Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
جهود رجال المخابرات العربية فى الميادين الليبية

جهود رجال المخابرات العربية فى الميادين الليبية
بقلم حسين الفقيه عبدالملك

المقالة من ارشيف مؤسسة (المنار)

لايستطيع قلمى فى هذه الصفحة أن يعطى للقراء ولو صورة مصغرة عما قام به رجال الجيش السنوسى خلف الخطوط المحورية فى الأراضى الليبية خلال ثلاث مراحل من مراحل القتال المرير، وأثناء الانسحابات والاحتلالات المتعاقبة، ذلك لأن أعمالا لاحصر لها من تلك الأعمال التى تستحق التسجيل بمداد الفخار على صفحة الخلود، لم يقدر لها أن تعرف من الكثيرين كما يجب، لا جهلا بقيمتها ولكن لأن الرجال القائمين بها كانوا من الإخلاص والكبرياء فى وطنيتهم وانسانيتهم بدرجة لايرون بعد نجاح أعمالهم أية قيمة لمنافعهم الشخصية، عالمين أن المنفعة العامة هى وحدها التى ستجنى كال الثمار المرتقبة. ويكفى أن ندلل على هذا بما نشرته الصحف العالمية منذ أمد عن كبار الإنجليز، من أن الليبيين كانوا يخترقون خطوط العدو ويشقون الصحراء، حاملين معهم الضباط والجنود من الجيش الثامن المتخلفين فى الانسحابات، ويأبون فى كثير من الاحايين إعطاء أسمائهم أو تناول الأجور عن اعمالهم.
لايسعنا والحالة هذه ألا الاكتفاء بإشارة عابرة لبعض من تلك الصور الرائعة، حتى تسنح الفرصة بلم الشعث لما سيظل عنوان البطولة والتضحية فى سبيل نيل الحق وإعلاء سلطانه.
كنا فى أغسطس سنة 1940م. وقد سقطت فرنسا، بينما بريطانيا العظمى تجتاز أخطر مرحلة فى تاريخ إمبراطوريتها، والعالم يكتنفه اليأس للموقف الدقيق، وإذا بسمو أميرنا السيد محمد إدريس السنوسى يمد يده للانجليز للتعاون العملى على مقاومة العدو المشترك، فتألف الجيش السنوسى من المهاجرين البرقاويين والطرابلسيين فى الاراضى المصرية، وتخصصت لتدريبه البعثة العسكرية البريطانية رقم 102. ولم يمض وقت الإ والجيش على أتم استعداد بضباطه الوطنيين، ومنهم الكثير من الضباط القدماء فى حرب الليبيين ضد إيطاليا (1911 – 1931).
علم الليبيون فى بلادهم بالنبأ العظيم من إذاعة لسمو الامير المعظم، فجاءت الإشارات من رجال القبائل بالتأييد وتسرب الجنود الليبيون الذين جندهم الإيطاليون فى صفوفهم إلى خطوطنا، وكانت اتصالات دائمية تكشف عن استعداد العدو وعدده، وترسم الخطط وتهىء الغرض حتى كان هجوم ((ويفل)) على سيدى برانى واحتلال برقة، فتقوى الجيش السنوسى بما انظم له من الأسرى الليبيين الذين رفضوا القتال مع الطليان. ومابدأ الجيش الثامن ينسحب انسحابه الاول، حتى كان الضباط والجنود من الليبيين والبريطانيين متفرقين فى أرجاء برقة بين منتجعات القبائل، ولكل نصيبها، وهم على اتصال لاسلكى مباشر بالقيادة العليا فى مصر، يرصدون كل حركة من حركات الأعداء، حتى أن الميجر بينيكوف وصل بنفسه بواسطة الليبيين إلى ميناء بنغازى ، وتجول فى المدينة البيضاء وتقابل مع روميل القائد الألمانى الشهير. وإذا جئنا إلى الإشارة العابرة لبعض الأعمال الخاصة التى قام بها أفراد الجيش السنوسى، بالتعاون مع البريطانيين وراء خطوط الاعداء، وجدنا فى الطليعة، تلك المغامرة الكبرى للإيقاع بروميل فى مقر قيادته بالبيضاء. فقد كان من حسن حظه غير موجود ساعة دخول رجال الحملة إلى القيادة، رغم الحراسة الشديدة والسور الفولاذى من الرقباء.
وفى حصار طبرق كان الضباط العرب الليبيين والإنجليز يخترقون فى مهارة الحصار ويتصلون بالمنتجعات القريبة، راجعيين بالمعلومات الثمينة حول حركات الأعداء. وكان مرة أن تسلل الملازمان الأولان محمود أفندى بوقويطين ومفتاح أفندى سليمان برفقة الكابتن هزلن، وأخذو علما بموقع البئر الذى تعتمد عليه القوات المحورية، وماكادوا يستقرون بعد عودتهم حتى كانت الطائرة القاذفة تحلق فوق الهدف مفرغة فيه حمولتها.
