Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
القرية القرية الأرض الأرض وأنتحار رائد الفضاء وقصص آخرى

القرية القرية الأرض الأرض وأنتحار رائد الفضاء وقصص آخرى
بقلم : معمر القذافى

طباعة وإعداد. المرسل : جلال الوحيشى
بنغازى ـ ليبيا
مع الاعتذار عن أى أخطاء مطبعية إن وجدت
6/8/2007

الفهـرس
* المدينة
* القرية
* الأرض
* انتحار رائد الفضاء
* الفرار إلى جهنم
* عشبة الخلعة والشجرة الملعونة
* الموت
* ملعونة عائلة يعقوب، ومباركة أيتها القافلة
* أفطروا لرؤيته
* دعاء الجمعة الآخرة
* وانتهت الجمعة دون دعاء
* المسحراتى ظهرا

المدينة

المدينة من قديم الزمان، مابالك الآن..! هي كابوس الحياة وليست بهجتها كما يظن.. لو كانت بهجة لكانت قد صممت أصلاً لذلك.. ولكن المدينة لم تؤسس للرفاهية أو السرور أو المتعة أو البهجة أبداً.. المدينة حشر معيشى، وجدت الناس نفسها فيه بالضرورة. ولم يأتِ أحد ليسكن المدينة من أجل النزهة.. بل من أجل العيش.. والطمع والكد.. والحاجة.. والوظيفة التى تجبره على أن يعيش في مدينة.

المدينة مقبرة الترابط الاجتماعى، ومن يدخلها يسبح غصباً فوق أمواجها التى تنقله من شارع إلى شارع، ومن حى إلى حى ... ومن عمل إلى عمل ... ومن صاحب إلى آخر. وبطبيعة الحياة فيها، يصبح هدفها هو المنفعة والفرصة، وأخلاقها النفاق "ومن أهل المدينة مردوا على النفاق" (قرآن) ويصير لكل شئ ثمن مادى تتطلبه حياة المدينة.. وكلما تقدمت المدينة وتطورت تعقدت وابتعدت عن الروح الودية والاخلاق الاجتماعية.. حيث سكان العمارة لا يعرف بعضهم بعضا.. وخاصة عندما تكبر العمارة، وتصبح الحيثية رقما فحسب، فلا يقال: فلان ابن فلان ... من قبيلة الفلانيين ... بل يقال: رقم كذا، ولا يخاطب سكان المدينة بعضهم بعضاً بالحيثية الاجتماعية والآدمية، بل بالرقم.. أنت الذي تسكن في الشقة رقم كذا، في الطابق رقم كذا... صاحب الهاتف رقم كذا ... والسيارة رقم كذا ... الخ... وأهل الشارع لا يعرف بعضهم بعضاً، لأنهم لم يختر بعضهم بعضاً، بل وجدوا أنفسهم في شارع ... في زنقة .. في عمارة .. بلا اتفاق .. ولا قرابة جمعتهم.. بل المدينة تشتت الأقارب غصبا.. وتفرق بين الأب وابنه، والأم وأبنائها.. وأحياناً بين الزوج وزوجته.. وتحشر النقيض مع النقيض، والبعيد مع البعيد. كما تٌشتّت الأقرباء، تحشر الفرقاء.

المدينة مجرد حياة دودية "بيولوجية" يحيا فيها الإنسان ويموت بلا معنى .. بلا رؤية.. بلا تروٍّ، يعيش ويموت وهو داخل قبر فى الحالتين.. لا حرية فى المدينة ولا راحة.. ولا رواق.. جدران زائد جدران، فى المسكن، فى خارج المسكن، فى العمارة، فى الشارع، فى العمل.. لا يمكنك أن تجلس كما تريد، أو تمشى في أى اتجاه تريد.. أو حتى أن تقف متى شئت.. عندما تقف لمصافحة صديقك أو قريبك الذي قد تجده صدفة، يداهمك المارة.. ويجرونك بعيدا عن صاحبك.. وقد يحولون بينك وبينه، فيدك التى امتدت لتصافحه، تجدها قد ارتطم بها مارّ غافل لا يقدّر الموقف.. ولا يدري به.. إذا أردت أن تعبر الشارع فليس سهلا.. بل قد تفقد حياتك، أو احد أطرافك لمجرد عبور شارع.. ما لم تأخذ الحذر والحيطة.. وتلتفت عدة مرات يمينا ويسارا.. وقد تحاصر في منتصف الشارع، وتتسمّر مكانك وسط خطر أمواج المدينة.. من حولك سيارات .. عربات .. قطارات ... ماسحات ... الخ.

