Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

previous letter                 next letter                 list of all letters

قضية الإخوان : الانبعاث.. السجن والإفراج (3)

نجاحات باهرة

"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"(1) صدق الله العظيم

وقفة :

أشرنا في الحلقتين السابقتين وباختصار إلى نشأة حركة الإخوان المسلمين في ليبيا، وأوضحنا أن مسيرة هذه الحركة كانت خجولة (في كلا العهدين، الملكي المتسامح معها، والعسكري الذي لا يكن لها وداًً كبيراً)، و تخضع فكريا و تنظيميا للحركة الأم في مصرًً، وعليه فإن القصور ذاتي والمشكلة في الآلية وعدم التفاعل الإيجابي مع الواقع الشعبي الليبي في الستينات والسبعينات ، ووراثة وتبني المشاكل السياسية والتاريخية لحركة الإخوان المسلمين في بعض الأقطار العربية الأخرى، فدخلت في صراعات سياسية وعداوات مع غيرها من الحركات السياسية في ليبيا ما كان لها خوضها، إذ بإمكانها كسب ود الجميع كحركة دعوية ترفع شعار الإسلام والدعوة للفضيلة(2).

في نهاية السبعينات ومع تغير التحالفات المحلية والدولية، تولي قيادة الحركة جيل جديد لم يعش الخلافات الداخلية التي كانت تعصف بالتنظيمات السياسية العربية ولم يكثرت بأحقاد الماضي.

ولد هذا الجيل وتربى في مرحلة صعود وهيمنة المشروع الصهيوني الغربي في المنطقة، وتلاشي الخلافات الداخلية بين التنظيمات واندثر بعضها ـ أي التنظيمات ــ فتغلبت الواقعية على الأيديولوجية، وحدث تحول كبير في المفاهيم والأولويات، و شكل سقوط بيروت وتشتت المقاومة الفلسطينية احد منعطفات هذا التحول الرئيسية، فكانت حماس والحركة الإسلامية في الأردن المثال الأوضح والسباق في الانبعاث الجديد لحركة الإخوان المسلمين وتصاعد شعبيتها عربياً. لم تشد حركة الإخوان المسلمين الليبية عن هذه الظاهرة بل تأثرت بها هي الأخرى، مما افرز واقعاً جديداً وقيادة شابة اكثر إنفتاحاً على المجتمع ، واكثر التصاقاً بهمومه اليومية.

القرار الصعب :

بالرغم من صعوبة الأوضاع التي كانت تتحرك فيها القيادة الجديدة لحركة الإخوان المسلمين بعد 1995، وقلة خبرة أفرادها، وعدم درايتهم بقيادة العمل السري في دولة أمنية لا ترحم ، فقد تحققت لها بعض النجاحات، والتي فاقت كل التوقعات، واستفادت من توظيف العناصر الشابة والمثقفة في التواصل مع الجماهير وكسب الأنصار والأعضاء الجدد. لقد ابتعدت عن العنتريات الزائفة ولم تدنو من الأضواء الحارقة، وفضلت العمل في صمت فمكنت للحركة في أربع سنوات ما لم يتوفر لها في أربعين سنة من عمر الحركة في ليبيا. لم تكن هذه النجاحات مقتصرة على الناحية التنظيمية والمنهجية فحسب، بل تعدت ذلك إلى نقل الحركة من ضيق النخبة إلى رحاب العامة وتقديمها كبديل شعبي للنظام القائم ومؤسساته المعطلة والفاشلة.من خلال رؤية واضحة وبرنامج عمل متكامل لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والخروج من عنق الركود الشامل والبطالة والفراغ الذي يعانيه الشباب الليبي والذي أصبح لا طموح له ولا يشعر بالاطمئنان للمستقبل(3).

