ثم بعد عدة سنين اخترع صيغة "القيادات الشعبية الاجتماعية"، ثم أردفها بمسميات أخرى لصيغ تتمحور حول شخصه، فظهرت صيغة "رفاق القائد"، وصيغة "مواليد الفاتح". لكن هذه الصيغ جميعها لم تكن لتفيد شيئاً في مواجهة حقيقة العلة، التي يرفض العقيد القذافي أن يعترف بها، ويصر على إنكارها وتجاهلها، وهي أن المسألة تتعلق بفشل النظام السياسي الذي ظل نموذجاً صارخاً وفجاً للحكم الفردي الطاغوتي الاستبدادي، بالرغم من محاولته المفضوحة للتلبس بلبوس الديمقراطية، تحت مسماها الذي باتت تعرف به وهو "سلطة الشعب"، أو نظام الديمقراطية المباشرة. ومن ثم فإن علاج هذه العلة لابد أن يواجه الجرثومة التي سببتها، بأنواع العلاج المناسبة، حتى يقضي عليها، فتزول بالتالي جميع الأعراض التي نجمت عنها.
ولقد ظل المخلصون من أبناء الوطن ممن أدركوا هذه الحقيقة، مهما اختلفوا في التبكير أو التأخر في بلوغ مرحلة الوعي بها، يؤكدون على أن العلة نجمت عن تسرب جرثومة الاستبداد والحكم الفردي إلى جسد البلاد، من خلال ذلك الانقلاب العسكري الذي ظهر للكثيرين للوهلة الأولى في هيئة المنقذ والمخلص والمبشر بالانعتاق والحرية والتقدم، وظلوا يؤكدون على قناعتهم التي ما زالت ثابتة وراسخة في أنه لا علاج لهذه العلة إلا بالقضاء على تلك الجرثومة، وإعادة الأمر إلى أصله، وهو الشرعية النابعة من إرادة الشعب واختياره الحر.
وسوف تظل الأزمة قائمة، وسوف يظل الخلاف مستفحلاً ومتصاعداً بين القذافي ونظامه وجميع أولئك الذين يعترضون على استبداده بالحكم وانفراده به وتسلطه عليه، حتى يبلغ القذافي أحد الأجلين: إما نهاية وجوده في الدنيا، حين يحين أجله ويتوفاه الله سبحانه وتعالى، ليلقى في الآخرة جزاءه وحسابه، أو الرجوع إلى الحق والاعتراف بالخطأ الذي ارتكبه وظل يتمادى فيه طوال عشرات السنين، مصراً على أنه هو عين الحق والصواب، ومن ثم يقرر انتهاج سبيل الفضيلة فيقرر إعادة الأمانة وهي "الشرعية" إلى صاحبها الذي انتزعت منه وهو "الشعب الليبي"، ويقرر في هذه اللحظة ذاتها أن يكفر عن بعض الجرم الذي ارتكبه بأن يتعهد برعاية هذه العملية بنفسه، والإشراف على أن تتم بطريقة سلمية طبيعية متدرجة، تؤدي إلى بلوغ الغاية، مع ضمان وقاية البلاد والشعب من أخطار التردي إلى هوة المجهول، وما قد تنطوي عليه من كوارث.
ويعتقد كثيرون أنه قد باتت تظهر أمام القذافي في السنوات الأخيرة فرصة ثمينة لكي يخلص نفسه من المأزق الذي انتهى إليه على صعيد شخصي، وأدى بالبلاد إليه على الصعيد الوطني العام، بطريقة قد تكون أقل مخاطرة، وأفسح آفاقاً، وذلك بأن يقبل اليد التي يمدها إليه أولئك الذين ينهجون نهج الإصلاح في المعارضة الليبية، داخل البلاد وخارجها، كي يتعاونوا معه في اتخاذ ما يلزم من إجراءات وخطوات لإنقاذ الوطن والشعب من المأزق، والبدء في مسيرة إصلاح ما فسد، وعلاج ما اعتل.
ويرى هؤلاء أن بإمكان القذافي أن يتعظ من الدرس التاريخي الثمين الذي عليه أن يستفيده من تجربة الرئيس العراقي صدام حسين، فهؤلاء، ويؤيدهم في ذلك الكثير من العراقيين أنفسهم، يحسبون أنه كان بوسع الرئيس صدام أن يوفر على نفسه وذويه ومعاونيه وأنصاره هذا المصير البشع المؤلم الذي انتهوا إليه، لو أنه ركن إلى الحق، واعترف بالخطأ، وقرر بإرادته أن يعيد أمانة الحكم التي لم يستطع أن يصونها إلى صاحبها الشرعي وهو الشعب العراقي. ويظن هؤلاء جميعهم أن الرئيس العراقي كان سيحقق لنفسه مكسباً تاريخياً لا يقدر بثمن، ذا وجهين متقابلين: أحدهما تكفيره عن بعض الذنوب التي ارتكبها في حق العراقيين، والثاني إسهامه في عملية الإنقاذ والخلاص، بإشرافه على ما يلزم من خطوات لنقل البلاد من حالة الحكم الفردي إلى حالة الشرعية.
ولعلي لست أول من تطرق إلى هذه الفكرة من الكتاب الليبيين الذي أشاروا إليها في سياق كتابات عديدة نشرت في المواقع الإلكترونية المختلفة، وأرى أنه لا ضير في أن نظل نعيدها على أسماع العقيد القذافي، وعلى أبنائه وأعوانه وأنصاره، وهم جميعهم أصحاب مصلحة في انتهاج هذه السبيل، لأنها هي السبيل الوحيدة التي قد تفلح في تحقيق عدة أغراض جليلة في الوقت ذاته، أهمها توفير الظروف الملائمة لقيام مصالحة وطنية تضمد الجراح وتزيل الحزازات والضغائن الكامنة في النفوس، وتهيئ الجميع لضم أيديهم في أيدي بعضهم البعض، للاتفاق على متطلبات إعادة ترتيب الأوضاع في البلاد، بما يحقق الأهداف الوطنية الثابتة وهي استعادة الشرعية الدستورية، ومن ثم تأسيس الحكم الديمقراطي التعددي، الذي يؤمن الجميع بأنه الطريق الوحيد الممكن لتمكين الشعب الليبي من استئناف مسيرته التي انقطعت طوال ثمانية وثلاثين عاماً على درب التقدم والنهضة والازدهار.

د. عبد الله جبريل
Abdullah_jibreel@yahoo.com
11 اكتوبر 2007


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home