إن الحكايات الاجتماعية المسلية والودية داخل زحام المدينة، تبدو ضربا من العسف، وإذا حدثت، فهى فوق النفس تارة.. ونفاق للنفس تارة أخرى... وفى شوارع المدينة يتساوى الآدميون والقطط.. وفى سوق المرور والسابلة.. فعندما تسمع صوت موقفات سيارة، تمسك فجأة، فتقول تلقائياً: إنه إنسان أو حيوان، لأن هذا يحصل عندما يعبر أمامك واحد منهما.. وتمسك سيارتك بنفس الوضع، خوفا من دهس أى واحد منهما.. وحتى شرطى مرور المدينة ينبهك كتابة أو شفاها من حوادث تقع نتيجة عبور إنسان.. أو قط فى أحد شوارع المدينة.. هذه هي المدينة، ليس فى المدينة "تفضّل" بل ادفع... ادفع بكتفك، ادفع بكفيك... ادفع من جيبك... ادفع من أى اعتبار اجتماعى.. المدينة ادفع.. لا تفضّل.. في المدينة يحترمك الحائط أكثر من البشر، قد تستند إلى الحائط.. والحائط يرشدك إلى مكانك عندما تعلق عليه تعليمات وإرشادات وإعلانات يصعب جدا على إنسان ساكن فى المدينة، أو لافٍ على المدينة أن يعطيها لمن يسأل عنها وهو فى حاجة إليها.. إذا سألت إنساناً في المدينة عن مثل هذه الأشياء، يقول لك: آسف لا وقت لدىّ .. متأسف مستعجل.. عفواً.. فاتنى القطار.. الحافلة.. السيارة.. الخ ويقول لك: عليك وعلى الحائط، فالحائط فقط واقف في المدينة.. ولكن الناس هى التى لا تستطيع أن تقف مع الحائط.. المدينة دخان.. أوساخ.. رطوبة.. حتى ولو كانت في صحراء، تتسخ حتى ولو كان عملك نظيفا.. تتلطخ حتى ولو كنت غير زوّاق ولبّان وَبَنَّاء.. ومن هوامش المعيشة فى المدينة أن تتقبل غصبا الأوساخ وتعطي "ياقة" قميصك للدخان والغبار.. وعليك أن تعرق بلا عمل عرقا رطبا.. وتجد نفسك فى المجينة لُقّنت كلمات.. وعبارات.. وإشارات سطحية، ولكن لابد منها، لأنها جزء هام من وسيلة التفاهم، وتمشية الأمور في المدينة.. وتُلقَّن ردودا جاهزة على تساؤلات متوقعة تجيب بها تلقائيا بلا اكتراث .. ما فيه .. ما فيه .. الله غالب .. هذا هو .. لا يا عمى .. .. لا يا خوى .. قالوها ... كان زمان .. امش تربح .. حول عن طريقى .. بالك. ولو يسألك أحد أو تسأل نفسك: ماذا قلت من دقيقة؟ فلا تستطيع الإجابة .. ولا تتذكر أنك قلت هذه العبارات، لأنها جزء من طبيعة حياة المدينة .. تقال تلقائيا، لكى تبرهن على عدمية حياة المدينة.. وخلوها من المضمون .. ما هو الذى ما فيه ..؟ ولماذا قلت لا؟ ومن عمك ومن أخوك...؟ وما التي قالوها..؟ ومن هم ..؟ وأى زمان..؟ وما الذى كان زمان..؟ وما هى طريقك فى المدينة!!؟ لو حوصرت بمثل هذه الاستفسارات، لغرقت فيها، ولا تستطيع الإجابة عن شئ، إنه كلام مدينة.. تمشية أحوال.. تضييع وقت. حقا إن حياة المدينة مجرد تضييع وقت إلى أن يحين وقت آخر.. وقت العمل.. أو النوم .. أو الأرق.

