Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

حكاية عذابي(*)

هو يحبُنا ونحن نحبُه.

ذلك هو سر العلاقة بيننا وبينه. هو زعيمنا الذي لم تلد النساء مثله قط، ونحن شعب مطيع، نسمع كلامه، ونرتكب حتى الخطايا من أجل ان يرضى هو عنا. وكلما أمعنا في حبه، كلما أكتشفنا اننا شعب محظوظ بطلعته البهية. لا ندري كيف جمعتنا المصادفة. ولكن لا شك لدينا بأنها كانت مصادفة تاريخية عظيمة وفريدة عندما أتيحت لنا الفرصة التي لن تتكرر للعثور على زعيم مثله. وفي الواقع، فقد كان هو الذي عثر علينا. وبشيء من محاسن الأقدار رضي ، بتواضع جم، ان يمسك بقيادنا ليسوقنا في الطريق الذي اختاره لنا. ومنذ ذلك الوقت ونحن نحاول ان نكسب بأي ثمن رضاه. ومثلما تعودنا عليه، فقد تعود هو علينا ايضا، وذلك حتى صرنا لا نعرف ماذا نفعل من دونه.

ولأنه انسان متواضع جدا، فانه يخجل من دعوتنا للإستفتاء عليه او انتخابه. وفي كلا الحالتين نحن نعلم انه ليس في حاجة الينا بقدر ما نحن في حاجة اليه. هو يستطيع الذهاب الى الجنة ليعيش مثل زملائه ،أما نحن فلا أحد يتعرف علينا، ونضيع من دونه. وقد نغرق في شبر ماء. وعندما يطالبه خصومه السياسيين بالتنحي نخرج الى الشارع محتجين وفي قلبنا هاجس مرعب من أن يُحقق لهم تلك الرغبة الشادة ، فلا يعد في وسعنا ان نقنعه بالبقاء. ومن دون تردد او تفكير، نبايعه بالجُملة. كل ذلك من اجل ان يرضي عنا، ومن أجل أن يشعر اننا نحبُه اكثر حتى من اطفالنا، فيواصل مسيرته المباركة معنا ولا يتركنا وحيدين مثل الأيتام.

احيانا يقول عنا في سره، اننا شعب تافه. ولكن حاشاه لم يقل لنا ذلك علنا، لكي لا يجرح مشاعرنا. نحن نعرف اننا شعب تافه فعلا، ولكن ما العمل؟ لقد خلقنا الله هكذا. ولولا القدر الذي ساقه الينا لكانت قد حلت بنا كارثة. نحن نعرف ايضا اننا بفضله هو لازلنا على قيد الوجود. وما لم يكن هو موجودا بيننا لكنا قد انقرضنا مند زمن بعيد ، او على الأقل لكانت افاعي الصحراء ابتلعتنا واحدا واحدا.

ولذلك فنحن نحرص أشد الحرص، ألا نخدش مشاعره المرهفة. فلا نقول له كلاما لا يرضيه، ولم يحدث ابدا ان قلنا له كلا. ودائما كانت موشحاتنا ومدائحنا ومزاميرنا وطبولنا له جاهزة. ويعرف كل واحد منا انه يجب ان يكون متأهبا لأي مناسبة لقول الكلام الجميل الذي يرضي نرجسيته. لا يهم كيف يكون الكلام، فهو يعرف جيدا اننا جهلة بلهاء ونتلعثم ونقول جملا غير مترابطة، ولكن يكفي أن يفهم منا اننا نمتدحه فينتعش وتحلق روحه الطاهرة في سماء الفرح والمسرة. وقد نكون سخيفين للغاية عندما نبالغ في مدحه ، الا انه، من برجه العالي، ينظر الى سخافتنا وبرأفة على انها محبة مفرطة، وهي كذلك فعلا. اذ لو لم نحبُه كل ذلك الحب لما كنا رضينا بكل هذه البهدلة من أجل ان يرضى عنا.

