Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

حوار هـاديء مع د. عبدالحكيم الفيتوري (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

فى هذا الجزء من الحوار نتناول التقسيم الذى اعتمده الدكتور للسنة ، وعلى غِرار الجزئين الأول والثانى فى الاحتكام الى أصول الدكتور التى اعتمدها فى الاشكالات ، ومنها هذا التقسيم للسنة ، ولن أقف عند مصدر هذا التقسيم ، أهو من إنتاج الدكتور كما يقول ، أو من إنتاج غيره ، فهذه ليست محل إشكال ، وإنما غرضى من الوقوف على هذا التقسيم هوعرض حديث محكول( المرسل) عليه ، وهو الحديث الذى اعتمد عليه الدكتور فى جواز التعامل بالربا فى دار الدعوة ( مع بعض القرائن ) .

فأقول وبالله التوفيق .
مما لا اختلاف فيه أن حديث محكول ليس بنص قرآنى ، وإنما هو من كلام النبى عليه الصلاة السلام الذى يندرج تحت أحد أقسام السنة الثلاث التى ذكرها الدكتور ، وذكره لحديث مكحول والقرائن المتحفة به على سيبل الاحتجاج فى مقام الحلال والحرام يدل على أنه من ضمن السنة التشريعية، وليست القيادية ولا الجبلية ، فى تقسيمات الدكتور .

والإشكال هنا ، هو أن الدكتور يُعّرف السنة التشريعية بأنها الشارحة والمبينة والمفصلة لإيات القرآن ، ولن تكون بحال دليلاً مستقلاً عنه . وإليك ما قال :
( وركز أخى القارىء إلى تعريفه للسنة التشريعية و انتبه الى كلمة – شارحة ، مبينة ، مفصلة، أثناء التعريف ) .
يقول الدكتور :-

( فلاشك أن صاحب حق الأوامر الواجبة المحتمة على الخلق هو من خلقهم من عدم (ألا له الخلق والأمر)، فالنص القرآني هو النص اللازم ، والسنة النبوية (التشريعية) تابعة للقرآن مبينة له غير مستقلة عنه(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، (اتبع ما أوحي إليك من ربك). لذا فإن شخص الرسول الكريم - فداه أبي وأمي - قد اجتمعت فيه أبعاد ثلاث(البعد الرسالي:البلاغ عن الله ، وتفصيل وتبيان الكتاب)، (والبعد القيادي: تجاربه الشخصية في إدارة الأعمال القيادية والسيادية في السياسة وحالات الحرب والسلم)، (والبعد الجبلي: كونه بشر عاش بيئة وأعراف وتقاليد معينة في إطار الزمان والمكان). فعدم الفرز وفك الإشتباك بين هذه الأبعاد الثلاثة يعني مضاهاة النص القرآني صاحب الحق في تأسيس الواجب واللازم ، وهنا مكمن الخلل وموطن الداء!! )
ويقول
(ويبدو جليا أنه قد اجتمع في شخص رسول الله – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - أبعاد ثلاثة (البعد الرسالي، والبعد القيادي، والبعد الجبلي)، فكانت السنة(التشريعية، والقيادية، والجبلية)، فالأولى لازمة لعلاقتها الوثيقة ببيان الرسالة الإلهية، والآخرين في دائرة المباح لعلاقتهما بالجوانب الاجتهادية والتجارب والخبرة البشرية، وقد كان ذلك واضحا في عهده صلى الله عليه وسلم

فهى إذن – السنة التشريعية - تابعة للقرآن غير مستقلة عنه ، وهى تفصل وتبين ما فى الكتاب من أحكام .على ما ورد فى تعريفات الدكتور لها .

ويؤكد ذلك فى مقام أخر فيقول :
فإسلام النص هو ما قاله وقرره سبحانه في كتابه (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا)، (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين)، (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(قل أطيعوا الله والرسول)(ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) وطاعة الرسول كما لا يخفى تتمثل بإلالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم خاصة التشريعية منها، قال الشاطبي: (السنة راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوله تعالى في سورة النحل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية). (الموافقات
تمعن جيداً : فى تعريف الإمام الشاطبى الذى اعتمده الدكتور هنا فى كيفية التعامل مع ( طاعة الرسول ) بمعنى الالتزام بسنته والتى هى المبينة للقرآن من جهة تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره ، وهذه هى السنة التشريعه فى تقسيم الدكتور .
وأقرأ قوله : ( فلا تجد فى السنة أمرا إلا والقرآن دل علي معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية ،)إنتهى

ولنا أن نتساءل هنا : أين هى الدلالة القرآنية على معنى حديث مكحول الذى يبيح التعامل الربوى مع غير المسلمين فى ديار الدعوة فى القرآن الكريم ؟ .

