Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

الوطن نخـلة

من يحيي نخلة يحي وطن،
ومن يهلك النخل فقد أهلك الوطن،
هذا ما تؤمن به أمـّي.


لم أعهد أمّي قارضة للشعر. كانت دائما راوية له من الطراز الأول. إنها تروي الوقائع وترصعـّها بأبيات من الشعر الشعبي الجميل، تـحاكي في اسلوب سردها وتحليلها أمهر أنثروبولوجي، لا تمل من الإستماع إلى أحاديثها الشيقة، واسلوبها الممتع في تأريخها للأحداث.

تستعمل أمـّي الكثير من الأمثال الشعبية عندما تحدثـّنا او توجهـّنا أو حتى حين توبخـّنا، وتفاجأنا ببيت من الشعر لا تدري من أين أتت به. وعندما نسألها عما إذا كان ذلك من تأليفها كانت دائما تنفي وتقول هذا بيت سمعته وانا صغيرة، وهذا بيت (سمعت حياة باتي يردد فيه)، وهذا بيت قاله عمكم فلان...وهكذا دواليك. غير أن ما لم نكن ندركه أن أمي نشأت في بيئة ترى قرض النساء للشعر نقيصة.....أكاد لا أصدّق ذلك. لو لم تكن أمي ضحية من ضحايا هذا الإعتقاد ولو لم تخبرني بنفسها لأعتقدت أن هذا لم يحدث قط في تاريخنا، فحتى في عصر ما قبل الإسلام كان يـُعتَرف للمرأة بحقها بأن تقرض الشعر، وكانت موهبتها موقع تقدير. غير أن رفض المجتمع الذي نشأت به أمي(1) لمواهب النساء، كان من باب الحيلولة دون شهرتهن. فالمرأة المشهورة تخيف الرجل، وينفر منها الخطاب فلا يتزوجها أحد وتبور في بيت أبيها (خلي موهبتها تنفعها) في مجتمع كان ومازال الزواج يمنح المرأة الإحترام، ويستر كل عيوبها، فطالما أنها وجدت من يتزوجها فهي بلا عيوب أكيد. ولتفعل ما تفعل بعد ذلك فكل شيئ مغطـّى بعباءة الزواج، (ويمشي الجافل ويجي الغافل.)

عود على موضوع الشعر، أمي ذات ميول قومية، فلها أبيات من الشعر تظهر تأثرها بحرب السبعة وستين وقد رأيتها وأنا طفلة صغيرة، تبكي عبد الناصر عندما مات، خلسة من خوف أن يراها أبي (فيعطـّب نهارها) وأكثر من ذلك، لقد بكت عبد الحليم حافظ. غير أن في أمرها بعض الغرابة، فهي مازالت تدين بولاء شديد للملك ادريس رحمة الله عليه، ولكنـّها انبهرت واعجبت بمعمـّر القذافي في السنوات الأولى. غير أن انقلابها عليه الآن يظهر أنها ما أحبته قط، ربما كانت محاولة منها لتوجيه مشاعرها نحو ناصر الى خليفة ناصر(فخلف من بعدهم خلف، أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات).

لقد كانت هي المعلم الأول الذي علمني حب الوطن وحب العروبة، ومنها عرفت الأسف على ضياع فلسطين والغيرة على الأرض. وعندما ينقلب حبيبك إلى عدو للوطن وللأرض فستنقلب عليه حتما. تقول أمي: لمـّا استولى القذافي على السلطة (في عملية سطو مسلّح) زعلت جدا على الملك ادريس، وبكيت دما يوم سمعت تنازل ولى العهد عن عرش ليبيا، لكن بعد فترة قصيرة احببت معمـّر القذافي وتوسمت فيه خيرا للوطن كما توسم كل الليبيون فيه خيرا. رأيته شابا متحمسا قياسا بالشيخ الذي ولّى، والأهم من ذلك أن عبدالناصر لم يزر ليبيا ابدا إلاّ عندما جاء القذافي، وهذه نقطة تحسبها أمي للقذافي.

ولكن يبدو أن اعجاب أمي بالرموز ما هو الاّ وسيلة من وسائل التعبير عن حب الوطن. فهي تقدّر من يرعى الوطن ويعمل على الرقي بأهله وتكره المخربين، الذين يعيثون في الوطن فسادا ويهينون أهله. على عكس كل الليبيين الذين يعجبهم ابوزيد الهلالي ويرونه بطلا، أمـّي تكره أبوزيد وقد جعلتنا نكرهه أيضا، لإنه كما تقول الرواية الليبية للتغريبة الهلالية، عاث في الأرض فسادا واعترف انه ما كان معمـّرا قط، ولم يفِ بوعده لإخته جازية بأن يعود برفاقه وهم أبناؤها مرعي ويحي ويونس. جاء في الرواية على لسان ابوزيد:

لو كان بوزيد عـمـّار        عـمـّر سواني بلاده
ومادام بوزيد دمـّـار         عـلى الله تصبح رماده
(2)

أمي اليوم لا تفرّق بين ابوزيد والقذافي. تدعو كليهما صـافي رفاقـته. فبوزيد عاد إلى قبيلته بدون رفاقه الذين بدأوا معه رحلة البحث عن وطن، والقذافي الذي أحيط بأحد عشرة كوكبا في أول مشواره، ها هو الآن وحيدا (كيف البوم الذكر). فوق ذلك، أمي ترى أن كل من بوزيد والقذافي مخرّب، الفرق أن الأعرابي الأول (ابوزيد) اعترف بكل فخر أنه مخرّب، أمـّا الأعرابي الثاني فقد ادعى انه أتي للتعمير والتنمية والرفاهية، بل ودخل علينا باسم معمـّر ليوهمنا أكثر، أنه يدلـّس حتى في أسمه. سمعت يوما نكتة تقول أن مواطن مصري ممن يعملون في ليبيا سـُئـِل كيف وجدت ليبيا قال: والله الليبيين دول زُراف جداً ومؤدبين، تصوروا بيقولوا على النار عافية، وبيقولوا على الفحم بياض، وكمان بيسمـّوا المخرّب معمـّر.