الحُب هو سر العلاقة بيننا وبينه.

ولهذا السبب فنحن نعلق صوره في كل مكان. اولا، من أجل ان لا يغيب عن انظارنا، فنشعر بالهدوء والطمأنينة. وثانيا، من أجل أن يشعر هو بأنه موجود في كل مكان فيبتهج ويرضى عنا. وهكذا، فنحن نكون سعداء أكثر عندما يكون هو سعيدا اكثر. وهناك ايضا بعدا سيكولوجي لهذه المسالة. فنحن عندما ننظر اليه مبتسما نبتسم أكثر. وعندما ننظر اليه غاضبا نغضب أكثر. وعندما ننظر اليه رافعا قبضته الحديدية نرفع القبضات معه أعلى. وهكذا. فصوره هي التي تقرر وجهة مشاعرنا . ومن دونها من الصعب أن تكون لدينا أي مشاعر. ولا شك اننا قبل نزوله من السماء الينا كنا شعبا من خشب مسندة. لا نضحك ولا نحزن ولا نغضب ولا نشعر بشيء اطلاقا. ولكن ما ان حط علينا حتى تغير كل شيء ودبت الحياة في أجسادنا. فتحولنا الى قلوب يجرفها الحُب والدليل اننا واقعون حتى الثمالة في غرامه هو .

إذا عادى أحدا عاديناه، واذا صادق أحدا صادقناه. واذا قال أرموا أنفسكم في البحر رميناها. واذا قال تجهلوا تجهلنا. واذا قال جوعوا جعنا واذا قال تبهدلوا تبهدلنا وهكذا. المهم ان يرضى عنا. واذا رضي فذلك من حُسن حظنا من جهة، ومن عُلو أخلاقه من جهة أخرى. أما اذا لم يرض، فذلك من سوء حظنا، من جهة، ومن سوء وانحطاط أخلاقنا من جهة أخرى.

أحيانا يعطف علينا فيقول لنا كلاما جميلا. وذلك على سبيل التشجيع، فنُصدق ونتشجع. اذ يقول أحيانا اننا شعب عظيم لدولة عظمى تقودها قيادة أعظم، ويقول بأنه بُشر بالرسالة من اجلنا منذ ان كان في الثالت عشرة من عمره وانه بُعث ليخدمنا وليدافع عن مصالحنا. كل هذا بسبب منبته الكريم، وليس لأننا نستحق فعلا أن يقوم رجل بعظمته على خدمتنا او أن يكون خاضعا للمساءلة تجاهنا. هو يعرف اننا لسنا جديرين به، ولكن تواضعه يغلب عليه فيقبل بنا. وقد تعلمنا وتربيّنا ان نهابُه ونتحاشى زعله. نمشي من الحائط الى الحائط نخشى ضلنا ونقول يارب السلامة والستر في الدنيا والدنيا. وبرغم انه يعرف جميع عيوبنا ويراها بالتفاصيل الدقيقة، الا اننا نحاول جاهدين ان نبدوا امامه كأناس طبيعيين. على الأقل من اجل أن يُقال عنه أنه فلتة زمانه، يقود شعب مثل بقية خلق الله . طبعا نحن لسنا كذلك. هو يعرف ونحن نعرف. ولكن لا مفر من بعض المظاهر لكي نحفظ ماء وجهه، فنحن، رحم الله من عرف قدر نفسه خمسة مليون فضيحة بجلاجل.

ولكن الحُب هو سر العلاقة بيننا وبينه.

