Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

رد على المحامي الشارف الغـرياتي

الدستور مؤسس للدولة.. أم الدولة مؤسسة للدستور..؟

بادءا ذي بدأ أحمد الله سبحانه وتعالى الذي سخر أحد الأخوة العرب وهو د. الحسين ولد الشيخ العلوي في رده على ما كتبه المحامي الشارف الغرياني في مقال إلكتروني في موقع ليبيا وطننا بتاريخ 15/4/2007 بعنوان هل في ليبيا الآن دستور وهو رد علي مقال سابق تحت عنوان "الدستور وما أدراك ما الدستور"، الذي نشر بموقع ليبيا وطننا بتاريخ 11/4/2007 وفي الوقت نفسه آسف جداً لما آل إليه – حال من يسمون أنفسهم "بالمعارضة"، والذين لا يعرفون ولا يدركون ما يدور في وطنهم.. ويعيشون مع الأموات.. فشكراً مرة أخرى د. الحسين ولد الشيخ العلوي.
شأن كل الليبيين وغيرهم داخل العالم العربي، تابعت بتعمق شديد أبعاد وطبيعة الجدل الذي أثاره الكثيرون حول موضوع الدستور في الجماهيرية فكتبت مقال بعنوان "الدستور وما أدراك ما الدستور" على موقع ليبيا وطننا، وما تخلله من مواقف حّدية باتت ملمحاً مميزاً للنقاش الدائر حالياً في الساحة العربية، في كل القضايا التي تهم وتمس الممارسة السياسية والشأن العام. وبعيداً عن تشعب هذا الجدل وتطرقه لقضايا ومواضيع متعددة صاحبت موقف كل فريق مؤيد أو معارض للمضامين الرئيسية التي أثارها المقال، وانطلقت من طبيعة مواقفه وموقعه من منظومة الفعل السياسي الليبي، أو حسب إخواننا اللبنانيين فريق الموالاة وفريق المعارضة. فأنني أود هنا أن أعيد البحث إلى النقطة الرئيسة، والتي انطلق منها الجدل وتشعب فتاهت وسط حّدة هذا النقاش، وهي مسألة الدستور.. والتساؤل الموضوعي هل يوجد في الجماهيرية الليبية دستور حاكم ومؤسس للممارسة السياسية الداخلية..؟ أو لا يوجد دستور بالمرة، وإنما هي العفوية والعشوائية في الممارسة السياسية..؟
في البداية دعونا نتفق على بعض المسلمات الرئيسة، والتي أرى أنها ضرورية لبلورة الجدل والنقاش حول تلك النقطة تحديداً، وحتى يكون على أسس موضوعية بعيداً عن الارتباط السياسي المؤيد أو المعارض لنظام الحكم في الجماهيرية.
أول تلك المسلمات استحالة الاجتماع السياسي - الإنساني بدون آليات وضوابط حاكمة تحدد آليات التعامل داخله بشقيها: بين مكونات هذا المجتمع ذاتها، أو بينها وبين السلطة العليا داخله. فبدءاً من أصغر وأبسط وحدة تنظيمية من ناحية الاجتماع السياسي وهي القبيلة، إلي أرقاها تطوراً من ناحية التنظيم وتشابك العلاقات والمصالح وهي الدولة المعاصرة حيث شيوع مفهوم المجتمع المدني داخلها، فهناك حتماً أطر وضوابط تنظيمية تحكم وتضبط وتفصل في العلاقات بين تلك المكونات، وإلا أصبحت الحياة مستحيلة بالمرة، كما أن هذا النفي يتعارض مع فكرة التنظيم من الأساس. وهذه الأطر الحاكمة يمكن الاصطلاح على تسميتها عرف، قانون مدني، دستور.. أياً كان المسمى فهناك حتماً أطر تنظيمية حاكمة للمجتمع، تنفي شيوع فكرة العشوائية.
