Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

واقع ودور النفط في تفعيل التنمية في ليبيا (2)

كما أسلفنـا الدكر سابقا, هده تكملة تتمثل في الجزء الثاني والأخير فيما يتعلق بدور الثروة النفطية في الدفع بعجلة النمو وخلق مناخ إستثماري أفضل من شأنه إتاحة الفرصة لتنشيط سوق العمل , حيث نتطرق اليوم لآهم وأخر النقاط دات الصلة بالموضوع كما يلي:
إن زيادة التوسيط الأسري في استخدام العائدات النفطية، خيار يتطلب تخطيطا دقيقا وينبغي أن يتم بالتزامن مع الرفع من مستوى المناخ الاستثماري.. ينبغي أن تنظم التحويلات المباشرة للعائدات النفطية بشكل مناسب حتى لاتتسبب في إلحاق تشويهات بحوافز العمل وفضلا عن ذلك إذا كان المناخ الاستثماري ضعيفاً، يمكن للعائدات الأُسَرية وقطاع الأعمال الناجمة من العائدات النفطية أن تعزِّز الاستهلاك الخاص، ولكنه قد يُخفق في أن يتحول تلقائياً إلى استثمار إنتاجي. وقد يكون هذا الخطر وثيق الصلة بليبيا على وجه الخصوص –الأمر الذي سيجري التصدِّي له بالشرح في الفصل الرابع- حيث مكامن الضعف في المناخ الاستثماري، والمعوِّقات حيال استخدام الموارد بكفاءة، وحيث ما تزال المؤسسات تعمل بشكل ضعيف (بما في ذلك النظام المصرفي) فتعوق تعبئة المدَّخرات والاستثمار الخاص. والانتقال إلى نموذج مختلف من توسيط العائدات النفطية يمكنه، بالتالي، أن يساعد في إطلاق كُمون الاقتصاد الإنتاجي طويل الأجل، بتوفير المبادرات الإصلاحية الضرورية لتقوية المناخ الاستثماري وتعزيز استخدام الموارد بكفاءة في االوقت نفسه. فالسلطات تُشجَّع على أن تأخذ بعين الاعتبار إمكانية تنفيذ هذا الخيار على المدى المتوسط، متلازماً مع التقدم على جبهة الإصلاح البنيوي.

ولدلك يستلزم استخدام العائدات النفطية استراتيجياً تعزيز إدارة المالية العامة على المدى المتوسط. يشكِّل تحليل برنامج الإصلاح، المرتبط بالخيار الثالث المشار إليه أعلاه، الاتجاه الرئيسي في هذا التقرير. على أنَّ ثمَّة شرطاً لازماً لتنفيذ هذا الخيار، ألا وهو تعزيز جدي لإدارة المالية العامة. وتأمين إطار عمل سليم لصياغة الميزانية وتنفيذها بالتوافق مع النظام الإنفاقي والممارسات المهمة لإدارة العائدات النفطية، سيساعد على مواجهة التحديات العديدة المتتالية:

ـ تحديد أولويات استراتيجية في استخدام العائدات النفطية بغية تحسين الرأسمال البشري وبناء شبكات الضمان الاجتماعي من أجل التحول.
ـ بناء التحول على قاعدة استقرار الاقتصاد الكلي ، وذلك بإبعاد الوضع المالي عن عائدات النفط المالية المتقلبة، وتأمين استدامة مالية في مواجهة أي هبوط محتمل لأسعار النفط وضغوط الإنفاق الاجتماعي والديون أو المستحقات الطارئة غير المتوقَّعة من جانب القطاع العام (كقروض المصارف العامة غير المسدَّدة. فاستقرار الاقتصاد الكلي هو أحد أهم شروط التحول، كونه يسمح بـ:

-1 تحسين الرؤية وتخفيف الأخطار عن المستثمرين.
-2 تفادي الضغوط الخارجية التي يمليها الحساب الخارجي فيما لو استمر هبوط سعر النفط الذي يمكنه أن يضع البرنامج الإصلاحي الذي تطمح ليبيا إلى تنفيذه وتكامل التجارة تحت خطر التراجع إلى الوراء
-3تأمين استمرارية نفقات الرعاية الاجتماعية وشبكات الضمان الاجتماعي التي صُمِّمت بهدف امتصاص كلفة التحول الاجتماعية واستيعابها
-4 التكيف مع ضغوط الكلفة المحلية الناجمة من إنفاق العائدات النفطية بصورة مفرطة كبيرة - الظاهرة الهولندية (“Dutch Disease”)
-5 الادخار لأجيال المستقبل بغية تأمين استدامة مالية طويلة الأمد والحفاظ على التكافؤ بين الأجيال