ما أردت أن أكتب كل هذا، ولكن أحببت أن انشر انتاج أمـّي ليقرأه الناس، أحببت أن أنشر هذه القصيدة بالذات، إن جاز لي أن أسميها قصيدة. لقد وعدتها بأني لن أشير إلى إسمها وسأكتب بأسم مستعار إلى أن يصبح الصبح. طبعا الخوف هذه المرة ليس من نبذ المجتمع أو الشهرة لإن أمي كما تقول (باع.. وروّح) خلاص لم تعد تخاف أن تبور في بيت أبيها. الخوف الآن ممن لا يعرف الرحمة، من كلاب الدم المتعطـّشة دوما للمزيد.

لإنها قضت سنوات من عمرها بين طرابلس وزليطن ومصراتة، أمـّي تعشق النخيل وترى فيه الوطن. من أعماقها يطل الوطن نخلة باسقة تعطي أطيب التمر، وفي عينيها ترى النخلة وطن، ربما لإن النخلة تعني الإستقرار، تعني البقاء في الأرض انتظارا للتمر، تعني التمسك بالأرض، وهي لذلك تطلق على ليبيا أم الجريد، أي ذات النخيل الكثير. إليكم ما قالته أمـّي ترثي ليبيا :

أنتِ مهـّولة يأم الجريد مســافي

يأم الجريد ضفايف
لا غيث جاك، ولا شبوب لوايف(3)
القبلي يكثـّح، والأيام صوايف(4)
ذبلن نخيلاتك حذاك حسايف
يأم الجريد مسافي

ياليبيا يأم الكرم والطيبة
يامراح فكـّك عفن فك غصيبة
طري لك كما الملدوغ غاب طبيبه
وغاب الدواء ماعاد جهد ايجيبه

أنتِ مهوّلة يأم الجريد مسافي

يأم الفزع والجــود
دالوا عليك اليوم هالهبّود
خلواّ شبابك في فقر وقيود
اجعـّنهم كما شارب فيوم عمود(6)

أنتِ مهـوّلة يأم الجريد مسافي

يا خسارتك ياحَنـّة
كنتِ رواشن لنسيم الجَـنّة
واليوم غابقتك عفونة وصنـّة
ضاعن أيـّام الفرفشة والرنـّة

أنتِ مهوّلة يأم الجريد مسافي

من الظلم ياما هاسك
وين من اعراس العالمين اعراسك
على الله يبقى جاي يوم خلاصك
بقعر النخل دوسي على اللي داسك
من التـُرك ... للطليان... للقذافي

ذابل ربيعك في وطاتك صايف
ولاـ من صهد نارك ـ لفالك لافي
اغبيتي فعجاجاتك، عمـاك السافي
يا نويرتي، جاء صدافهن شفشــافي(5)
مالترك....للطليان...للقذافي...وانتِ مهـوّلة

يانجـع حـاير...غاب سيد سبيبه
وعليك دوّل الجلاّد والسيـّـافِ
رقى سـمّ لدغاته علي لطرافِ
لا عون.. لاهبن ارياح عوافي



يأم النخل عالي بخير يجود
ومفيت بدّدوا خيرك، خذوه اجحافِ
وروّعوا اكبارك..شي ما هو خافي
كما كيـّلوا اجمامات(7)، يلقوا وافي



كنتِ عروس مخضـّبة بالحِنـا
وكنتِ العزاء وينما يزيد اريافي
صناين صناينهم عفن مو صافي
عدّن قوافلهن اثقال اخفافِ



ما اشين ظلام الظلم، غطـّى راسك
وكيف تفرحي وتزهي وجمرك طافي
ويجيك عون من ربـّي الكريم الشافي
وبقعر المداس، أوطي على القذّافي

سدرة المنتهى
________________________________________________

(1) المجتمع المعني هنا هو مجتمع القبيلة التي تنتمي أمي إليها، ولا يمكنني تعميم الحالة على المجتمع الليبي ككل.
(2) في رواية أخري (على الله تصبح حمادة) والحمادة هي الأرض المنبسطة التي لا نبتة فيها ولا أثر لحياة.
(3) من المفترض أنها جمع لافي أي قادم، والجمع الصحيح هو لوافي غير أن اللسان الليبي يقلب بعض الكلمات مثل معاك وعماك، يشعل ويشلع، يقمعز ويقعمز... وهكذا.
(4) صايفات أي ذابلات .
(5) تعبير دارج عن شـدّة الحرّ .
(6) يوم العمود على ما سمعت هو الإربعاء الأخيرة من شهر صفر، والبادية تمنع إبلها عن ورود الماء في العمود، ومن يشرب في العمود يظل مريضا ما تبقـّى له من عمر.
(7) الكيل الجمام هو أن يغطي الشئ المراد كيله الوعاء تماما، والكيل الوافي أن يفوق الشئ سعة الوعاء، اذا كان دقيق أو حبوب أو عدس أو غيره يكون الكيل الوافي على شكل هرم فوق الوعاء.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home