Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

ليبيا: لا إصلاح جاد دون حوار وطني

يبدو أن ثقافتنا العربية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالفوضى كما يبدو أن عداوتنا للتخطيط متجذرة في تاريخنا العربي والإسلامي على حد سواء. فالفوضى رفيقتنا عندما تحكمنا أنظمة شمولية أو دكتاتورية وهي رفيقتنا عندما نرغب في السير في طريق الإصلاح.

وإذا كانت "الفوضى المنظمة والمقصودة" هي احدى أدوات التحكّم في الشعوب ، إلا أن "الإصلاح الفوضوي" قد يؤدي إلى نتائج عكسية وعزوف عن الاصلاح الحقيقي وفقدان للثقة في جدواه مما يؤدي إلى فشله في نهاية الأمر.

فعقلية "يلا ياجماعة والله نحبو نصلحو وخلوّنا نشوفو من وين نبدو وإللي تمسكها يدّك ابدأ بيها" أو "واعمل إللي اسهل وما تسببش مشاكل" بغض النظر عن أهمتيها الاستراتيجية أو حتى التكتيكية في السياق العام. تلك العقلية لا يمكن أن تحقق الاستدامة المطلوبة في مشروع الإصلاح الذي بطبيعته جهد تراكمي مستديم.

ومن المعلوم أن هناك أمور لا يمكن اصلاحها ما لم يتم اصلاح ما ترتكز عليه، لأن منهجة الإصلاح والتخطيط له أمر لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه. وبالطبع، هناك إصلاح وهناك عمليات تجميل والفرق بينها أمر لا يخفى على الحصيف.

ومهما يكن من أمر فإن مجرّد طرح فكرة الاصلاح والنطق بالكلمة والإشارة إلى المصطلح أمر جيّد ومطلوب وإن تأخر عقوداً من الزمن بكلفة باهظة للبلاد والمجتمع.

فالمرحلة الأولى هي التعّود على الكلمة وتقبلها والتجادل عليها وحتى التناوش حولها وكل ذلك امر حسن. وما مقال الاستاذ إدريس المسماري الأخير بعنوان "تخوين... الإصلاح" ومقال الاستاذ عيسى عبد القيوم "حرب المواقع: خطأ أم خطيئة؟" إلا دليلان على الجدل الذي يدور حول المصطلح وقدرتنا على قبوله والتعايش معه إيجابياً او سلبياً. وهذا كله يعتبر إشارة إلى نهاية مرحلة ومخاض مرحلة جديدة، وأن استمرار الوضع الراهن "غير ممكن ولا مقبول ولا متوقّع".

بالطبع تختلف الاسباب والطريقة التي توصّل بها كل طرف من الأطراف في المعادلة إلى هذه النتيجة. فالنظام الحاكم له أسبابه وظروفه وقناعاته التي أوصلته إلى هذه القناعة أو الحتمية، والمعارضون له لهم أسبابهم وقناعاتهم وتجاربهم التي أوصلتهم إلى ذلك. وإن كانت الاسباب مختلفة إلا ان النتيجة مرحّب بها على كل حال.

وهذا يقودنا إلى المرحلة التالية، فبعد الاتفاق على أن استمرار الوضع الحالي أمر غير ممكن وأن "الإصلاح" مطلوب وحتمي، لابد أن نتفق على معنى الإصلاح ومفهومه ونحدد معانيه ومحاوره حتى لا نخلط بينه وبين عمليات "وضع الرتوش" أو عمليات "التجميل المحدودة" التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

فالفرق شاسع بين عمليات "البوكاتس" التجميلية واللمسات الفنية وتجميل الصورة التي تسعى إلى استقطاب التعاطف أو القبول الخارجي، وعمليات الإصلاح الحقيقية التي تسعى إلى مواجهة المشاكل وحلّها واصلاح المتهالك والمهترئ، وعزل الذين ثبت فشلهم وتصلبت عروقهم وفاحت رائحة فسادهم، فلا يمكن في جو موبوء أن نرش العطور ونتوقّع المستحيل.

وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى الحوار حول أولويات الإصلاح، أي ما الذي يجب أن نبدأ بإصلاحه. والحوار يجب أن يكون واقعياً وموضوعياً وعملياً بعيداً ما أمكن عن الأهواء والتمنيات والرغبات الذاتية والمصالح الآنية. كما يجب أن يشمل الحوار كل الاطراف التي تؤمن به.