إن دلك سيتطلب المحافظة على استدامة مالية طويلة الأجل و استراتيجية ادِّخار بمرور الوقت، لأنَّ العائدات المالية النفطية قابلة للنفاد, حيث في مقدور ليبيا كمعظم الاقتصاديات المنتجة للنفط أن تتحمل عجزاً مالياً غير نفطي كبيراً إلى درجة أنَّ العائدات من الموارد النفطية يمكنها أن تؤمن تمويلاً كافياً وثابتاً على مر الزمن.
ولكن برغم أنَّ الاحتياطيات النفطية يمكن أن تمتد فترة زمنية طويلة عملياً واستنادا لقاعدة اعتبارات التكافؤ عبر الأجيال ينبغي على البلد في آخر الأمر أن يهيئ نفسه لاقتصاد بلا نفط.
إذ ينبغي على استراتيجية الادِّخار أن تستهدف الأصول الضخمة المتراكمة مع الإشارة إلى خيارين في ما يتعلق باستخدام هذه المدَّخرات على المدى الطويل:
ـ يمكن أن يُستخدم تدفق الدخل من الأصول المتراكمة لتمويل العجز المالي غير النفطي عندما تستنفد الموارد النفطية. وبمعنى ما، ستهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل تدفق العائد النفطي القابل للنفاد إلى تدفق عائد مالي دائم ومستمر من خلال المدَّخرات الملائمة على مر الزمن. وسيسمح هذا بالمحافظة على عجز غير نفطي كبير حتى بعد تخلُّص البلاد من العائدات النفطية والحفاظ على ضرائب متدنِّية.
ـ قد يكمن البديل في تمويل العجز النفطي بالسحب التدريجي من الأصول المتراكمة عندما تُستَنفد الموارد النفطية، وفي الوقت نفسه، تُزداد الضرائب تدريجيا لضمان استدامة مالية على المدى الطويل، عندما تُستَنفَد الادخارات المتراكمة. وهذا الخيار يمكن أخذه بعين الاعتبار إذا كانت معدلات العائدات الحقيقية على المدَّخرات المتراكمة (مزيج من السندات والأوراق المالية والأسهم والأصول الحقيقية) أدنى بالملموس من معدلات عائدات الاستثمارات الإنتاجية التي يمكن أن تُموَّل بالسحب من المدَّخرات. هكذا، وقد يكون مستوى تراكم المدَّخرات المطلوبة مختلفاً في كل حالة.
تُناقَش المسائل المتعلقة بإدارة التمويل العام بالتفصيل كالتالي:

تدليل العقبات أمام "الاقتصاد الجديد"، الذي يقوده القطاع الخاص
شرط مسبق لتعزيز النمو غير النفطي وخلق فرص العمل

إن ضعف نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي ينعكس سلبا على عدم كفاية الاستثمار وتدني إنتاجية الرأسمال. عند نحو 16,7 % من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي كمعدل وسطي خلال الفترة الممتدة من 1998إلى 2003، يظل الاستثمار في القطاع غير النفطي متدنِّياً، مقارنةً، على سبيل المثال، بالبلدان المجاورة في شمال أفريقيا (الجدول 2.5). فالجهد الاستثماري الضعيف يكبح النمو غير النفطي؛ ولكنَّ تخلُّفاً إضافياً للنمو يتأتَّى من الإنتاجية الضعيفة، كما ينعكس على المستوى المرتفع جداً للنسبة (أو للمُعَامِل) بين زيادة رأس المال ونسبة (أو مُعَامِل) الناتج [سنستخدم تعبير "إيكور" للتيسير] (Incremental Capital Output Ratio, ICOR)، أي معكوس إنتاجية الاستثمار الحدِّية (The Inverse of the Marginal Productivity of Investment) ويبقى "إيكور" عند نسبة 60 % أعلى مما هو في الجزائر، و90 % أعلى مما هو في تونس، ممَّا يدل على عائد متدنٍّ للاستثمارات في القطاع غير النفطي. وهذا لا يعكس عدم الكفايات في نموذج النمو الاقتصادي الموجَّه من الدولة فحسب، بل يعكس أيضا تأثير العقوبات والانعزال عن الاقتصاد العالمي أيضاً.

