Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الدستور وما أدراك ما الدستور

إنه لمن محاسن الصدف أن أجد ضالتي في كتاب وجدته طرف صديق لي، هذا الكتاب يجيب على جوانب قانونية كثيرة بمنظور التحليل المقارن ولعل ما يهمني جزئية الدستور وما أدراك ما الدستور.
لقد كنت أكتب وأرد على كثير من المقالات التي تدعى أنه ليس هناك دستور في ليبيا وأن الدستور السابق الذي صدر إبان العهد الملكي المباد ما زال ساري المفعول ؟!!
هنا في هذا الكتاب ذو التحليل العميق والنظرة التحليلية الثاقبة لأكاديمي له باع في القانون وهو الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أبو توته.. ومن جميل الصدف أن هذا الكتاب كُتبت أجزاء منه أثناء انعقاد مؤتمر ما يسمى المعارضة الليبية في لندن ومن المؤسف أنه لم تقع في يدي تلك الأجزاء في ذلك الوقت..
وأود أن أقتبس جزئيات بسيطة من هذا الكتاب وأعرضها على من يقرؤون وإذا قرءوا لا يفهمون وأقصد بالتحديد ما يسمى بالمعارضة الليبية. يقول الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أبو توته في هامش الصفحة 18 من الكتاب كالآتي:
أما الدستور الذي كان قائماً في العهد الملكي فقد تم إلغاؤه في الفاتح من سبتمبر من العام 1969 ليحل محله الإعلان الدستوري المؤقت الصادر في 11/12/1969 الذي ترك مكانه لإعلان قيام سلطة الشعب والوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير وقانون تعزيز الحرية رقم 20 لسنة 1991 ف والقانون رقم "1" لسنة 1396 و.ر بشأن المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، ومفاد ذلك أن مجلس قيادة الثورة أصدر بياناً في الأيام الأولى من قيام الثورة أعلن فيه سقوط المؤسسات الدستورية التي كانت قائمة في ظل النظام السابق، ويحدد فيه المعالم الأساسية لنظام الحكم بعد قيام الثورة، وكذا بعد صدور وثيقة التنازل من نائب الملك المخلوع. راجع الموسوعة التشريعية للجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، القرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة في الفترة من سبتمبر 1969 حتى ديسمبر 1975، المجلد الأول، ص 594.
هذا الهامش الجامع المانع ما هو إلا شرح بأن الإعلان الدستوري المؤقت -كما يقول الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أبو توته - "صدر الإعلان الدستوري المؤقت تحت وطأة الحاجة لتنظيم عمل السلطة الوليدة التي تجسدت في مجلس قيادة الثورة عقب قيام الثورة في فاتح سبتمبر من العام 1969م". وظل ذلك الدستور نافذاً إلى حين انتقال السلطة إلى المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية بموجب إعلان قيام سلطة الشعب. ومن ثم يمكن القول بأن الإعلان الدستوري المؤقت قد أرتبط في وجوده بالنظام الجماهيري الذي تم الإعلان عنه في البيان الأول للثورة. وبحلول النظام الجماهيري يكون ذلك الإعلان قد فقد مبررات وأساس وجوده، وهذا في واقع الآمر بعد إلغاء ضمنياً له بموجب الوثائق اللاحقة التي تكفلت بنقل السلطة وتنظيمها وهي إعلان قيام سلطة الشعب الصادر في 2 مارس 1977 ف، والوثيقة الخضراء الكبرى لحقق الإنسان والقانون المنظم لسلطة الشعب رقم "1" لسنة 1369 التي تشكل في مجموعها كتلة من المبادئ والقواعد الأساسية الدستورية.
ماذا يعني كل ذلك بالنسبة لمن يتكلم ويتشدق بهتاناً بأنه ليس هناك دستور في ليبيا؟ ماذا يعني هذا بالنسبة لمن أتى بعلمْ ليبيا السابق ودستور ليبيا الملكي، وأتى بابن ولي العهد السابق "السنوسي الصغير" وقال هذه هي الشرعية الدستورية؟ دستور يا أسيادي!!
وهنا في هذا الكتاب يغوض بنا د. أبو توته – كالغواص الذي يستخرج درر ولألي – في تحليل المباىء الأساسية التي تحكم النظام القانوني والقضائي في الجماهيرية ذات الصلة الوثيقة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية – من ذلك مثلاً القيمة القانونية للوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير وطرق كفالة احترامها واستغلال السلطة القضائية بين الحماية والانتهاك، ومقتضيات حق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة، ومنظومة حقوق الإنسان والجانب المفقود فيها.