المدينة تقليعة .. صيحة .. انهبار .. تقليد غبى .. استهلاك لعين ... مطالب بلا عطاء مُجدٍ .. وجود بلا معنى .. والأسوأ هو عدم القدرة على المقاومة فى المدينة ..
لا قدرة لساكن المدينة على مقاومة التقليعة حتى ولو لم تعجبه ... ولا قدرة له على مقاومة الضياع .. ولا قدرة له على مقاومة الاستهلاك الشره المهلك... وإن كنت حاشراً لنفسك.. حديثاً فى المدينة .. ولست من ساكنيها الأوائل، والمتكيفين بكيفها، فأنت أضحوكة المدينة في كل الأحوال .. إن كنت تريد التمسك بما عندك من معانٍ وقيم وسلوك غير مدنى، تصبح شاذا، ولا تجد مع من تتفاهم. وعندما تغير حالك، لكى تصير مدينيا، تصبح ركيكا..

فى المدينة قد يقتل الابن أباه، والأب ابنه.. وهو مسرع فى قاطرة، أو سيارة، أو أى عجلة، دون أن يقصد ذلك. إنها سرعة المدينة، وزحمة المدينة، وأنانية المدينة.. والابن يشتم أباه فى المدينة دون أن يعرفه، عندما يزاحمه فى الطريق، أو يجهره بضوء سيارته.. بل كثيراً ما اختلطت المحارم بالحلائل فى المدينة، بسبب كثرة الناس، وسرعة اختلاطها وافتراقها، دون اكتراث.

ليس العيب فى الناس ساكنى المدينة أبداً.. الناس هم الناس فى المدينة، أو القرية، متشابهون فى كل شئ تقريباً.. فى القيم.. فى الأخلاق.. خاصة أبناء القوم الواحد، أو الدين الواحد.. العيب فى طبيعة المدينة ذاتها، بما تفرضه على الناس من تكيف تلقائى تدريجى، حتى يصبح سلوكاً معتاداً بمرور الزمن فى المدينة.. الناس يبنون المدينة للضرورة والحاجة.. ولكن المدينة تصير بعد ذلك كابوسا لابد منه بالنسبة لأولئك الذين بنوها وسكنوها.. كل شئ فى المدينة بثمن .. وكل كمالية تكون ضرورية.. وكل ثمن له ثمن مادى أو معنوى. ومن هنا تبدأ أزمة الحياة فى المدينة.
المدينة ضد الزراعة.. تبنى على الأرض الزراعية.. تقتلع الشجار المثمرة .. تجذب الفلاحين وتغريهم، ليتركوا الزراعة، ويتحولوا إلى أرصفة المدينة تنابلة كسالى .. عاطلين متسولين .. وفى نفس الوقت، تلتهم المدينة كل الانتاج الزراعى، وتطلب المزيد .. وهذا الانتاج الزراعي المطلوب من ساكنى المدينة، يحتاج إلى أرض زراعية وإلى فلاحين. المدينة ضد الإنتاج، لأن الإنتاج يتطلب جهدا وصبرا، والمدينة بطبيعة حياتها ضد الصبر، وضد الجدية والجهد.. فهي بطبيعتها تريد أن تأخذ ولا تعطى .. تستهلك ولا تنتج، فهى تتمدد في كل اتجاه، وليس لانتشارها حدود .. فهى تتطحلب على كل شئ حولها، وتفرد أخطبوطها لتنثر سمومها، وتقتل الهواء النقى، وتحول الأكسجين إلى ثاني أكسيد الكربون.. وتحول ثانى أكسيد الكربون إلى أول أكسيد الكربون.. وتشوه الصورة الطبيعية، وتعتّم المرآة الطبيعيى، وتنفث الدخان والأبخرة والغازات، فتخنق التنفس، وتلوث كل شئ.. وتحجب النجوم والقمر وحتى الشمس.. وتصدح.. وتصرخ.. وتزمر.. وتضج .. فتسمخ السمع، وتسبب الصداع.. وتوتر الأعصاب .. تتمدد لتلتهم الأرض الزراعية، وتلتهم القرى المجاورة. لتطويها تحت جناحها القذر الكاتم للنفس، فتعشق أسنانها التى هى على هيئة طرق ومبانٍ ومرافق ومناكب وأظفار، تعشقها فى تلك القرى الصغيرة المعزولة الآمنة الهادئة، وإذا بها ضاحية، ثم طرف، ثم جزء لا يتجزأ منها، فيتم طحنها بكلكل المدينة الثقيل، وتتحول من قرى وادعة .. منتجة .. طيبة .. هادئة .. مترابطة.. صحية مزهرة .. إلى خلية مظلمة قاتمة مريضة، جزء من كل ثقيل .. مريض .. مجهد بلا إنتاج .. متعب بلا عمل .. عائش بلا هدف .. موجود بلا غاية ..