ويبدو أن النمو في إنتاجية العمل سلبياً أيضاً في القطاعات غير النفطية. قد تعكس إنتاجية رأس المال المتدنية التي رُصِدت في ليبيا، استخدام طرائق إنتاج رأس المال المكثفة، نتيجة لما خلفه الاقتصاد الموجَّه كما تشير أيضا إنتاجية العمل في القطاع غير النفطي إلى أداء ضعيف، مع نمو سلبي خلال سنوات التسعينات ونمو سنوي وسطي يحوم حول -2 % , وقد استمر نمو الإنتاجية السلبي في التصنيع منذ أواسط التسعينات، كما انعكس أيضاً على قطاعي الخدمات (وهي الدافع الرئيسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي) و الزراعة تطبَّق التحذيرات العادية على هذه التقديرات نظراً لنوعية البيانات الضعيفة، ولا سيما المتعلقة بالعمالة.
. وتفيد التقديرات غير النهائية بسلبية نمو إنتاجية العامل الكلي (Total Factor Productivity, TFP) في القطاع غير النفطي. توصف تقديرات إنتاجية العامل الكلي في ليبيا بأنها متدنية بسبب غياب تقديرات يعتمد عليها.

كما أن تحسين كفاءة النمو والإنتاجية شرط لازم لنمو أسرع ولبدل جهد استثماري أكبر قد يشترط على المدى المتوسط للمحافظة على معدل النمو البالغ 5,5 % تحقيق زيادة ملموسة في نسبة الاستثمار بنحو 25 % من الناتج المحلي الإجمالي. مما يستدعي أيضاً تحقيق تحسن كبير في الإنتاجية بحيث يُخفَّض "إيكور" إلى نحو 4,5، وهو مستوى شبيه بالمستوى الملاحظ في البلدان الأخرى. مما سيستلزم أيضا تحقيق تحسينات جدرية في الكفاءة، بما يؤدِّي إلى نمو إيجابي لإنتاجية العامل الكلي. وبالفعل، فإنَّ تحقيق نمواً أسرع للناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسِّط، مرتبطا بتحسين الفاعلية في نمو الإنتاجية. فمع تدهور مستوى الإنتاجية مصحوبا بالتشوُّهات.
(إدارة الأسعار، حواجز الدخول إلى السوق) وبمنتوج متدني (dysfunctional product) ، تظل الربحية متدنِّية كما تتقلص أيضا فرص توسيع الاستثمارات الخاصة. وكما جرى تبيانه في الفصل الرابع، فإنَّ الإصلاحات التنظيمية والقانونية والمؤسسية ستكون ضرورية لترقية المناخ الاستثماري وتعزيز الكفاءة وزيادة إنتاجية الاستثمارات.
أيضا يشكل نمو الإنتاجية في ليبيا كغيرها من الاقتصاديات الأخرى المنتجة للنفطا شرطاً لازماً للتنويع التنافسي خارج القطاع النفطي إد غالباً ما تجعل العائدات النفطية الأمور صعبة للاقتصاديات المنتجة للنفط في تحقيق التنويع التنافسي خارج القطاع النفطي في تجارة السلع بحيث تميل هذه العائدات إلى ممارسة الضغط على التكاليف المحلية وسعر صرف العملة، معرقلة بذلك جو التنافس في مجال السلع المتبادلة (تأثير الظاهرة الهولندية (“Dutch Disease”)).
وقد يكون هذا الأمر بالتحديد حقيقياً في ليبيا ، حيث قد تميل العائدات النفطية المرتفعة للفرد إلى زيادة الأجور الحقيقية على المدى الطويل, ومن المهم أن تكون وبوجه خاص، التنافسية مدعمة بنمو قوي لإنتاجية العمل من خلال تحسين كفاءة المؤسسات (corporate efficiency) واستخدام التقنيات الحديثة وتحسين خدمات الأعمال وترقية بشكل مستمر مهارات اليد العاملة.

إن فتح أسواق جيدة الأداء، ستسمح للاستثمار الخاص بتحقيق النمو والتنويع. قد تضغط العائدات النفطية للفرد على تكاليف العمل، ولكنها ستسمح أيضاً بترقية القطاعات غير الاتجارية، كالبناء والخدمات. وتعد هذه الأخيرة مثالا جيدا للقطاع حيث تملك ليبيا فيه امكانيات واسعة مقارنة بالاقتصاديات الأخرى المنتجة للنفط، إج يمتل ضعف المستوى الراهن الذي يميِّز ناتج الخدمات المحلي الإجمالي، أي بنحو 40 % من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2002 , وسيدفع تحقيق هذة الإمكانية في فترة عشر سنوات النمو إلى نحو 3,4 % في السنة كمعدل وسطي، في حين ستعزز التأثيرات المُضاعِفة للنمو لاحقاً.