لم يكن هذا هو النجاح الوحيد لهذه القيادة الشابة، بل كان إدارتها للأزمة الناتجة عن اكتشاف أمر الحركة في - شهر حزيران – يونيو 1998- وما تلاها من اعتقالات رائعاً، إذ ساعدت عدداً من العناصر المستهدفة على الخروج إلى بر الأمان، وعكفت على دراسة الأحداث بكل شجاعة ورباطة جأش في ظروف صعبة وقاسية، يصفها احد الأخوة قائلا؛ "بعد أن تناهى إلى أسماعنا أنباء حملة الاعتقالات لبعض أعضاء الحركة الغير قياديين في مدينة بنغازي، في بداية شهر حزيران، 1998، اجتمعت القيادة في احد المقاهي العامة بمدينة طرابلس، وقررت البقاء ومواجهة الواقع بكل شجاعة، ( وقد كان بإمكان قيادة الإخوان الفرار)، وذلك للتأكيد على حقهم في التجمع السلمي وتوضيح أمر هام للنظام والشعب، وذلك إن الانتماء الفكري والسياسي ليس معرة وإنما هو حق طبيعي للجميع ومفخرة لمنتسبيه"(4)، وهذه حسب علمي، هي المرة الأولى التي تدافع فيه حركة معارضة عن حقها في الوجود بعد أن كان هذا الانتماء العلني في السابق مدعاة للخجل وشعور بالذنب.

لقد كان قرار البقاء من اخطر القرارات التي اتخذتها قيادة الإخوان، وكان أصوبها. فهو نقلة نوعية لحركة المعارضة الوطنية في مواجهة النظام ، والذي أكدت فيه حقها في الوجود على ساحة العمل الوطني، وإن الشأن السياسي الليبي ليس حكراً لأحد، بل هو شأن وطني ومن حق الجميع الخوض فيه بدون إقصاء أو تهميش. وما يميز هذه القيادة ومواقفها هو تحمل المسؤولية الأدبية والمعنوية وهذا ما لم نتعود عليه نحن الليبيون من قياداتنا الحكومية والمعارضة في السابق، ــ أي تحمل المسؤولية ــ إذ أن التهرب من المسؤولية واختلاق الأعذار هو السلوك السائد(5). كسر الإخوان حاجز الخوف، وأصبحوا يتعاملون وهم في سجنهم بندية مع النظام، رغم انعدام التكافؤ في ميزان القوة ورجوحه لصالح الأخير، وتفوق أخلاقي واضح للحركة، ومن ثم للشعب الليبي بأسره وحقه في تعدد الآراء والاختلاف، فأصبح النظام ـ أخلاقيا ـ لا يملك الحق في الإنفراد بالسلطة واتحاد القرارات المصيرية، رغم امتلاكهما فعلياً.

الإجتماع الأخير

اليوم الخامس من حزيران, يوم مشئوم في التاريخ العربي الحديث، فهو يوم النكسة ويوم استيلاء العدو الصهيوني على ما تبقى من ارض فلسطين ، وفي عام 1998 شهد الاجتماع الأخير للقيادة التاريخية(6) لحركة الإخوان الليبية، وكان يوم أحزانها وفخرها في آن واحد، ولحسن الحظ كان اجتماعهم الأخير ، وليس العشاء الأخير. سوف اترك القارئ الكريم يتابع الأحداث من خلال رواية احد الإخوة المفرج عنهم حديثاً والمحكوم عليه بالسجن المؤبد سابقاً وذلك من خلال رسالته التي وصلتني منه مشكوراً.

*   *   *

في الأسبوع الأول من حزيران، 1998 وعلى ما اعتقد في اليوم الرابع منه، القي القبض على الدكتور عبدالله عزالدين المراقب العام لحركة الإخوان المسلمين في ليبيا، وكنت أول من علم بالخبر بعد استفساري عنه في كلية الهندسة، فأعلمتني موظفة القسم بخروجه من المكتب برفقة اثنين من أصدقائه، فهمت مغزى هذه الصحبة وتأكدت بأنه لن يرجع قريباً ووقع ما كان متوقعاً، فأعلمت الآخرين فوراً ا بخبر الاعتقال.

