Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

رد عـلى المحامي الشارف الغرياني

لا يختلف اثنان علي تردي الواقع الرسمي العربي علي كافة المستويات واستشراء أدران التخلف متمثلة في ضعف الأداء السياسي وغياب البعد الاستشرافي والمؤسساتي والارتهان للقوى الإقليمية والدولية الشيء الذي سحب بظلاله القاتمة علي كافة مناحي النشاط الإنساني في المجتمعات العربية مما ولد خيبة أمل كبيرة لدي الإنسان العربي الذي أضحي يائسا وخائب الرجاء ينظر للمستقبل بعين قلقة ووجلة يترقب الآتي دون ثقة.
ومن نافلة القول أن ثالوث التخلف المرعب (الفقر والجهل والمرض) قد أستوطن المنطقة العربية منذ أمد. وإزاء هكذا وضع فقد أسهب المفكرون والكتاب العرب علي تعدد مشاربهم في تشخيص الحالة العربية وأرجع جلهم أصل البلاء إلى الدور المحوري للأنظمة العربية الحاكمة في تأصيل وتجذير هذا الواقع الآسن الذي يفوح عفونة.
وظلت الأبحاث والكتابات لعقود خمسة تلوك نفس المصوغات بل أن البعض أوغل في دهاليز الفكر السياسي لتمرير الحتمية التاريخية كبارقة أمل للشعوب العربية.
إلا أن الانهيار المدوي للمنظومة الشيوعية ساهم بشكل فعال في إيقاظ الانتليجنسيا العربية وإنزالها من برجها العاجي لتلامس قليلاً الواقع الذي تجافته ردحاً من الزمن.
وهنا وظفت المعارف الحديثة واستخدمت آليات البحث العلمي والأساليب الاستقرائية وساعدت الثورة الهائلة لعالم الاتصالات في تضييق الهوة المعرفية بين النخب الثقافية في العالم لتلقي بمزيد من الضوء علي الحالة العربية فتأتي النتائج مغايرة للطرح الدوغمائي الذي ساهم في توريط مثقفينا في تنظيرات آنية تفتقد للبعد الاستشرافي وتباعد بينهم وبين الهموم اليومية للسواد الأعظم.
ومع اتساع وتنامي تأثير ثورة الاتصالات التي جعلت العالم بحق قرية كونية واحدة, ازداد إحساس سكان المعمورة بضرورة التعايش وتقبل الآخر وأدرك "ركاب السفينة الواحدة" إن أي عطب في أية جهة لا محالة سيغرق الجميع وهنا يبرز دور الانتليجنسيا العالمية واضح التأثير حين تقاطعت شعوب المعمورة قاطبة (ما عدا العرب!) في قواسم مشتركة جعلت الألفية حقبة حقوق الإنسان بامتياز وتصاعدت الدعوات من كل مكان داعية لحوار الحضارات ونبذ الحروب والجلوس علي طاولة المفاوضات لفض النزاعات وإيجاد حلول وسطى للإشكاليات بين الفرقاء.
وازداد وعي الإنسان المعاصر بأهمية المحافظة علي البيئة والعمل علي وقف سباق التسلح.
حدث هذا علي مستوي شعوب العالم نتيجة تراكم الوعي بالعيش المشترك والإحساس بالمصير المشترك وأن كان وعي الشعوب أحد وأبرز من وعي الساسة لاعتبارات مصلحية و لقوة تأثير اللوبيات.
حدث هذا والعرب لا زالوا يغطون في سبات أقرب إلى الموات.
فإن كانت الأنظمة الحاكمة مسئولة بشكل مباشر عن الواقع المتردي فإن مسئولية المعارضة والنخب المثقفة العربية لا تقل عنها وبل إنها أفدح بحكم كونها أداة التغيير الاجتماعي ودورها محوري في أي حراك بنيوي.
فشراسة الأنظمة الحاكمة يعود جزء كبير منها لآليات الانتليجنسيا التي لا ترى سبيلا للتغيير غير العنف والانقلابات.
والغريب أن أساليب المعارضة تتشابه لدرجة التطابق مع أساليب الأنظمة الحاكمة, فالإقصاء والتشفي والتشهير والشتم والسب والضيق بالرأي الآخر والعنف المتبادل والاغتيالات وأخيراً التفجيرات الدموية التي تروع الآمنين هذه وغيرها أضحت أبرز سمات المعارضة والنظم الحاكمة علي حد سواء, وفي الخضم تناست المعارضة بالذات عن إدراك أن التغيير المؤسس والمآثر والأبقى أثراً هو ما يتم بالحوار الهادئ وبتؤدة وبطرق سلمية.