فهذا العقد الاجتماعي سواءاً تم تأطيره في شكل وثيقة مكتوبة جامعة، أما إذا استمر عرفاً ومجموعة وثائق باتت بحكم القانون وثائق محددة ومنشأة لهذا الدستور، فهو الرابط والحاكم للتفاعلات بشقيها التعاوني والصراعي داخل المجتمع. ومن ثم لا يكون الخلاف حول نفي وجود الدستور من عدمه..! وإنما اتساقه مع الحركة التاريخية للمجتمع الليبي من ناحية، واتساقه مع الخبرة الإنسانية في عمومها من ناحية أخرى. وما نريد أن نصل إليه تحديداً هو أن الخلاف حول التوصيف والتكيف القانوني لما أصطلح على تسميته بالدستور، يجب أن لا ينفي الجوهر وهو الوجود في حد ذاته لأطر قانونية ضابطه للمجتمع...
ثانياً، أن الربط القسري أو الشرطي لازماً وعدماً بين كيان الدولة والاعتراف به قانونياً وسياسياً، ووجود الدستور المكتوب غير صحيح من الناحيتين المنطقية - الفلسفية والسياسية - العملية. فالحكم على النظام السياسي الليبي بالتخلف والفساد والشللية... وما لآخر تلك الأحكام القطعية بسبب عدم وجود وثيقة سياسية جامعة تحت مسمى الدستور، كما هو الحال في أغلب الدول المعاصرة، هو حكم وتقّويم غير موضوعي بالمرة. فالديمقراطية الأولى التي شهدتها الإنسانية في "جمهورية أثينا" في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد لم يكن لها دستور مكتوب يحدد نمط الممارسة السياسية داخلها، وإنما كانت مجموعة من الأعراف والنصوص المتفرقة التي بلورت مع مرور الزمن ملامح هذه الخبرة الديموقراطية الأولى في الحياة الإنسانية. والحال لم يختلف كثيراً في الديموقراطية الثانية التي بلورتها بريطانيا منذ القرن السادس عشر، أحد أعرق الخبرات الديموقراطية. إذ حتى تلك اللحظة لا يوجد اصطلاحاً بالدستور البريطاني المكتوب يمكن الحصول عليه من أية مكتبة عامة لدراسة وتقّويم النظام السياسي البريطاني، ونوعية الممارسات داخله. فأنت يمكن أن تذهب لأية مكتبة عامة في الولايات المتحدة أو فرنسا وألمانيا أو حتى في مصر تطلب نسخة من الدستور وتحصل عليها بسهولة، من خلال بنوده الواضحة يمكن تقّويم طبيعة النظام السياسي ورموزه السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، العسكرية... وماهية الدولة ونظامها السياسي. ولكن هذه الوضعية غير موجودة بالمرة في بريطانيا فليس هناك وثيقة سياسية مكتوبة تسمي الدستور البريطاني، إنما هناك مجموعة من الأعراف والقوانين التشريعية التي أصدرها مجلسي التشريع العموم واللوردات التي أخذت صفة الدستورية بمرور الزمن.
وما نريده قوله هنا أن عدم وجود وثيقة سياسية - جامعة تحت عنوان الدستور، لا ينف عن الدولة وجودها أو وجود نظام سياسي - قانوني محدد داخلها، أو أطر تنظيمية تحدد العلاقات سواء بين مكونات المجتمع المدني أو بينها وبين السلطة العليا. واتفاقنا أو اختلافنا على نوعية تلك الأطر التنظيمية لا ينفي وجودها كمحدد حاكم ومنشئ للتفاعلات داخل الجماهيرية.
ومثل هذا الجدل الذي تابعته على الإنترنت، هو جدل صحي وطبيعي فكل طرف يحاول أن يستنهض كل ما لديه من أفكار وقيم ويسقطها على الواقع بغرض دعم التيار الذي يمثله وتحديداً المعارضة التي تقدم مصوغات وجودها المادي.. ولكن دون أن ينفي ذلك عبثية الجدل من أساسه، فالتساؤل المصاحب له القائل... هل الدستور مؤسس أو منشئ للدولة.. أم أن الدولة الحديثة هي مؤسسة للدستور..؟ فلكل مجتمع خصائصه وسماته المميزة لتكويناته الاجتماعية، ما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لآخر، وفكرة القيم الإنسانية العامة والمشتركة هي حق يراد بها باطل، فإذا ما تجاوزنا الحيز الديني لهذه الفكرة الذي لا خلاف حوله.. فإن الأبعاد السياسية، الاجتماعية، والاقتصادية فيها باتت تتسم بطابع الجبر والإكراه بهدف تبرير مصوغات العولمة الراهنة في مسودتها الليبرالية - الغربية، التي يتم ترويجها بهدف القضاء على الخصوصيات الثقافية للمجتمعات غير الغربية.