لا نعرف متى حط به البُراق الينا. لقد كان حدثا سعيدا بالطبع. ولكن لا أحد يتذكر متى وقع هذا الحدث على وجه التحديد والذي دخل في سجل الحكايات التي تبداء بالقول " كان ياما كان في قديم الزمان". فصار جُزءا من الفلكلور والتراث الشعبي وبالأحرى لم يبقى فلكلور سواه. انه تراثنا الوحيد وقصة حياته هي القضية الوحيدة التي ناضل وضحى من أجلها ألأجداد والأحفاد من أجل ان نعرفها وننسى كل ما عداها. وبطبيعة الحال، فانه يُجند كل قواه، كل عام ، من أجل أن يُذكرنا بذلك اليوم السعيد. ولكننا ، كأي شعب تافه، نعود لننسى، فيضطر لتذكيرنا مجددا في العام التالي ، وهكذا. هو يحاول أن يخترع تاريخنا ونحن لا

نفعل سوى أن نبدد ونمسح من ذاكرتنا المثقوبة جميع الأشياء التي لا تتعلق برغيف يومنا. وبينما نطحن انفسنا بالقضايا الصغيرة، فإنه يصارع من اجل الفضاءات الكبيرة. كل ذلك من أجل الرسالة الأممية والذي اصطفاه التاريخ من اجلها هو دون غيره. وعندما يجود علينا بلفتة كريمة يكتشف بأننا لا نساعده ، فيزعل علينا، ويود لو يركلنا بجزمته المباركة طيب الله ثراها، لاعنا اليوم الأسود الذي ساقه ليعثر على شعب مثلنا. ولكن طيبة قلبه تلزمه على أن يعاملنا بالحسنى. فنحن في النهاية شعبه المعذب بحُبه.

فإذا قيل أن التقدم لم يتحقق وان الرخاء لم يأت، فليس لآنه أخطأ حاشى وكلا. بل لأننا لم نحسن فهم ما كان يقول . لقد وُلد تحت شجرة يتساقط منها الرطب حلوا جنيا، وترعرع عبقريا، ولن يوجد له سويا.

لم يحدث ان أرتكب خطاء واحدا في حياته. أحيانا يروق له ان يُلمّح الى بعض الأخطاء الطفيفة للغاية، ولكنه يفعل ذلك لكي يُلقننا درسا في التواضع ولكي يقول لنا بأنه يحمل بعض الصفات البشرية. وبطبيعة الحال، فما من باحث ولا من عالم أو فقيه أو مُصلح الا واكتشف ان الأخطاء لم تكن في النظرية، بل في المؤامرات الدولية، وقطط البراميل النفطية، وفساد مستوطني المكبات الثورية.

وبصرف النظر عن الإذاعات المرئية والمسموعة والمحسوسة والصحف والمجلات بشطريها الجذرية والإصلاحية والتي تلهج ليل نهار بإسمه تبارك الله ، فإننا ننام ونصحو على ذكراه. لا هم لدينا سواه. هو قضيتنا ونحن المأساه. ومهما حاول أن يُفهمنا أن بقاءه لتوجيهنا مُؤقت، فإننا ونكاية بكل الحاقدين والحاسدين والمتآمرين والخونة والجواسيس نعلن بأنه خط مقدس أحمر، فهو قائدنا المُظفر، بيساره سيف أبتر يشير الى بحر، من وهج عطشنا ماءه تبدد وتبخر (**).

لقد حاول جاهدا ان يُقنعنا ذات مرة بالفكرة القائلة أن الديمقراطية تعني " ديمومة الكراسي" ولكن حبنا له علمنا شيئا واحدا هو أن الديمقراطية تعني " ديمومة الحُب"، فأبشر ياوطني.

محمد بن أحميدة ( بتصرّف )
10 نوفمبر 2007
mohamedbenhmeda@yahoo.de
________________________________________________

(*) نشر هذا المقال تحت عنوان " من القلب الى القلب: قصة حب جارف" للكاتب على الصراف بجريدة العرب تاريخ 14.07.2000 وقد عُدل ليتناسب مع حالة أحد شعوب المريخ.
(**) " اللي مش عاجبه يشرب ميّة البحر" شعار ديمقراطية سيوف الوطن.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home