سيسمح ترقية النمو في قطاع الخدمات بخلق فرص العمل للشعب الليبي بصورة مباشرة، بحيث تتسم إمكانيات خلق فرص العمل المباشرة بالأهمية، لأنَّ خدمات ليبيا توفر الوظائف لشريحة أصغر حجماً نسبياً من إجمالي السكان العاملين، مقارنةً بالبلدان المماثلة من حيث مستوى الناتج المحلي الإجمالي للفرد , وبالمقارنة مع هذه البلدان، تبدو العمالة في ليبيا أعلى نسبياً في الصناعة والبناء.
(بما يعكس أيضاً برامج العمل العام الكبيرة، كمشروع النهر الصناعي العظيم) ويماثل ذلك تقريباً في الزراعة. وعلاوة على ذلك، فإنَّ الخدمات الكفوءة –لا سيَّما في النقل والتجارة وتكنولوجية المعلومات والاتصالات، ستسهم في تحسين كفاءة النمو وإنتاجيته في القطاع الصناعي للاقتصاد؛ مما يستلزم الأمر باتخاذ التدابيراللازمة لتعزيز التنافسية. كما وستتعزز تنافسية قطاع السياحة الذي يتمتع بإمكانيات كبيرة قابلة للتوسع. وهكذا، فإنَّ الخدمات ذات الكفاءة شرط لازم ومهم لإحداث زيادة في الاستثمار الخاص وخلق فرص العمل في الاقتصاد ككل.

وسيسمح ذلك بتعويض جزء من تكاليف تكييف التحول إلى اقتصاد السوق , حيث إن توظيف جزء من اليد العاملة في قطاع الخدمات من ضمن مجموع العمالة البالغ 10 %، يدل على تدني النسب مقارنة مما هي عليه في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى ولهذا الغرض، أصبح من الضروري تحقيق التنويع والنمو في الخدمات بشكل استراتيجي في مسار التحول إلى اقتصاد السوق. فبالمقارنة مع الإمكانيات غير المحقَّقة في قطاع الخدمات، تبلغ نسبة التوظيف في التصنيع، حيث ستكون الوظائف في المؤسسات العمومية هي الأكثر تعرُّضاً وضعفاً خلال مرحلة التحول، نحو 12 % فقط من مجموع اليد العاملة. كما أن خلق فرص العمل في قطاع الخدمات سيخفف من عبء فقدان مناصب العمل في قطاع التصنيع، حتى ولو أدى ذلك إلى فقدان 8 من بين 10 وظائف في هذا القطاع مؤقتا.

ستكون الكفاءة في الخدمات المحدِّد الرئيسي لمعايير مستوى المعيشة في ليبيا على المدى الطويل مع توفير مناخ استثماري قوي والاندماج الحقيقي في الاقتصاد العالمي. بالنظرللثروة النفطية للفرد وأسعار النفط، على المدى البعيد، ستكون الإنتاجية في الخدمات، المحدِّد الحاسم لدخل الفرد ومستوى معيشتة , و ستتطلَّب الكفاءة في الخدمات ترقية المنافسة وتدعيمها من خلال تحريرها من احتكارات الدولة وتعزيز الاستثمار المباشر الأجنبي الليبرالي وتسطير إطار قانوني وتنظيمي ملاءم، كما سيسمح الانضمام إلى "منظمة التجارة العالمية" بوضع إطار سليم لتعزيز برنامج تحرير التجارة وترقية الاستثمار في قطاع الخدمات , ومع توفير إطار قوي يمكن لليبيا أيضاً أن تنمِّيَ إمكانيات صادرات الخدمات مستغلةً قربها من أوروبا والعالم العربي وافريقيا وعلاقاتها معها كلها (كما في السياحة والنقل والتمويل مثلاً).