وفي هذا السياق يمكننا أن نعود للمتون الفكرية التي نظمت حياتنا السياسية المعاصرة.
فـ جان جاك روسو في كتابه "العقد الاجتماعي" اعتبر الممارسة السياسية تعاقد ضمني بين جمهور من الناس وممثلين عنهم مفوضين ضمنيا من الناخبين, وإن أشار روسو إلي استحالة التعاقد الشفاهي أو الكتابي لعموم الناس!!
والمفكر هوبز وضح أن منظومة القيم الاجتماعية بما فيها النسق الديني العام ضابط للممارسة السياسية وتحديدا في شقها القانوني.
أما اجلز فقد ذهب بعيدا في تصوره للتعاقد الضمني حين أسس مع زميله ماركس لحكم البروليتاريا ذي الطابع الجبري في نداءهما الشهير لشغيلة العالم عبر "جمعية الشغيلة العالمية" العام .1864
من هنا نخلص إلي أن حتى الدساتير المكتوبة لا تضبط وتنظم إلا الملمح العام فقط للممارسة السياسية.
ولعل أطرف ما كتب في هذا السياق ما أورده المفكر الفرنسي الشهير مونتسيكيو في كتابه الذائع الصيت "روح القوانين" والذي وضع الأسس لنظام فصل السلطات.
الطريف أن مونتسيكيو بحث في هذا الكتاب العلاقة بين الأعراف والأخلاق والقوانين المحلية من جهة، وطبيعة المناخ والتضاريس والدين من جهة أخرى.. وفيما يخص تأثير المناخ على أمزجة الشعوب قال:
فكما نستطيع تمييز أنواع المناخ بخطوط العرض نستطيع بواسطتها أيضاً تمييز طبائع الشعوب (وأمزجتها). فالمناخ له تأثير مادي مباشر على الأعصاب والعضلات ومن ثم على تصرفات الناس وأخلاقهم العامة..
فحيوية الناس تكون أكبر في المناطق الباردة مما يؤدي لنتائج جيدة حيث ينجزون أكثر وتكون لديهم ثقة بإمكانياتهم وشعوراً أكبر بتفوقهم وإحساساً أقل بالغيرة والشك والرياءالسياسي...
أما في المناطق الحارة فتبلغ الحرارة من الارتفاع حداً يصبح الجسم معه بلا حول ولاقوة فينتقل ذلك إلى العقل نفسه فينتج عنه سلبية الأفراد فلا حب للعمل ولا الاطلاع ولاقدرة على إكمال المشروعات الجبارة مع عدم التأثر بالعقاب وميل للاستعباد والخضوع السياسي. والكسل المسيطر على شعوب المناطق الحارة يجعلها تتخذ مواقف سلبية ينتج عنه روح المحافظة والخوف من التجديد. في حين يسود حب التغيير والتجديد المناطق الباردة (انتهى كلامه).
لقد اثبت العلم جزء من هذه التصورات ولكن الإيغال في هذا الطرح قد يجر إلي شوفونية مقيتة لعلها كانت السبب وراء الاستعلاء الغربي.

بعد هذه الأرضية، ننتقل لفكرة الممارسة السياسية التي تحددها سلسلة القوانين أو الأعراف المؤسسة لاصطلاح الدستور داخل الجماهيرية. فالنظام السياسي الليبي في طور تكوينه الراهن انطلق من حلم توليد أو تخليق نظام سياسي يحقق فكرة العدالة والمشاركة التامة لكافة المكونات المجتمع الليبي بدون وسائط.
والذين يرون الفجوة الكبيرة بين المثال والحلم ويحسبونها مسالة ضد النظام الليبي فإنهم يستقرءون التاريخ بطريقة مغلوطة, فإيغال الفكر السياسي الليبي في المثالية مرده شمولية الرؤية وتجاوزه للحيز الزماني والمكاني للدولة الحاضنة وهذه سمة صاحبت الأفكار الكبرى التي شكلت منعطفات تاريخية حادة وأسست للعالم بعدها.