المدينة تقتل الحس الاجتماعي والمشاعر الإنسانية، وتخلق التبلد واللامبالاة، وذلك بسبب تعود سكانها تكرار سلوك ومشاهد مما يكون ملفتا للانتباه فى القرى .. والواحات .. والأرياف .. والبوادى .. ففى المدينة، لا تسأل ولا تسأل عن حركة سريعة أو تجمع، أو حركة بطيئة، أو تفرق، وذلك لتعوّدك مشاهدة ذلك.. وبالتالى لا يلفت انتباهك حتى تسأل عنه .. فالمشاجرة .. أو بكاء إنسان.. أو سقوطه فى الشارع.. أو حتى اشتعال النار فى أى مكان .. بشرط أن يكون غير قريب من بيتك .. أو المرور على البائسين والنائمين على الأرصفة والواقفين على النّواصى .. والمستندين إلى الحيطان .. أو جذوع أشجار المدينة حتى لو خاطبوك .. أو مدّوا أيديهم إليك سائلين أو متوسلين، فهذا المشهد يتكرر فى المدينة بصورة مستمرة، فيتبلّد بطبيعة الحالة الإحساس نحوه بمرور الزمن، ويصبح من الرسوم المكملة لصورة المدينة.. ويحسب هكذا من المشاهد المألوفة التى عندما تتكرر أمامك لا تشدّ انتباهك.. حتى لو أنها في بداية الأمر تستحدق التوقف عندها.. أو معالجتها.. أو المساهمة فى شأنها، لكن الحياة فى المدينة لا تسمح بهذا، فالذى يتوقف عند مثل هذه الأمور لا يتمكن من ممارسة حياته فى المدينة.. لأن ذلك يتكرر، وإذا توقفت عنده كلما تكرر، إذن، تصبح مشغولا بها باستمرار، ولأن سكان المدينة كثرة، ومن فئات مختلفة، ومستويات متباينة ثقافيا واجتماعيا.. ولأن الروابط والعلاقات الاجتماعية تتقطّع بحكم العيش في المدينة.. فالجار لا يعرف حتى من هو جاره.. لأنه متغير,.. ومشغول .. ولم يختر أحد أحدا.. إذن، هذا الذى يؤلمك ألمه فى المدينة، أو تشاطره أفراحه، أو أتراحه.. أو يشغلك حاله، هم أناس لا يهتمون بك.. فكيف تهتم بهم؟ من أجل هذا أوكلت المدينة لمنظمات مدينية مسؤولية معالجة تلك القضايا.. فالحريق ليس من شأنك، فهو من شأن جهاز المطافئ. وهذا تبرير لساكن المدينة بأن لا يهتم بحريق شبّ هنا أو هناك، فالمطافئ هى المسؤولة.. أنا لست رجل مطافئ.. أنا مشغول.. والمتسول من مسؤولية المنظمات الاجتماعية، ولو أعطيت كل متسوّل صادفنى فى شوارع المدينة، لأنفقت كل ما عندى على الشحاذين. فهو ليس هذا الذى أمامى، فقط، بل في كل شارع، إذن، لا تهتم بسؤاله.. ثم من قال: إنه محتاج ومسكين حقا..!؟ قد يكون أحد الكسالى، أو أحد النصابين.. فلا تتأثر بالمظهر، فكل المدينة مظاهر خادعة..!! تظهر غير ما تبطن.. إن المشاجرة مسؤولية الشرطة، وأنا لست شرطيا حتى أتدخل بين المتشاجرين.. حتى العِرض يُعتدى عليه أمام ساكنى المدن فلا يكترثون.. إن ذلك مسؤولية المحتسب أو شرطة الآداب.. أو جميعه النهى عن المنكر. لو توقفت عند الحريق والمشاجرة.. والعدوان على العِرض.. والمتسول .. والباكى .. والشاكى .. والمسكين .. وهى مشاهد تتكرر كل يوم، وفى كل ناحية من المدينة، فهل تستطيع الوصول إلى المكان الذاهب إليه.. أو العودة إلى بيتك وعندك قدرة لمعالجة تلك الحوادث المختلفة؟ من هنا، وشيئا فشيئا يتبلّد الإحساس فى المدينة تجاه تلك الأمور، وتتكون قناعة بعدم المسؤولية.. ويصبح من السذاجة التصرف غير هذا التصرف البليد فى أى مدينة فى العالم. إن موظفاً فٌصل من عمله لأنه خرج من مكتبه وأسعف مصابا فى حادث تصادم فى شارع من شوارع المدينة، فصل بتهمة ترك العمل، والتدخل فى اختصاص غيره الذين هم الشرطة والإسعاف، وكل تلك المنظمات المدينية لا تشكرك إذا قمت مقامها متطوعا مساعدا .. بل تتحسّس منك وتغار، لأنك تنافسها فيما هو مبرر عيشها فى المدينة .

