Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

هي ربما الأجابة

هذه الرؤية ليست من نسج الخيال، و لا من نِتاج ملزمة يومية منسية في أدراج مكتبة فتي عاشق، مراهق، أو حتي مشاكس. بل هي الحقيقة بعينها. حيث لم أستغرب البتة عند رؤيتي للملف، ولم أكترث كذلك، بل هو فيض من غيض، لأن ما خفي كان أعظم، و تجاربي في هذه الحياة هي خير دليل. وربما عزيزي القارئ تستغرب بعض الشئ، و تشعر بالخجل كذلك حين تعلم بأن مواخير العهر في تل أبيب – مثلاً - يسييرنها نساء عربيات مسلمات؛ ليــس فحسب ـ بل ليبيات أيضاً! و من أرشيف الفساد الخلقي للأعراب و المسلمين المستشري و المستفحل في ربوع وطننا المغتصب من قبل البدو المتحجرين، كانت تلك "الطرفة اللاطرفة" التي حدثت لصديقي بمحلهِ الواقع في شارع الحدائق بمدينتي الجريحة و مهيضة الجناح بني غازي.

فقبل أن يُسدل الستار عن شهر رمضان المبارك، وفي حدود الساعة الــعاشرة و النصف مساءاً، حيث كنت أجلس أنا و صديقي داخل محلهِ نتجاذب أطراف الحديث؛ دخلت أمرأة ليبيه أعرابية بدوية - ترتدي حجاباَ للأسف - و بدأت بعجالة تتفقد بعض من الملابس النسائية، والأشربة، والأكسسوارات، و العطور أيضاً. حيث قررت تلك السيدة - فجأة - أن تخطف فستاناً بسرعة البرق، و طلبت من صاحب المحل - صديقي – بصورة مثيرة للشفقة و الجدل معاً، أن يأذن لها بالدخول لحجرة القياس وتجربتهِ. وعند أعطائها الأذن، دخلت للحجرة و مكثت فيها حوالي خمس دقائق أو يزيد قليلاً، و من ثم خَرجت مسرعة و مرتبكة بعض الشئ، حيث رمت الفستان علي منضّدة المحل متمتمةً:- "باهي ... شكراً ... شكراً".

"الشكر لله" قال صديقي، بعد أن علته علامة تعجب فوق رأسه! وفور مغادرتها للمحل، أخذ صديقي الفستان من علي المنضّدة، حيث نفضه قليلاً من الغبار، و وضعهُ في مكانهِ. ثم أستطردنا حديثنا الشيق الذي تخللته رشفات الشاي الأخضر بالنعناع بالفول السوداني المحمص، و أخذنا نحلل مجريات الحياة بصفة عامة، كالبطالة المقنعة التي يعاني منها معظم شباب العظمي، وقضية المجاري التي أزكمت رائحة الأنوف، و الأوساخ المنتشرة في الشوارع كعلب السجائر، و أكياس النايلون، و إبر الأنسوليين، بل وصل الأمر إلي منعطف خطير جداً، فلا تتعجب عزيزي القارئ لو شاهدت قطن النساء في شوارع و حدائق مدينتك "الجميلة"! حيث أنعدمت الأخلاق، وترنحت التربية الحسنة، و قل الأنضباط، وصدأت الفضيلة، وضعف الوازع الديني، و أغتصبت النظافة، و أغتيل الضمير.

وعند أشتداد وتر الحديث، و أينعت زهرة حماسهِ، بدأنا نشم رائحةً ما! حاولنا في بداية الأمر- بصراحة - أن نتجاهلها، لكن الرائحة بدأت تزداد شيئاً فشيئاً، و بدأ الشك يراودنا بأنها منبعثة من المحل ذاته. فدفعنا الفضول للوقوف و التحري، لعلي و عسي أن هناك جرذ قد فارق الحياة، أو ربما فاضّت علينا غرفة التفتيش أو شئ من هذا القبيل. ولكن الطامة كانت أكبر من ذلك بكثير. أتدرون ماذا وجدنا؟ هل لي أن أكمل؟ أم أقف هنا و أسحب مقالتي هذه؟ ماذا؟ أكمل؟ حسناً ... و لما لا؟ وجدنا بأن الأمرأه التي دخلت للتو لحجرة القياس قد – أكرمكم الله – تبولت! نعم ... تبولت في حجرة القياس!.