ومن الضروري أيضا تحسين مهارات العاملين على نحو مستمر, إن ترقية الخدمات يستدعي توفير إطار تنظيمي قوي كما تفيد التجربة أنَّ الرأسمال البشري هو أحد الدوافع الأساسية لتحسين الخدمات (Pilat, 2000) ويعود الأمر لأسباب عديدة: (i) يتميز العديد من الخدمات التقليدية بكثافة العمل، والناس هم مصدرها الرئيسي؛ (ii) يعتمد الابتكار في الخدمات بقوة على مهارات عاملي الخدمات وخبراتهم وتجاربهم مع الزبائن، حيث يشكل ذلك عاملا أساسيا بالنسبة للمنتجات أو العمليات الخدمية الجديدة؛ (iii) يرتبط الأداء الخدمي ارتباطاً وثيقاً بالتآثر (interaction) بين مستهلك الخدمة ومقدمها، إضافة إلى اشتراط جودة الخدمات المقدَّمة تبعاً لمهارات العاملين ؛ (iv) استخدام تكنولوجية المعلومات (ICT Technology) المكثف في العديد من الخدمات يتطلب عاملين يتمتعون بمهارات كافية، بحيث يجب أن يكونوا متأقلمين مع هذه التقنيات. فالاستثمار في الرأسمال البشري هو إذن عنصر مهم من عناصر تطوير قطاع الخدمات، مما يستلزم تدريباً مستمراً وترقية المهارات. ولعلَّ العمل على تطوير سياسة تعليم واسع بالتشديد على تعددية المواد التعليمية والتعليم المستمر مدى الحياة ستكون حاسمة في ما يتعلق بتنمية المهارات.
تعزيز التحول إلى اقتصاد السوق هو مفتاح تحسين الكفاءة ونمو الإنتاج , سيشجع التحول إلى اقتصاد السوق الاستثمار الخاص (المحلي والأجنبي) وإنشاء شركات جديدة راغبة وقادرة على التنافس في أسواق مفتوحة.
كما سيدعم أيضاً تحسيناً أكثر إلحاحاً للكفاءة ونمو الإنتاجية وذلك بإزالة المعوِّقات الموجودة التي تحُول دون استخدام كفوء لعوامل الإنتاج وعناصره.
لقد سطرت الحكومة برنامجاً مهماً لإصلاحات الجيل الأول لتعزيز بيئة أكثر تنافسيةً للأعمال، وذلك بخفض حماية التجارة وتوحيد معدل صرف العملة وهي تنوي أيضاً تسريع خطى خصخصة المؤسسات العمومية.
إنشاء إطار عمل يضمن حقوق الملكية ويعتبر القانون شرطا لازما للتحول إلى اقتصاد السوق. يحدد القانون في اقتصاديات السوق قواعد اللعبة ويعطي للأفراد الحقوق ويزودهم بالأدوات لضمان تنفيذها وفي ظل سريان مفعول القانون، تطبَّق القوانين والتشريعات بعدالة وشفافية بحيث تسهر الدولة على تنفيذها, كما تشكل الأطر القانونية عاملا مهما بوجه خاص لخلق الحوافز التي تسمح بتنمية القطاع الخاص، لأنَّ التحول يتضمَّن التغييرات اللازمة لإنشاء شركات جديدة وحل الشركات غير القادرة على التأقلم وكذلك ترقية التنافس ولتحقيق الغاية المتوخاة من ذلك، فإنَّ للقوانين الاقتصادية أربع وظائف على الأقل: تحديد حقوق الملكية وحمايتها؛ وضع القواعد لتبادل بموجبها هذه الحقوق؛ وضع قواعد خاصة بممارسة الأنشطة الإنتاجية والخروج منها؛ تعزيز التنافس قصد تطوير السوق. في البداية، كان على الاقتصاديات المتحولة سنَّ القوانين والتشريعات في المجالات الأساسية، كالملكية والعقود وتنظيم الشركات والإفلاس والمنافسة. وعلاوةً على ذلك، ففي بيئةٍ تنتقل فيها الأصول من الدولة إلى يد الخواص، ارتباطاً بالسعر وتحرير التجارة، يصبح تنفيذ القانون وضمانه عنصراً حاسماً للحيلولة دون تجريد الأصول (asset stripping) وسرقتها وفرض الانضباط وتعزيز المبادرات الخاصة.