هذه هى المدينة، طاحونة لساكنيها، وكابوس لمشيديها، تجبرك على تغيير مظهرك.. وتبديل قيمك .. وتقمّص شخصية مدينية ليس لها لون ولا طعم .. ولا رائحة ولا معنى .. حياة دودية .. "بيولوجية" تجبرك على استنشاق أنفاس الآخرين غصبا.. وعدم الاكتراث بهم مع ذلك. وتحتمى بهم فلا يحمونك ولا تحميهم.. وتجبرك المدينة على سماع أصوات الآخرين مع أنك لا تخاطبهم .. وتستنشق أنفاسهم دون أن تطلب منهم ذلك.. وتستمع إلى أصوات كل المحركات والمطارق بالكامل مع أنك غير معنىّ بتلك الأصوات.

أما أطفال المدينة فانهم أتعس من كبارها.. فهم من ظلمات الى ظلمات.. من ظلمات ثلاث الى الرابعة.. فمنازل المدينة ليست بيوتاً بل هى حجور وكهوف محاطة بتيارات متعاكسة من حركة شوارع وزقاق المدينة .. والناس فيها تماما مثل القواقع المحتمية باصدافها بسبب ضغط تيارات البحر وأمواجه.. فالمدينة بحر له تيارات وأمواج وبراريم وبراريم وقاذورات وأتبان وزبد.. وقواقع .. فالقواقع هى الناس وأطفالهم المساكين الذين يضغط ضدهم كل ما هو فى المدينة، فذووهم يضغطون عليهم الى الداخل إلى القوقعة خوفا عليهم من الشارع التيار الذى لا جدوى من عبوره لأن ثمة قواقع أخرى وكهوفا أخرى وأصدافا متجمدة هى الأخرى على الجانب الآخر من الشارع، فالى اين أنتم ذاهبون ايها الاطفال الابرياء تلك بيوت الناس.. انكم لا تعرفونهم، ان الذين كانوا هنا انتقلوا، هؤلاء جدد. ثم ان الشارع ليس لكم وحدكم. نه للسابلة.. الشارع يا أبنائى ليس للعب .. والشارع يضغط عليهم كذلك.. ان صغيرا دهس يوم أمس فى ذاك الشارع لانه يحاول حاول اللعب فيه.. والسنة الماضية مرت العجلات المسرعة على طفلة وهى تعبر الشارع فتمزق جسدها الصغير ولملموها فى رداء أمها قطعة .. قطعة .. وأخرى خطفها محترفون .. وغيبوها أياما ثم وضعو أمام منزل أهلها بعد ان سرقوا احدى كليتيها!!.. وطفل وضعه اطفال الشارع فى صندوق ورق فداسته السيارة دون ان تعلم ان فيه طفلا مسكينا.