ركض صديقي مسرعاً و أوصد باب المحل وغير علامته الداخلية من "مفتوح" إلي "مقفل"، و طلب مني أن أكون يده اليمني في عملية التنظيف. حيث شمرنا عن سواعدنا و بدأنا ننظف و ندعك الأرضية بالماء و المطهر و الصابون. لعنت في نفسي هذا اليوم المنحوس الذي بدأت أنظف فيه بول الأعراب. ولكن هان عليا الموقف قليلاً عندما تذكرت ذاك الأعرابي في زمن الرسول محمد – صلي الله عليه و سلم -حين تبول في المسجد! عجبي، فحتي بيوت الله لم ترَ أوقح من صفاقة الأعراب! وعند الأنتهاء من عملية التنظيف المضنية، قررنا فتح باب المحل علي مصراعيه و نوافذه الجانبية كذلك و تهويته لمدة ساعة كاملة، وتبخيره بالعود و ملطفات الجو أيضا؛ً مع عدم السماح للزبائن بالدخول. فهذه الأعرابية – بلا شك - عكرت صفو ليلتنا الجميلة، حيث لم نعرف قط ما هو السبب الحقيقي وراء هكذا تصرف؟ فهل كان بمحض الصدفة كشئ خارج عن أرادتها (Overacting Bladder) ـ مرض مثلاً؟ أم أنه مجرد تصرف حيواني بحث؟ شاطر صديقي قصته المؤلمة هذه مع جيرانه التجار، فتبسموا و قالوا بأنها ظاهرة جديدة غزت محلات بني غازي لعدم وجود دورات مياه عامة في أماكن التسوق. الأمر الذي يدفع العديد من الناس و خصوصاً النساء للتحايل عند قضاء حاجتهن. "هذي ساهلة ... كويس مطلبتش منك حاجه أخري!!" قال أحد التجار الشباب. حيث سرد لنا قصته مع شابة طلبت منه أن يفعل بها، و العياذ بالله. "ياعمر ... شنو اللي جابك للحفرة المنيـ.... هذي؟ عدي هج لأمريكا خيرلك؟" علق صديقي.

و لهذا، نلاحظ في الأونة الأخيرة ظاهرة شبه جديدة علي مجتمعنا ـ والتي تتمثل في توظيف عناصر نسائية بالمحلات التجارية هدفها الرئيسي هو مواجهة هكذا مواقف. فمن هو التاجر الذي يريد أن يدفع 150 أو 200 دينار ليبي شهرياً، و هو الأولي بها، ليوظف عنصر نسائي في محل لا يتجاوز عشرة أمتار؟! لأن قانون التاجر هو و بكل بساطة زيادة الربح و تقليل سعر التكاليف بأي وسيلة (Profit Maximization and Cost Minimization) ولكن للضرورة أحكام في بلاد الأنعام! علي أية حال، خرجت حزيناً، و متأثراً بالحادثة التي أمتزجت ببعض من كلام التجار المحبط، أنقطع تفكيري، و بدأت أسرح، حيث جلست وحيداً أمام المحل، وأشعلت سيجارتي من نوع (Henri Winters)، و بدأت أمسد علي شعر لحيتي و أتذكر تلك الأيام الجميلة التي قضيتها راكباً للخيل تارةً، و متنزهاً مع كلب صيدي (Venous) بين سهول و أودية و جنادل و براري ولاية ((Wyoming تارةً أخري، و الخطأ الفادح الذي أرتكبته بزيارتي لهذه "الحفرة المنيــ..." و مجاريها، و أوساخها، و أمراضها. بدأت أتألم و أ شعر بألم حاد في الصدر، و ضيق في التنفس. حيث أزداد معدل ضربات قلبي، و شعرت بجفاف فجائي في الحلق. ألححت علي صديقي بأن يأخذني و بسرعة لأقرب عيادة. وعند وصولي لتلك العيادة و بعد معاناه طويلة في صالة الأنتظار، طلبت مني فتاة الأستعلامات أن أذهب إلي غرفة رقم (5( حيث الطبيب المختص و الذي كان من جمهورية مصر العربية.