في يوم الخامس من حزيران، اجتمعت القيادة المتبقية في مقهى السرايا بطرابلس، و تدارست المستجدات العامة مع تقييم لتأثير الاعتقالات على برنامج الحركة و حجم المعلومات التي أصبحت معروفة عن التنظيم وأعضائه. اتضح لنا أن الإخوة في بنغازي، وتحت التعذيب، قد القوا ما في جعبتهم وأصبح كامل التنظيم وأعضائه وبرامجه معروفاً لدى الأجهزة الأمنية، وتم الاتفاق في هذا الاجتماع على النقاط التالية كبرنامج عمل لمواجهة الأزمات:

1. بقاء القيادات داخل الوطن،( رغم إمكانية الخروج لأغلبية القيادات ) ومواجهة الأحداث بمسؤولية وشجاعة، والتأكيد على حق الجميع في التجمع السلمي، والمشاركة السياسية و إبداء الرأي فيما يخص القرارات المصيرية التي تهم الوطن، وفوق ذلك، من حق شعبنا أن يرى النخب المثقفة من أبنائه وهي تتحمل المسؤولية والتضحية جنباً إلى جنب مع أبناء الوطن، وعدم الفرار بجلودهم الى بر الأمان والنضال من بعد والذي لا يسمن ولا يغني من جوع، بل على النخب الواعية أن تعيش بين أكناف شعبها، فتعاني ما يعاني هذا الشعب وان تبتكر الوسائل الناجعة لحل مشاكله( ما يحس النار إلا اللي رجله فيها).
2. حرية الإختيار للأعضاء الغير قياديين في البقاء أو الخروج وتسهيل عملية الخروج لمن يرغب في ذلك بحسب الإمكانيات المتاحة، وقد تم فعلا خروج البعض.
3. التأكيد على سلمية الحركة ونبذها للعنف.
4. عدم رغبة الحركة في تغيير الحكم بالقوة، والسلطة ليست مبتغاها،وإنما هدفها ترسيخ قيم الدين الحنيف والدعوة في سبيل الله، والمطالبة والمساهمة في التخفيف من معاناة المواطن والتي استفحلت شيئاً فشيئاً، وذلك بالاهتمام بالبنية التحتية والتعليم، وتحقيق الرفاهية،عن طريق إزالة المظاهر السيئة كالفساد الإداري والرشوة والتسيب وإهدار المال العام.
5. تبني برنامج واضح للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والفصل بين السلطات مما يضمن تحقيق العدالة ونشر الرخاء.
6. التأكيد على أن الوطن للجميع، ومساواة الجميع في الحقوق والواجبات.
7. الدعوة لحوار شامل تشارك فيه جميع الأطراف بما فيه الحكومة من اجل وضع برنامج إصلاحي شامل.

الاعـتقالات الثانية والتحقيقات

بعد هذا الاجتماع، اتسعت دائرة الاعتقالات وكانت سريعة ومتتالية، وكانت الأسماء ترد تباعاً للسلطات من خلال التحقيق واستخدام وسائل انتزاع المعلومات التي لا تقرها الشرائع السماوية والتي تخالف ابسط قواعد حقوق الإنسان، ولم تمضي عدة أيام حتى كانت الحركة وقياداتها مكشوفة ، وفي يوم الثامن من حزيران 1998، القي القبض على كل من الأخوين الدكتور عبد اللطيف كرموس من كلية الزراعة، طرابلس، والدكتور سليمان علي الفاندي من كلية الهندسة بنفس الجامعة، بعد أن حاصرت قوات الأمن المدججة بالسلاح منزليهما ومنازل عدد آخر من الأعضاء القياديين وأقاربهم في مدينة طرابلس وضواحيها. ألقى القبض علينا جميعاً في موقف رهيب ومرعب أمام الجيران والأبناء وفي أوقات متفاوتة من النهار والليل، مع وجود مكثف للعناصر الأمنية المدججة بالسلاح، وأدلفنا معصوبي الأعين ومكبلين بالأغلال إلى سيارات الشرطة التي كانت في انتظارنا ولم يكن بوسعنا حمل أشيائنا الشخصية، بل كان بعضنا حفاة والبعض الآخر بملابس نومه. كنا نٌرمى في سيارات الشرطة ونسمع من الألفاظ مايندي له الجبين. لم يكن هناك أمر قضائي ولا تهم موجهة لنا وليس بوسعنا الاستفسار فما بالك بالاحتجاج، وتصورنا أنها النهاية فابتهلنا إلى الله كثيراً أن يلهمنا الصبر على ما كنا نتوقعه وما كنا نسمع به من الذين ابتلاهم الله قبلنا.