ارجعوا إلى الداخل .. الى الظلام .. الى الحجرات الباردة المظلمة والساخنة القذرة.. الله غالب المدينة امتلأت بالأوساخ.. إياكم ان تحاولوا اللعب على جانبى الشوارع.. إنها قاذورات وزبالة .. وعندما توصد كل السبل أمام الأطفال . وبصور مخيفة .. الموت دهسا الى الموت تقطيعا.. الى الخطف وبتر الأطراف فيكون أهون المحاذير بالنسبة إليهم هو الوسخ .. والقذارة .. ذلك أهون من الحبس والضجر وظلام المنازل.. والنتيجة هى موت باسلوب آخر. نعم ان بحر المدينة مثل أى بحر له مهالك وبلاليع وحيتان خطرة.. فكيف يتسنى للأطفال العيش فيه.. ولكن هم فيه.. ما الحل.. الحل هو الضغط على الاطفال وضربهم واجبارهم على التقوقع والانكفاء والانكسار النفسى.. وقمع انطلاقاتهم وحرمانهم من النور والهواء.. هذه هى حياة المدينة، طابور.. سيارة افتح اقفل، ما وراء الباب أحباب .. الروضة طابور ورسميات وتعهدات. والمدرسة كذلك والمستشفى والسوق، كلها افتح.. ادفع.. اقفل.. اصطف.. اسرع.. طفل المدينة ينمو بيولوجيا ولكنه سيكولوجيا هو وعاء لكل تلك الكبوحات.. والقموعات وعوامل الزجر والنهر.. فهو نموذج لانسان العقد والأمراض النفسية.. والانطواء، والنكوص. وهذا هو سر ذبول القيم الانسانية والروابط الاجتماعية وعدم الاحساس بالغير. فقدان الترحاب والمباجلة وكذلك الغيرة .

أما القرية والريف فذلك عالم آخر يختلف فى المظهر والجوهر .. هناك لا ضرورة اطلاقا للقمع والزجر والضغط العكسى.. هناك تشجيع وتمجيد بالانطلاق والظهور الى النور.. هناك تحاكى الطيور والزهور فى التحرر والتفتح.. لا شوارع.. لا قاذورات.. لا مجهولون، كل أهل القرية والريف والنجع مترابطون حتى النهاية، تربطهم كل الوشائح المادية المعنوية.. هناك اطفال الحبور والسمر.. اطفال الشمس والقمر.. اطفال النسيم العليل والرياح العاصفة.. لا خوف من الانطلاق لا تيارات.. لا فتح .. لا قفل، كل شئ مفتوح بالطليعة.. ولا حاجة للقفل بالطبيعة حيث البيئة الطبيعية التى ينمو فيها الطفل كما تنمو تلك النباتات.. فلا كبح.. ثم انسان بلا عقد .