وقد ساعد الأخ القائد على الدفع بهذا الحلم لمجال التطبيق الواقعي ليس الرؤية الحاكمة إلى ما ينبغي أن يكون عليه، وهي رؤية تتسم بقدر عال من المثالية، وهو اتجاه متعارف عليه وله أنصاره في التفكير السياسي فحسب، وإنما أيضاً لطبيعة السمات الطبوجرافية (العلاقة التي تحدد نمط تفاعل الإنسان بالمكان الذي يعيش فيه) للمجتمع الليبي، فعدد السكان قياساً لمساحة الأرض يشكل منطق مبدئي لهذا الحلم الذي يقوم على إعادة الممارسة الديموقراطية لأصولها الأولى (المشاركة المباشرة في آلية صنع القرار، والتي ميزت أولى التجارب الإنسانية في المجال الديموقراطي: جمهورية أثنيا).
إذ يجب أن ندرك أن كافة أعمال التطوير المفهومي والمؤسسي في المجال والممارسة الديموقراطية السياسية أتت للحفاظ على هذه الأصول، من خلال بلورة فكرة المؤسسات والهيئات الوسيطة التي تقوم بدور محوري في عمليات التفاعل بشقيه: الرأسي والأفقي بين السلطة والمجتمع. ولذا فإن التعددية السياسية من خلال المؤسسات الوسيطة كالأحزاب وجماعات المصالح... ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق الديموقراطية، يشوبها العديد من العيوب والسلبيات التي بدأت تتسع فجوتها مؤخراً ليس في البلدان التي شهدت تجارب وليدة في للديموقراطية داخل الكتلة الشرقية سابقاً، وإنما داخل العالم الغربي ذاته.
والقضية هنا ليست في الفجوة الطبيعية ما بين التوقعات والواقع المعايش فحسب، وإنما أيضاً في قدرة هذا الواقع بتكويناته المجتمعية والرسمية على تقبل هذه التوقعات والآمال الكبرى والعمل بإخلاص على تنفيذها من خلال الإيمان واليقين بها. قد أتفق مع الكثيرين حول وجود العديد من السلبيات في الممارسة السياسية داخل ليبيا، فالشعب الليبي شعب ليس مكون من الملائكة، وإنما هم بشر عاديين، بعضهم آمن بالحلم وسعى لشيوعه بأقصى ما لديه من قوة، والبعض الآخر حاول الاستفادة من الحلم لتحقيق مصالحه الشخصية، والتي اصطدمت بالحق العام للمجتمع.
والإشكالية هنا كانت في القانون وليس في تجاوزه.. فالقانون حدد أبعاد ممارسة الحق العام وتحديداً نقد ومعارضة الإجراءات التي يقوم بها النظام ومؤسساته من داخل الأطر التي حددها، وهي المؤتمرات واللجان الشعبية التي أنيط بها بلورة آليات الممارسة السياسية داخل نظام الحكم الليبي. ولذا كانت عملية بلورة أشكال من المعارضة بعيداً أو من خارج تلك الآليات اعتبرت خارجة على القانون، وفي أحيان كثيرة استخدم العنف لمواجهتها والتعامل معها. وبالتأكيد فإن مبدأ استخدام العنف في التعامل مع القضايا السياسية، بكافة درجاته غير مبرر من الناحية الأخلاقية، ولكننا أمام إشكالية أخرى، هي خروج بعض الأشخاص أو التنظيمات الاجتماعية السياسية أو الاجتماعية، على الأطر التي وضعها النظام للممارسة السياسية، وهي بحكم القانون أفعال غير مبررة ومجرمة.
فالسياسية في التحليل المبسط، هي بمثابة ملعب كرة قدم، لا يمكن أن تكون فاعل داخله من الناحية القانونية إلا من خلال المعلب ذاته ليس من خارجه.. فأما أن تكتفي بالمشاهدة أو تنزل المعلب وتلتزم بالقوانين الحاكمة للممارسة السياسية داخله.
وإشكالية المعارضة الليبية تبدو في رفضها لهذا السياق المؤسس للممارسة السياسية، ورفضها العمل من داخله.. ثم تنتقد أفعال وممارسات النظام بحقها في ممارسة الحق العام..!!

د. يوسف أمين شاكير


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home