فالله سبحانه وتعالي يخاطب الرسول الكريم عليه أفضل الصلوات والسلام بأنه لو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله. والثورة السلمية التي قادها المهاتما غاندي هي التي بوات الهند هذه المكانة الرفيعة علي الساحة الجيوبوليتيكية الدولية وجعلتها إحدى أعرق الديمقراطيات التقليدية في العالم في حين باءت الثورات المسلحة بفشل ذريع وأدخلت العالم الثالث في دوامة من العنف لا زالت شظاياها تتطاير حتى الآن.
أسوق هذا لإحساسي بالمرارة والحسرة وأنا ألمس المعارك الدنكيشوتية التي تقودنا إليها عنوة المعارضة العربية في المهجر التي تسعي وبإصرار فج لإعادة إنتاج الأزمات.
فمؤخرا قرأت مقال إلكتروني في موقع ليبيا وطننا بتاريخ 15/4/2007 لأحد قادة المعارضة الليبية وهو محامي مقيم بالمهجر يدعي الشارف الغرياني عنوان مقالته هل في ليبيا الآن دستور.
وهو رد علي مقال سابق للدكتور/ يوسف شاكير (مؤلف الكتاب القيم "صناعة معارضة/ العلاقة بين CIA والمعارضة الليبية") تحت عنوان "الدستور وما أدراك ما الدستور"، الذي نشر بموقع ليبيا وطننا بتاريخ 11/4/2007.
مقالة الدكتور/ يوسف شاكير عبارة عن عرض موجز لكتاب للقانونيَ الليبي الدكتور/ عبد الرحمن محمد أبو توته يتحدث فيه عن دراسات قانونية "في ضوء قانون تعزيز الحرية وحقوق الإنسان".
خصص الدكتور/ أبو توته الصفحات الثمانية الأولى من الفصل السادس للحديث عن المواثيق الحقوقية والقوانين الأساسية (الدستور) في ليبيا.
الحيثية المتعلقة بالدستور في كتاب الدكتور/ أبو توته هي ما تعرض له بإيجاز الدكتور/ يوسف شاكير في مقالته الإلكترونية السالفة الذكر.
وذهلت من الطريقة والأسلوب اللذين أتبعهما الأستاذ/ الشارف الغرياني في رده على الدكتور/ يوسف شاكير . فالأستاذ/ الشارف شرع بالسخرية والتهكم دون مبرر ثم عرج على الإشادة بالتوصية الثالثة من توصيات المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية المنعقد بلندن يونيو 2005!!
وكدأب المعارضة العربية صب جام غضبه على النظام الليبي ونعته بشتى الأوصاف مستخدماً السباب والشتم ولم يتوانى عن استخدام أسلوب التشهير والخوض في الأعراض.
وفي منتصف الصفحة الثالثة حول سخطه إلى الدكتور/ أبو توته الذي وصفه بصنيعة النظام الليبي!
وتحدث بحنين طاغي وحميمية عن دستور 1953 أبان السنوات الأولى في مرحلة النظام الملكي في ليبيا (1951 – 1969).
وبعجالة قام بالمقارنة بين الحياة الدستورية إبان بين العهد الملكي والفترة الحالية وكتب في معرض تحديه للدكتور/ أبو توته (..... وأتحداه بان يأتي بحكم واحد صادر عن الدائرة الدستورية التي يدعي وجودها ينص على إلغاء أي قانون) (من مقالة الشارف الغرياني).
وأنهى الأستاذ/ الشارف مقاله بالحديث عن قرب أفول النظام الليبي وحلول الدولة التي تتصورها المعارضة!
مثل هذا الرد المتشنج ذي الأفق الضيق يقدم دليلاً أخر على مدى إفلاس أطروحات جل المعارضة العربية التي تصر بغباء على إعادة إنتاج الأزمات وتغلق باب الحوار مع الأنظمة العربية الحاكمة.
ومما دفعني على الرد على الأستاذ/ الشارف هو الحالة الليبية ذات التميز الشديد.
فبعد جهود استقرائية لاحظت أن الحالة الليبية عانت من سوء الفهم وغبن في التقييم لأن جل المتتبعين للنظام الليبي يقيمونه وفق معايير ليبرالية هي ذاتها محل تساؤل، سآتي على ذكرها في سياق ردي على الأستاذ/ الشارف الغرياني. أولاً: أظنه من غير اللائق التهجم أو التهكم على الآخرين لمجرد اختلاف في الرأي، فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، فإنسانياً لا يحق للمرء أن يعطي لنفسه حقاً ويسقطه عن الآخرين.