في بداية الأمر ظننت بأن الغرفة ستكون في الطابق الخامس. ولكن تبين لي بأنها الغرفة المجاورة لدورة المياة علي يساري! وعند دخولي، بدأ الطبيب يدون بعض من الملاحظات و يسأل:- "آه إن شاء الله خير .. ". وإذ بالباب يُطرق فجأة! "تفضل" قال الطبيب. دخلت فتاة الأستعلامات بوجهها القبيح كالحرباء، و بدأت تتكلم مع الطبيب بأنجليزية ركيكة (للتباهي - Showing Off) و كأنني أحد الأعراب الجهلة من صحراء البوليساريو أو الربع الخالي متعطشاً لسماع حوار هزلي باللغة الأنجليزية بين أثنين من الأعراب الغجر. حيث سطرت يداي العديد من الكتب و الأبحاث والموسوعات الأكاديمية باللغتين الأنجليزية و العبرية، و عند المحك أتكلم اللغة الأنجليزية و كأنني من أهل مزارعي ولاية Wyoming)) حيث اللكنة البدوية الأمريكية الأصيلة، و التي أن دلت علي شئ فأنما تدل علي حبي لهذه اللغة و أتقانها منذ نعومة أظفاري. ولكن حب التألق و الظهور و النرجسية الذي يتفننهُ و يتقنهُ الأعراب من الرجال و النساء كان لابد أن يكون حاضراً! تماماً كرسالة الأعشي السابقة، و التي حاول أن يلوح قائلاً :- "ها أنا هنا .... أتكلم الأنجليزية" بالرغم من وجود لوحة مفاتيح عربية، و جل الجمهور المخاطب هم من العرب الأقحاح. ناهيك عن ركاكة أسلوبه و ضعف تعبيره باللغتين العربية و الأنجليزية، حيث يبدو لي أنه تعلم الأخيرة في أحدي مطاعم كاليفورنيا للوجبات السريعة تحت إدارة خوسيه ماريا أو إليخاندرا لوبيز؛ وعندما تقدح الأحجار، لا يستطيع حتي التعبير عن نفسه بلغتهِ الأم، فما بالك باللغة الثانية! علي أية حال ... نرجع من جديد للحوار الذي دار بيني وبين الطبيب المصري :-

· "آه إن شاء الله خير ... حاسس بأيه؟" يسأل الطبيب.
· "لا .. خير إن شاء الله ... حسيت شوية ضيق في التنفس و جفاف في الفم أو من باب الفضول حبيت أنتأكد".

طلب مني أن أستلقي علي سرير المعاينة و بدأ هو الأخر يفتي في الفلسفة البيزنطية. علي قولة أخواننا الطرابلسية:- "نفخهم".

· "لا ... تمام الحمد لله .. عال العال ياعبد العال ... بس خفف من الدهون و اللحوم و المشويات ... و حاول تتمشي بأستمرار ... و السمك كمان كويس". ينصح الطبيب.
· " ؤ شنو زعمك الجبنة عادية ولا متنصحش بيها؟"
· "الله ... هو عندكم قبنة؟!" يستهزأ الطبيب حيث يظن بأنني لم أتذوق الجبنة قط في حياتي.
· "باهي ... شكراً ... هيا سي ... السام عليكم" دناسة يهود.

رجعت إلي المنزل، حيث كنت منهكاً و شبه محبط نفسياً، فقررت أخذ حمام دافئ، و من ثم ذهبت - أتمخطر - إلي المطبخ للسحور، ففتحت باب الثلاجة قائلاً:- (إن فتحنا لك فتحاً مبيناً) و بدأت أكل الجبنة تلو الجبنة و أقرأ قوله تعالي :- (وما يصيبكم الا ما كتب الله لكم). وعندما أنتهيت من صلاة الفجر، أويت إلي فراشي و وضعت رأسي علي الوسادة، و بدأت أراجع في ضميري، و أسأل نفسي ماذا حدث لهذه الدولة بحق الإله؟ تذكرت قضية أخري من قضايا البلاد، الأ وهي قضية أطفال الأيدز! وما أدراك ما أطفال الأيدز؟ حيث أصيبت فيها طفلة جارة لنا. وعند تذكري لتلك المأساة فاضت عيناي بالدمع، و سألت نفسي تكرارا و مراراً ... بسبب نظام أعرابي، بدوي، فاسد، متهالك، و متخلف، ما هو الذنب – بحق السماء - الذي أقترفه هؤلاء الأطفال الأبرياء؟ الأجابة كانت و بكل بساطة:- لا أجابة! سألت نفسي مرة آخري، محاولاً أن أتوصل إلي نتيجة دقيقة و أقنع نفسي بأن الجناه الحقيقيين هم فعلاً البلغار و الطبيب الفلسطيني ... ولكن الأجابة كانت مرة أخري و بكل بساطة:- لا أجابة! حاولت ان أطرق – بغضب – باب البراغماتية، و أصرخ بأعلي صوتي، و أستنجد بمن حولي لكي أجد تفسيراً للديماغوجية الليبية، سائلاً ..... لماذا ممرضة عربية، ليبية، مسلمة، و محجبة، وفي مكان عملها – المستشفي - و في ساعة دوامها، و بمعطفها الأبيض، تلعـق ذكراً و توثق الفاحشة بعدسة الهاتف النقال، حيث عنون الملف بـ"جيلاطي"؟! عندئذ أيقنت أن الأجابة كانت و بكل بساطة: -"هي ربما الأجابة"!

و في الختام لا إله إلا الله الرحمن غافر الذنب، سبحانك رب العزة عما يشركون

د. عمير كوهين
يهودي ليبي مقيم بأمريكا
________________________________________________

عمر أسمي الليبي المسلم الذي أتخفي به.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home