ويجب توافق هذه التدابير مع الإصلاحات المستمرة على جبهتين:
ـ خلق مناخ استثماري قوي، بتعزيز إطار تنظيمي ذي جودةٍ عالية للاستثمار (خطر تنظيمي وصلاحيات تقديرية محدودان)، و تطوير أسواق المنتجات مما سيعمل على ترقية الاستثمار المحلي وجذب الاستثمار الأجنبي، الذي تحتاج إليه ليبيا، لا بوصفه مصدراً تمويلياً بل باعتباره مصدراً تقنياً لترقية "المعرفة الفنية" في مجال الأعمال (know-how business).
ـ متابعة القيام بإصلاح المؤسسات العامة وخوصصتها. بنسبة 75 % من العمالة الإجمالية في القطاع العام الأوسع يصبح إصلاح المؤسسات العمومية المدخل الرئيسي لتعزيز الكفاءة ونمو الإنتاجية.
إنَّ خصخصة هذه المؤسسات يشكل عنصرا مهما لبدل أي جهد لتحسين الكفاءة والأداء المؤسسيين، ولكنه يجب أن يتوافق مع خلق أسواق مفتوحة وتنافسية لجميع المستثمرين المحتمَلين, وفي الوقت نفسه من المهم أن تفرض قيود الميزانية على المؤسسات العمومية المحجوز عليها (distressed public enterprises) حتى تتمكن من الإستفادة من الحوافز التي تسمح لها بإعادة هيكلتها وللتتنافس في أسواق مفتوحة.

إنّ تعزيز النظام المالي الذي يضمن خدمات الدفع، وتعزيز المدَّخرات وتعبئتها وتخصيص التمويل الكفء للاستثمار هو المدخل الأساسي لاقتصاد سوق متطور. تؤمِّن النُّظم المالية جيدة الأداء للشركات القدرة على انتهاز الفرص الاستثمارية الناشئة وتخفيض اعتماد الشركات الصغيرة على النقد المولَّد داخلياً. كما تفرض الانضباط على الشركات، محركةً بذلك الكفاءة، سواء مباشرة أو عن طريق تسهيل الاستثمارات الجديدة ودخول السوق. وبحسب الدليل التجريبي، فإنَّ مضاعفة التسليف الخاص كحصة من الناتج المحلي الإجمالي يتزامن مع الزيادة في النمو بعيد المدى لنحو نقطتين مئويتين (World Bank, 2004). ثمَّة في ليبيا مساحات هائلة للامتلاك، ذلك أنَّ تسليف القطاع الخاص ما يزال محدوداً جداً والتسليف المحلي الإجمالي (total domestic credit) يشكل جزءاً ضئيلاً من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، بما فيها البلدان المنتجة للنفط فالنشاط المصرفي يشكل العمود الفقري للنظام المالي الليبي، ولكن ملكية الدولة واسعة الانتشار عوَّقت عمل المصارف، وقيَّده تقليدٌ طال اتِّباعه في تسليف المؤسسات العمومية بصورة موجَّهة ومعدلات فائدة مضبوطة وغياب تقافة الإقراض وقد سطرت الحكومة برنامجاً لترقية النظام المصرفي ولخصخصة المصارف العمومية ولتعزيز الصناعة المالية خارج النظام المصرفي.

ستسمح الرعاية الاجتماعية الفعالة والمستدامة بتحول إلى اقتصاد السوق دون أن ينجم عنه عواقب وخيمة. ستسمح النتائج الإيجابية للتحول التي ستنعكس على الاقتصاد وعلى مستوى المعيشة بخلق توازن بين الخطر الاقتصادي والشكوك السائدة في أوساط السكان. ويضطلع نظام الرعاية الاجتماعية بدور مهم في التخفيف من وقع الصدمات الاقتصادية على الأفراد والأُسَر عندما سيواجه الاقتصاد إعادة تخصيص (reallocation) العمل ورأس المال عبر القطاعات. وثمَّة اهتمام خاص بالفئات السكانية الضعيفة الأكثر تضررا والتي لا تتمتَّع إلا بقدر ضئيل من الوسائل للتعامل مع الأخطار والإستفادة من الفرص الاقتصادية الجديدة. وفي ظل إطارمالي سليم الذي يضمن الاستدامة المالية، سيسمح وضع ليبيا المالي، المرتبط بالعائدات النفطية الضخمة توظيفها بشكل استراتيجي بهدف تخيفض الكلفة الاجتماعية التي المترتبة عن التحول إلى اقتصاد سوق تنافسي؛ وذلك بتمويل شبكات الضمان الاجتماعي جيدة التصميم والإصلاح الضريبي والاستثمار في الرأسمال البشري.

المراجع : The economist – World Information Bank – World Resources Institute

مراد بلحـاج
Murad.Belhag@jubii.com
عضو رابطة المحاسبين القانونيين ACCA
عضو معهد الدراسات الإجتماعية والإقتصادية- ESRC المملكة المتحدة


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home