ولا شك أن هناك قائمة تمنيات طويلة لما يريد طرف أو آخر إصلاحه. مثل: هل نبدأ بردم الحفر في الشوارع والطرقات أو اعادة تأهيل الاقتصاد المنهار؟ أم اعادة هيكلة النظام السياسي أم فتح المجال أمام الصحافة الحرة؟ أم حل المشاكل العالقة خارجياً أم بناء قطاع السياحة؟ أم حل المليشيات الثورية أم رفع الأجور؟ أم حل المشكلة التعليمية أو وقف الدمار البيئي؟ أم تقديم المسؤولين عن الفساد والاختلاس إلى المحاكمة أم فرض تأشيرات على الأجانب؟ أم بناء تمثال لصدام حسين أم استثمار مليارات الدولارات في أفريقيا؟ أم حماية حقوق الإنسان أم اطلاق سراح السجناء السياسيين؟ أم ضمان حق التجمهر والتظاهر أم المطالبة بانتخابات ديموقراطية؟ أم الإصرار على حق تكوين الأحزاب؟ أم المطالبة بإقرار دستور أم مطالبة رأس النظام بالاستقالة؟ أم اعلان الحرب على الغرب و"الكفّار"؟ أم اقامة دولة دينية أم إعادة الملكية؟ أم اعلان جمهورية او تشكيل برلمان؟ أم زيادة شرطة المرور أو نصب المزيد من الاشارات الضوئية؟ أم بناء محطات تحلية أو الاستمرار في مشروع "النهر العظيم"؟ أم اصلاح المجاري أم تطوير الحرس البلدي؟

لقد اردت من سرد هذه الامثلة تبيان التنوّع والتباين والامنيات والممكن والمعقول والمهم والأكثر أهمية وما هو شرط وما هو نتيجة وما هو سبب وما عرض.

الأجندة والخارطة دونما استئثار

إن الحوار حول المهم والممكن والذي لا يمكن تأجيله أمر لا يمكن تجاهله. واستمرار الصراخ في وجه بعضنا البعض أمر لا يفيد، كما أن تجاهل السلطة الحاكمة لمكونات المجتمع الأساسية التي يجب ان تساهم في تحديد أولويات الإصلاح لا يمكن قبوله.

إن استئثار السلطة الحاكمة "فقط" بحق تعريف وتحديد وبلورة الاصلاح وحدوده وما يجب أن يشمل وما لا يشمل سيؤدي إلى افراغه من محتواه كما يؤدي إلى تهميش الاصلاحيين الآخرين وخسارتهم مما يؤدي إلى انفضاضهم عنه وفقدانهم الثقة في جدواه وجديته، وتحوّل الجهد الرسمي إلى عمليات تجميل لا غير. الأمر الذي يفقده مصداقيته داخلياً وخارجياً.

إن عملية الاصلاح هي مشروع "تشاركي وعقد اجتماعي" إذا صح التعبير، بين مكونات المجتمع المختلفة بما فيها السلطة الحاكمة. ولقد اثبتت محاولات فرض "اصلاح فوقي" فشلها أو محدوديتها في أحسن الظروف.

وأنا أتفهم منطق أية سلطة حاكمة تسعى للتحكّم في عناصر الأجندة ومعدل تسارعها وتداعياتها ولكن أعتقد أيضاً أن اخلاص تلك السلطة في نيتها الاصلاحية يكمن في انفتاحها على شركائها وعدم استئثارها بكل من "ماذا وكيف ولماذا ومتى ومن وأين" في مشروع الاصلاح.

إن فشل السلطة الحاكمة في بناء هذه الشراكة الاستراتيجية سيؤدي إلى عزوف الاصلاحيين عن التعاون وبحثهم عن بدائل أخرى يستطيعون من خلالها المشاركة في التغيير وقد يؤدي ببعضهم إلى تبني مواقف وأساليب أكثر راديكالية وتشدداً عقب شعورهم بأن الأبواب قد أوصدت في وجوههم، وتبلور تيار يائس راديكالي متشدد وعنيف لن يكون من مصلحة المجتمع أو النخب الحاكمة.

لقد تعالت في بداية العام الماضي الأصوات التي تطالب بمؤتمرات للحوار حول الاصلاح والتجديد في ليبيا إلا أن النظام الحاكم آثر ألا يعقدها وفضّل أن يتحاور حول الشؤون الليبية مع كل الأطراف الدولية والاقليمية إلا الليبيون وهذا خطأ تكتيكي له آثاره الاستراتيجية السلبية ما لم يتم تداركه.

ومن هنا يجب أن نُعيد أحياء الدعوة إلى حوار وطني تشارك فيه كل أطياف المجتمع الليبي التي تؤمن بالاصلاح وتنظر إلى المستقبل وترفض إقصاء أي طرف أو جهة مهما كان ماضيها.

إن الخروج من دوامة التربّص والتخوّف والريبة والخوف سواء من النظام الحاكم أو من معارضيه هو بداية السير في الطريق السليم. فالهدف يجب أن يكون هو بناء المستقبل وليس تصفية حسابات الماضي.

بقلم: فضيل الأمين
صحافي ليبي من واشنطن
fadellamen@yahoo.com


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home