ثانياً: بخصوص التوصية الثالثة التي تنص على "إقامة دولة دستورية ديمقراطية مؤسسة على التعددية السياسية والثقافية، والتداول السلمي للسلطة وتكفل الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وترسي قواعد العدل والمساواة وتكافئ الفرص لكافة أبناء الوطن بدون أي تمييز وتصون الثروات الوطنية وتنميها، وتقيم علاقات خارجية متوازنة مؤسسة على الاحترام المتبادل" (التوصية الثالثة من توصيات المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية المنعقد بلندن يونيو 2005).
أظنها كلمة حق أريد بها باطل فكلنا كعرب نسعى وإن بطرق متباينة لإقامة الدولة التي أشارت إليها التوصية.
فماذا عن الحالة الليبية، هنا أصاب بالدهشة والاستغراب فالعالم قاطبة ولا سيما النخب المثقفة تسعى وتنظر وتؤطر لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية.
وأضحى جلياً أن النظم الليبرالية قد استوفت غرضها التاريخي وهي في مرحلة لفظ الأنفاس، فبموضوعية وتجرد علمي لم أجد على حد علمي ووفقاً لإطلاعي (للعلم أجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية) أبدع ولا أروع من النصوص الواردة في الفصل الأول من الكتاب الأخضر حول توسيع قاعدة المشاركة الشعبية.
فلأول مرة أحس وأنا الليبرالي حتى النخاع أن الناس كافة مشاركين وبفعالية في رسم أدق السياسات، ولأول مرة ألمس انتفاء نظام الوصاية والتمثيل وبشكل رائع كما ورد فيه الهيكلية التنظيمية لنظام المؤتمرات الشعبية الأساسية، وزاد من انبهاري بهذا الطرح، الطريقة التي تحدث فيها الكتاب عن مصادر التشريع في المجتمع الجماهيري وأخيراً فتجربة الكومونات التي تربوعلي 30000 كومونه في ليبيا قد وسعت و سهلت المشاركة للانسان البسيط ايما كان للمساهمة الفعالة في صنع القرار.. فهل يدري الأستاذ/ الشارف بذلك أم يعيش خارج حركة التاريخ.
وعلى المستوى الاقتصادي أظن الكتاب الأخضر قد شخص الأزمات ووضع التصور البديل للحل على طريقة الفنانين بطريقة لم نعهدها حتى في المتون.
ولأن المقام هنا لا يسمح بالإسهاب فأني أرجو من الأخوة الكتاب والمثقفين أن يدرسوا الكتاب الأخضر دون حكم مسبق.
ثالثاً: أما في ما يخص الوثيقة الدستورية الصادرة في العهد الملكي عام 1953 تثبت الوثائق أنه وضع من قبل الإنجليز والأمريكيين (كالقاضي جونسون) بالتعاون مع بعض الفقهاء الليبيين ومراقبة قضاة طليان وفي فترة كانت السيادة الوطنية منقوصة بتواجد القواعد الأمريكية والبريطانية على التراب الليبي تمام كدستور بريمر في العراق وكأننا كعرب لا نتعظ بوقائع وأحداث التاريخ فما أشبه الأمس باليوم!
الأستاذ الفاضل/ الشارف الغرياني دعني أذكرك بالتاريخ القريب لتلك الحقبة لتدرك معنى أنه لم تكن هناك سيادة حقيقية لليبيين على أرضهم في تلك السنوات، فمن التاريخ الشفاهي ووفقاً لبعض الدراسات التاريخية(1) صعقت حين علمت بأنه في تلك الحقبة لم يكن مسموحا لليبيين بالتجول في ميدان الشهداء (المعروف شعبيا بالساحة الخضراء) في مدينة طرابلس يومي السبت والأحد!!
وقد ذكرت تلك المصادر أن الجنود الأمريكيون كانوا يتندرون ويهزءون بالمواطنين الليبيين في سوق الجمعة وبلغت بهم الصفاقة إلى حد رمي زجاجات الخمر الفارغة على المارة دون حياء.
رابعاً: تحديك للدكتور/ أبو توته جعلني أبادر إلى قراءة كافة الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة من العام 1976 وحتى العام 2006 فإذا بي أجد أحكاماً صدرت عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بهذا الكتاب منها:

1. أصدرت الحكم الآتي في الدفع المقيد بالسجل العام تحت رقم (2/44ق) بعدم دستورية القانون رقم 13 لسنة 1425 ميلادية بشأن إقامة حدي السرقة والحرابة.

2. أصدرت الحكم الآتي في الدفع المقيد بالسجل العام تحت رقم (1/46ق) بعدم دستورية القانون رقم 13 من القانون رقم 10/1984 بشأن الزواج والطلاق وآثارهما.

3. أصدرت الحكم الآتي في الدفع المقيد بالسجل العام تحت رقم 1 لسنة 52ق بعدم دستورية القانون رقم 3 لسنة 1988 بتعديل القانون رقم 43 لسنة 1974 بشأن تقاعد العسكريين.

4. أصدرت الحكم الآتي في الدفع لدستوري رقم 5 لسنة 52 بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من القانون رقم 8 لسنة 1371 بتعديل مادة في القانون رقم 28 لسنة 1974 بشأن الإجباري عن المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات الآلية.

أستاذي الفاضل إن التجربة الليبية تجربة فريدة في العالم العربي تستحق منا كعرب الوقوف معها وتثمينها وإني على يقين أن النظرية العالمية الثالثة لو جاءت من إحدى دول المركز لكانت أوفر حظاً ولسمع بها القاصي والداني، ولكن أن تأتي من إحدى دول الأطراف وفي مجتمع بدوي متخلف أدى إلى هذا الأداء الباهت على المستوى المحلي.
وفي هذا السياق أسألك يا أستاذي الفاضل متى أعطيت لليبيا فرصة لالتقاط الأنفاس فمنذ الأيام الأولى للنظام الحالي وحتى مطلع الألفية وليبيا تساق من معركة إلى أخرى وللأسف شاركت المعارضة الليبية مع الأمريكيين وأحياناً مع الموساد(2) في معارك دموية لإسقاط نظام طرابلس.
أستاذي الفاضل/ الشارف الغرياني إن واقع الحال في ليبيا ليس نموذجياً ويعاني من العديد من المشاكل لعل أبسطها الفساد الإداري وسيطرة العقلية القبلية ونظام طرابلس أدرك ذلك بعد أن ألتقط أنفاسه منذ سنوات قليلة وشرع بإصلاحات جذرية ودعا كل الليبيين بالداخل والخارج للحمة والوقوف بجدية لبناء ليبيا الجديدة، فهذه فرصة سانحة لكم للعودة للوطن وإن كنتم غير راضين عن الواقع أعملوا على التغيير السلمي الهادئ والمؤطر من خلال المؤتمرات الشعبية الأساسية التي أدى هجران أمثالكم لها إلى بعض الخلل في التطبيق.
إخوتي الليبيين إن وطنكم محتاج لجهد كل فرد منكم فلا تشتتوا جهودكم دون طائل ولكم أسوة حسنة بالمعارضة العربية في أقطار عربية أخرى.
ختاماً أقول لك أخي الشارف تذكر أن الإنترنت مفتوح للجميع فلا تستخف بعقول القراء بتطاول قد يؤدي بك.

د. الحسين ولد الشيخ العلوي
موريتانيا
________________________________________________

(1) الأنظمة السياسية في المغرب العربي تحت الوصاية "الباحث محمد الأمين بولومة" المطبعة الوطنية. نواكشوط. ص19، 1989.
(2) كتاب صناعة معارضة العلاقة بين الـ CIA والمعارضة الليبية د. يوسف أمين شاكير دار أكاكوس للنشر والتوزيع والترجمة – هليوبوليس – القاهرة. 2004


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home