ولا يتركنا الدكتور فى حيرة من أمرنا عندما يقابلنا قوله تعالى ( يوحى الىّ ) ، بل ذهب يبين ويشرح ما الوحى المقصود هنا ، وما هى ضوابطه : يقول الدكتور

... وقوله (يوحي إلي) هذا هو الفارق الأساسي بين ما صدر عنه بلاغا عن رب العالمين وبين اجتهاده وسلوكه البشري ، وقد أُمر ببيان ما يوحى إليه ، وهذا هو ما اسميناها بالسنة (التشريعية) التي لها سلطة الوحي في الوجوب والإلزام كقوله(صلوا كما رأيتمون أصلي) و(خذوا عني مناسككم) ونحوه، أما ماعد ذلك مما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بالبعد القيادي أو الجبلي فهو في دائرة المباح والاجتهاد البشري (لهم وليس عليهم)

لاحظ كيف استدل الدكتور على سلطة الوحى النبوى بقوله عليه السلام ( صلوا كما رأيتونى أصلى ) وقوله ( خذوا عنى مناسككم ) ليؤكد على قوله بأن السنة التشريعية ما هى إلا بيانية وشارحة ومفصلة لما أجمل فى القرآن . فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالصلاة مثلاً وحج البيت الحرام ، ولكن تفصيل ذلك وبيانه لم يرد إلا فى السنة التشريعية كما مر معنا فى الحديثين السابقين .
وهذا ما اعتمد عليه الدكتور فى تعامله مع السنة فى كل مقالات الاشكالات التى نشرها .
ويؤكد الدكتور هنا على ضوابط التعامل مع النص السنى التشريعى بضوابط ألهية ربانية ، لتميزه عن النص القرآنى الملزم للإمة .
يقول الدكتور :

( وقد أحيط هذا النص السني الذي يعد من جنس النص القرآني بضوابط وقيود عالية المستوى ، فقال تعالى (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين).

وفي مقابل هذه القيود والضوابط التي وضعت للنص السني(التشريعي)الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالرسالة تبليغا وتبيانا كان الاعتراف بالجوانب البشرية لشخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واعتبارها وعدم إلغائها سواء بسواء مثلا بمثل ؛كإعمال عقله بالاجتهاد وتقدير المصالح ودفع المفاسد ، والاستفادة من تجاربه وتجارب الانسانية في ممارسة الأعمال القيادية والسيادية، ومراعاته الأعراف والعادات الجبلية الفطرية، فقال تعالى(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي) .

هذا هو التقسيم الذى اعتمده الدكتور طوال رحلة الاشكالات السابقة أو اللاحقة ، وتلك هى تعريفاته ، وإننى هنا اعتمد ذات التقسيم ، وذات التعريف فى التعامل مع حديث مكحول ، وفى إى أقسام السنة نستطيع أن ندرجه ، وذلك تقليداً للدكتور فى عرض كل حديث على سلم هذا التقسيم ، على افتراض أن الحديث – حديث مكحول – لا يخالف الأصل الكلى ( القرآن الكريم ) ومقاصده ، ففى أى أقسام السنة يكون إذن :
يقول الدكتور أثناء الاشكالات :
-(( هب جدلا أن هذا الحديث لا يخالف الرؤية المقاصدية للقرآن الكريم،ولا يخالف منهج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة التي لم تعرف التفريق بين الناس إلا بالتقوى، ففي أي أقسام السنة يمكن أن نصنف هذا الحديث،أفالسنة(التشريعية) أم السنة(القيادية) أم السنة(الجبلية)(*) )
ويقول أيضاً :-
( وإذا أردنا إعادة النظر في فهم هذا الحديث حسب كليات القرآن المقاصدية وتقسيمنا للسنة النبوية إلى سنة (تشريعية، وقيادية، وجبلية)، فينبغي علينا مراعاة تصنيف هذا الحديث حسب سلم التقسيم الجديد ؛تشريعي أو قيادي أو جبلي، فإن كان تشريعيا؛ فلابد أن يكون مببينا أو شارحا أو مفصلا لما أجمل في الكتاب، وأن كان قياديا ينبغي أن تكون مراعاة المصالح والمفاسد في تطبيقه مردها إلى الإمام حسب ظروف الزمان والمكان، وأن كان جبليا تراعى فيه عوامل الأعراف والعادات والبيئات. )