ايها العقلاء .. ايها الرحماء .. ايها الانسانيون ارحموا الطفولة.. فلا تخدعوها بالعيش فى المدينة. لا تقبلوا ان تحولوا اولادكم الى فئران من جحر الى جحر.. من حفرة الى حفرة.. ومن رصيف الى رصيف. ان سكان المدينة ينافقون أطفالهم وانفسهم عندما يظهرون لهم الحب.. وفي نفس الوقت يخلقون المخانق والاقفاص لتبعد عنهم صوت اطفالهم الحبيب، وتغيبهم هم أنفسهم عنهم وتحجزهم عن ذويهم. اذ ان حياة اهل الطفل- لانهم من سكان المدينة – تفرض عليهم التخلص من اكبادهم والتحايل على اولادهم.. فهم لكى يقاوموا حياة المدينة الكابوس يبحثون ويخلقون وينفقون عن وعلى مشاغل لا تسمن ولا تغنى من جوع.. مناسبات مزورة.. سهرات مصطنعة.. صداقات كاذبة.. وهنا يشكل الاطفال عقبة امام ذويهم تعوقهم عن ممارسة ذلك، وهم يحاولون التكيف والتغلب والسير مع حياة الجحيم التي تفرضها المدينة على ساكنيها المعذبين. فدور الحضانة، والرعاية والمراجح وحدائق الاطفال، ورياض الأطفال وحتى المدارس ما هى إلا تحايل على أولئك المخلوقين الابرياء للتخلص منهم بطريقة عصرية للوأد.

ما أقسى المدينة واتفهها على ساكنيها المساكين تجبرهم على قبول اللامعقول.. وهضمه وابتلاعه غصة على انه مقبول ومعقول.. وليس أدل على ذلك من تلك الاهتمامات التافهة التى تفرضها المدينة على اهلها. قد تجد الآلاف المؤلفة تتفرج على عراك بين ديكين!! ناهيك عن الملايين أحيانا وهي تتابع اثنين وعشرين فردا لا غير فى حركات لا معنى لها وراء كيس صغير فى حجم البطيخة مملوء بالهواء العادى.. ونفس الحشود تقريبا تحضر لمجرد الحضور تقليدا مدينيا تافها أمام شخص واحد فقط يردد كالببغاء امامهم باسلوب سامخ وغير مسموع احيانا استنطاقات ملوية ومصحوبة بضجيج آلى، اغلب الحاضرين لا يميزون منها شيئا.. وقد يصفق مخمور أو مخبول فيصفق كل الجالسين غير الفاهمين تعبيرا منهم بانهم منسجمون وهو غير صحيح. نفاق عصرى متكلف، الناس مجبرة عليه في حياتهم فى المدينة. كما يتفرج الملايين احيانا ايضا على عراك آخر بين رجلين بالغين عاقلين فى صراع أو ضرب في معركة شرسة ومرعبة دون ان يتدخلوا لفض النزاع، وايقاف المعركة الوحشية التى فى مقدورهم فضها. ولكن حياة المدينة العصرية تمنعهم لان المعركة غير المعقولة والدموية والحامية الوطيس مقصودة فى ذاتها، وبهذه الكيفية الهمجية لكون المدينة تريد ذلك.. فتعذيب الحيوانات فى السباقات المنهكة لها.. وتسليطها على بعضها استغلالا لطبيعتها البهيمية العمياء.. وتعذيب البشر كذلك وإيلامهم والتضحك عليهم، والمراهنة فوقهم هى وسائل للترفيه الكاذب لسكان المدينة. وان القتال بين المتصارعين والمتلاكمين لا مبرر له.. فليس ثمة عداوة بعد التحقيق توجد بينهما.. ولكنه هذا المطلوب.. مدينيا وعصريا.!!


جلال الوحيشي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home