وفى عام 1941م. وبعد انسحابنا الأول من برقة، انتدب كل من الكابتن ترنتو والملازم الثانى بن على باشا العبيدى وكاتب هذه السطور، للاتصال بعلى باشا فى الجبل الأخضر وتنظيم حركة المخابرات السرية، وكانت رحلة عن طريق سيوه ووصلت بنا السيارة إلى مسافة 30 كيلومتر عن منتجع العبيدات، ولكننا ضللنا الاتجاه عندما أخذنا فى السير على الأقدام بعد إخفاء السيارة، لولا تراءى لنا شبح رجلين وكنا نرتدى فوق زينا العسكرى الملابس العربية الليبية ، فاتصلنا بهما معلنين لهما بعد مراوغة لم تجز عليهما حقيقة امرنا، وماكدنا نريهما رسالة سمو الأمير التى نحملها، حتى أخذا فى تقبيلها وسارا بنا إلى مخيم على باشا فلم نجده شخصيا، ولكن أفراد من عائلته انتحوا بنا ناحية، وإذ كنا فى انتظاره، لمح أعرابى طويل القامة سجائرنا، فقال ((إنى أراها سجائر انجليزية، فلعل هؤلاء إنجليز)) فقال له أحدهم (( اذهب ومايعنيك من هذا)) فأجابه ((ليس يعنينى شىء وأى شىء إذا كان هؤلاء من الإنجليز... إن لدى منهم اثنين ياتوننى كل مساء فأقاسمهم مافى البيت...)).
وفى المساء كنا فى خيمة واسعة مع على باشا، والجنديين البريطانيين، وقد جاء بهما ذلك الأعرابى ، وكانا قد هربا من المعتقل منذ شهرين، ولولا عناية الليبيين بهما لكانا فريسة للهلاك. وعدنا فى اليوم التالى أدراجنا جميعا بعد قضاء المهمة على الوجه المطلوب، بفضل شجاعة على العبيدى وحسن تدبيره فى مثل تلك الأوقات الحرجة. كذلك كانت رحلة أخرى لصاحب هذا المقال برفقة الكابتن كندى دى شو، والكابتن ولسون، وكثير من الجنود والخبراء والفنيين عن طريق الكفرة، فواحة جالو، فالعقيلة، فالنوفلية، فسرت، فمصراته، فورفلة، ثم قفلنا راجعين عن طريق هون، فالهروج، فتازربو، إلى الكفرة، وقد أخذنا معلومات كافية عن كل مستودعات العدو فى الصحراء ومطاراته وقواته، وذلك بعد الانتهاء من الرحلة السابقة بأيام قلائل، وقد استغرقنا فى هذه الرحلة 46 يوما. وفى الوقت كان كثيرمن الضباط الليبيين وبرفقتهم ضباط بريطانيون يتخللون أودية برقة وقراها ومنتجعاتها يرسلون لاسلكيا كل الأخبار على كل حركة معادية.
فقد كان الملازم أول سعد أفندى الرقيعى مع فصيلة من الجنود وبرفقتهم الميجر بينيكوف يجوبون الجبل الأخضر ويقطعون طرق المواصلات، بينما كان الملازمان الأولان إدريس أفندى احبيل ومحسن أفندى الفرجانى يتنقلان بين صحراء العقيلة وصحراء أجدابيا، فى حين كان الملازم الثانى محمد أفندى بوسعده يتصيد فى منطقة المرج مع بعض الجنود، كما كان الميجر جونس ومعه الملازم الأول عبدالرزاق العوامى وبعض الجنود وكذلك الميجر فلبن والكابتن جونسون ومعهما العمدة بوزريبة والشيخ محجوب الكاديكى والشيخ شعبان المعمارى والجندى على بودبوس....
كان هؤلاء جميعا فى الحملة الثالثة وقبلها يسبق البعض منهم جيش الاحتلال فى زحفه، حتى وصلوا إلى الاراضى التونسية. أما أعمال الكوماندوز أو الفدائيين من الليبيين والإنجليز فقد كانت تثير الدهشة والاستغراب، ولكنهما يتلاشيان عندما يعلم القارىء أن الليبيين جميعا يكونون جبهة داخلية لمد هؤلاء الرجال بكل شىء وحمايتهم من كل عين، فلاعجب إذا رأينا السيارات المصفحة تحمل رجال الكوماندوز، بينما المحور يهدد الإسكندرية من العلمين، وتشق بهم شوارع مدينة المرج (100كيلومتر من بنغازى) ومطار بنينة (12 كيلومتر) والمحطة اللاسلكية بقصر الحجش(40 كيلومتر) ومطار القوارشة (10 كيلومتر غربى بنغازى) فتحرق الطائرات وتخرب المستودعات وتحطم المحطات وتأسر وتقتل من صادفها من جنود الأعداء.
وهكذا كانت صفحات ملؤها المغامرات والتضحيات التى قد آتت أكلها أخيرا، وكان لها السبب الأول فى انتصار الحلفاء على المحور،لما كان يخامر الليبيين من اعتقاد أنهم كانوا يعملون متكاتفين مع بريطانيا فى سبيل إعطاء الامم المتحدة حريتها ومن ضمنها وطننا ليبيا. وللقارىء أن يتصور أى مجهود جبار قامت به هذه الفئة من الفدائيين، يحدوهم فى ذلك الإخلاص فى العمل والرغبة فى التحرر من نير المستعبدين الإيطاليين. وشاء الله ان يتم النصر،
وانهم لينتظرون الاستقلال التام لبلادهم أن لم يكن جزاء تضحياتهم، فوفاء لما حصلوا عليه من وعود الحليفة البريطانية التى لاشك عندنا فى تحقيقها فى القريب العاجل إن شاء الله، تحت لواء حضرة صاحب السمو أمير ليبيا المحبوب السيد محمد إدريس السنوسى أيده الله.


المقالة من ارشيف مؤسسة (المنار) وقد كتبت قبيل فترة الاستقلال المجيد.
للاتصال بمؤسسة المنار :
almanar1one@yahoo.co.uk


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home