وبما أن الدكتور قد استدل بحديث مكحول فى جواز التعامل بالربا ، فلابد إذن وأن يكون تشريعيا كما ذكرنا من قبل ، وإلا لما كان للاستدلال به أى معنى ، وما دام تشريعياً فلابد وأن يكون ، إما شارحاً أو مبيناً أو مفصلاً لما أجمل فى الكتاب كما هو المعتمد فى أصول الدكتور أعلاه ، فهل ينطبق هذا الوصف على حديث مكحول ؟

المتأمل فى كلام الدكتور فى الربا ، يرى أن الدكتور لم يلتزم هذا الأصل ، فلم يكن حديث مكحول شارحاً ولا مفصلاً ولا مبيناً لما أجمل فى الكتاب ، بل هو مخالف ومناقض لما فى الكتاب ( الأصل الكلى ) .

و الإشكال هنا ( كيف لم يلتزم الدكتور بتعريف السنة التشريعية على الوجه الذى ذكره – مبينة ، شارحة ، مفصلة ، غير مستقلة - ، وراح يستدل بها على القرآن وجعلها حاكمة عليه ، ملزمة له ، ومستقلة عنه )

وإذا كان حديث مكحول ( المرسل ) تشريعياً ، فكيف تأثر بتغير المكان ؟ وهو القائل فى إصوله :
يقول الدكتور ( ولكن ـ كما لا يخفى ـ أن السنة التشريعية؛ والتي هي مبينة ومفصلة وشارحة للقرآن الكريم لا تآثير لبعدي الزمان والمكان عليها، لآنها في دائرة اللازم الذي يتبع نصوص القرآن الكريم التي لها حق الوجوب في مطلق الزمان والمكان والانسان، ولكن هناك حالات استثنائية قد تتأثر بها السنة التشريعية كحالة الضرورة والإكراه فأن لهما نصيب في تقييد وتخصيص ورفع ذلك الواجب والمطلق لقوله تعالى : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد)(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان). إذن الإكراه والإضطرار وحدهما اللذان لهما النصيب فى التقييد والتخصيص ، فإين هو الإكراه والإضطرار فى جواز ( إباحة ) التعامل الربوى فى ديار الحرب هكذا وعلى الإطلاق ؟ .

وقال أيضاً ( للاسف أن إشكالية العقل التاريخي تكمن في تعامله مع متن الحديث بمعزل عن معرفة أسباب وروده والأجواء التاريخية المحيطة به الخاصة والعامة وملابسات القول، وفي غياب هذا المنطق وحضور المنطق النصي الجزئي، يتم تأويل جمهور أيات القرآن لصالح متن الحديث في حين تتضاءل منهجية رد متن الحديث إلى كليات القرآن المقاصدية، )

هذا ولقد إطلعت على رسالة الدكتور المتعلقة بحديث مرسل مكحول فلقيته يتعامل مع هذا الحديث دون أن يتعرض لإسباب وروده ولا الاجواء التاريخيه المحيطة به ، فهل لهذا التجاهل أى أثر فى القول بجواز التعامل الربوى فى ديار الدعوة ووقوع الدكتور فى هذا الإشكال للعقل التاريخى ؟
أم أن هذا الاصل الذى أُعتُمِد فى الاشكالات لا ينطبق وحالة حديث مكحول ؟
وإذ كان ذلك كذلك – على قول الدكتور – فأين يمكن تصنيف حديث محكول من أقسام السنة الثلاث فى تقسيمات الدكتور ؟ وهذه أيضا مما بدا لى وكأن تعارض ما ، ما بين ما فى الإشكالات من إصول وما بين ما تقرر فى حديث مكحول من نتائج .

يتبع إن شاء الله

عبدالله الشبلى ( عبدالحكيم )
Abdallaali24@hotmail.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home