وحماية حقوق الإنسان في التشريع الإجرائي الليبي وتطبيقاتها في مرحلة ما قبل المحاكمة وعقوبة القطع في جريمة السرقة المعاقب عليها حداً وحق الإنسان في سلامة بدنه، وعقوبة الإعدام قصاصاً وتعزيزاً في قانون العقوبات الليبي وحق الإنسان في الحياة، إلى غير ذلك من المواضيع التي تعني بالشرعية وحقوق الإنسان ولاسيما في الأحوال التي يصبح فيها المواطن في حالة نزاع مع القانون فتتعرض الضمانات المقررة له بموجب التشريعات النافذة للانتهاك حماية للمصلحة العامة، فيصير المواطن في نظر القانون متهماً أو ظنيناً فيحق للسلطات المختصة بإنفاذ القانون اتخاذ جملة من الإجراءات الاحتياطية القسرية ضده كالقبض والتفتيش بنوعية الشخص أو السكني، والحبس الاحتياطي، في حين أن مثل هذه الإجراءات لا يمكن اتخاذها وأولئك الذين لم يخرقوا القانون، وأنها إذا ما اتخذت على غير أساس القانون فإنها تفتح المجال لمسائلة الفاعل جنائياً ومدنياً وتأديبياً عن جريمة انتهاك الحرية الشخصية أو الحبس التعسفي أو الخطف أو انتهاك حرية المسكن.
وفي النهاية وفي الجزء الذي يخصني الحديث عنه خلص المفكر الدكتور/ عبد الرحمن أبو توته إلى أن المشرع الجماهيري سلك منهجاً مغايراً للأسلوب المتبع في إصدار الوثائق الدستورية حيث لم يشأ جمع القواعد الدستورية في وثيقة واحدة تسمى الدستور كما هو الحال في كثير من دول العالم طبقاً لما يسمى اصطلاحاً بالمعيار الشكلي في إصدار الدساتير، بل تبني المعيار الموضوعي في إصدار المرجعيات الأساسية (الدستورية) موزعة في عدة مصادر يمثل فيها الإعلان جاء تتويجاً لمخاض ثوري بدأ صبيحة الفاتح من سبتمبر سنة 1969 ف عندما بشر قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم في البيان الأول للثورة جماهير الشعب الليبي بانتهاء عهود القهر والظلم والاستبداد وحكم العمالة المباد، معلناً عن قيام النظام الجمهوري الذي كان تمهيداً لنقل السلطة وتسليمها لصاحب الحق فيها وهو الشعب، دون نيابة أو تفويض تطبيقاً لمبدأ حق الشعب في حماية السلطة بنفسه ولنفسه وليس باسمه كما هو الحال في الأنظمة النيابية. لذلك يعتبر إعلان قيام سلطة الشعب أرقى وثيقة قانونية في الجانب السياسي من القواعد الأساسية يلي ذلك في المرتبة الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان التي أعلنت عن مبادئ حقوق المواطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليصوغها المشرع من بعد ذلك في قوالب قانونية قابلة للتطبيق. وعلى هذا النحو تكون القواعد القانونية التأسيسية قد تكاملت في جوانبها السياسية والحقوقية والاجتماعية ليأتي دور التشريعات العادية في تنظيم عمل مؤسسات الدولة ورسم حدود اختصاصات كل مرفق منها (سلطة) في ظل مبدأ أن السيادة للشعب، وسيادة الشعب لا تتجزأ ولا تقبل التفويض وبذلك يكون المشرع الجماهيري قد تجاوز المفهوم التقليدي في توزيع السلطة والفصل بين السلطات الذي نادى به الفقيه مونتسكيو في مؤلفه روح القوانين. وهذا المبدأ الذي تبنته الثورة الفرنسية (1789) وجعلت منه أحد ركائز النظام النيابي.
وخلص الكتاب بعد الشرح التحليلي الوافي الكافي إلا أن التطور الذي حدث في الجماهيرية أقر للمواطن بحقه في ممارسة الرقابة على الشرعية القانونية (الدستورية) من خلال الطعن بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا كلما كانت له مصلحة في ذلك. ولا يخفي على كل ذي بصيرة أهمية هذه الأداة في حماية الحقوق والحريات العامة على صعيد الواقع، كل ذلك إذا ما علمنا أن المبادئ القانونية التي تقررها المحكمة العليا في أحكامها تكون ملزمة جميع المحاكم وكافة الجهات في الدولة الليبية (م. 31 من قانون المحكمة العليا رقم "6" لسنة 1982 المعدل بالقانون رقم "7" لسنة 1423م). وبذلك تكون هذه الدراسة قد أجابت على عديد الأسئلة المطروحة في هذا الشأن على الصعيدين الفقهي والتطبيقي.
أنه بحق كتاب تجدر قراءته لمن يدعى بأن لا يوجد دستور في ليبيا، ويدعى "شرعية دستورية" عفا عليها الزمن ولا توجد إلا في مخيلة بعض الطامعين في السلطة وما هي إلا أضغاث أحلام.

د. يوسف شاكير
www.reallibya.org
7-4-2007


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home