كانت السيارة تسير ببطء وكنت فيها مع احد الإخوة نسمع منبهات السيارات وضجيج الشارع ولم ننبس بكلمة واحدة ولم نسمع من مرافقينا، (اقصد الحراس) شيئاً. كنت أفكر في ما ينتظرني من العذاب وقلت في نفسي يا ترى هل يبدءون بالكهرباء أم الفلقة أم الاثنين معاً، ثم تداركت وهل هناك فرق؟ وتعوذت من الشيطان واستغفرت الله الذي لا يغفر الذنوب إلا هو وطلبت من الخالق أن يلهمني الصبر فهو ولي الصابرين. لقد مضت حوالي الساعة عندما توقفت السيارة ونزل مرافقينا منها وسمعنا بعض اللغط والقهقهات و العبارات التي لم تكن واضحة لنا حيث كانت أبواب السيارة مقفلة والضوضاء كثيرة.

لم تمضي خمس دقائق حتى فٌتح باب السيارة وإذا بأحدهم يٌصيح بصوت جهوري مصطنع القوة والصرامة وهو يقول انزل يا عـــ.....، عندها تيقنا أننا في احد بيوت الضيافة والذي علمنا في ما بعد انه سجن عين زارة، والذي كان يديره سيئ السمعة المرحوم عامر المسلاتي. لم يٌقصر فريق الاستقبال في حقنا، بل استقبلونا بللكم والركل ومناداتنا بألقاب وأسماء ما انزل الله بها من سلطان. كان نصيبي ضربات موجعة من عصاة يبدو أنها متوسطة السمك ولكنها حقاً كانت وقعاتها مؤلمة، وبالأخص عندما تقع على ساقي، وأنا الذي لم أتعود على ذلك من قبل.

كانت الدقائق تمر متثاقلة وكأنها ساعات، و من لحظة خروجنا من السيارة حتى دخولنا الزنزانة كأنه الدهر، وكانت المعاملة مبرمجة ومخطط لها، بحيث تجعل منك إنسان بلا إنسانية وميت مع وجود الروح وفوق كل ذلك محاولة انتزاع كرامتك إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا. كلما ضربوني تيقنت أن الحق معي ولم اعد أكثرت بما يفعلون، فكنت أرجو من الله مالا يرجون. ما إن انتهى حفل الاستقبال حتى أدخلت أنا واحد الإخوة، وهو أستاذ جامعي، إلى غرفة صغيرة هي أشبه بالقبو منها إلى لغرفة، إذ لا تتعدى عدة أشبار في المساحة، عارية الجذران وذات أرضية إسمنتية خالية من الفرش، ولا يوجد بها أسرة أو أغطية ولم يكن بحوزتنا ملابس تذكر تقينا من وطأة ألأسمنت اللعين.

لقد قضينا ليلتنا في ذلك القبو، وكانت ليلة باردة جداً على عكس شهر حزيران المعروف في ليبيا بشهر الصيف وحرارته الشديدة. لقد تكومنا على أنفسنا لكي نحافظ على ما لدينا من حرارة ونتقي البرد قليلاً، ولكن دون جدوى. كانت الغرفة مظلمة ولم نستطع النوم تلك الليلة ولكني توقعت أن الوقت فجرا فطلبت منهم أن نتوضأ، فكانت كلمات السجان أكثر قسوة من لكماته وأنكل من تلك الليلة الباردة، فتيممنا وصلينا الفجر ثم تكومنا من جديد ولسان حالنا يقول ، حسبي الله ونعم الوكيل.

بداية التحقيق

استيقظنا في الصباح الباكر عل صياح الحراس وهم يتدافعون كل غلى غنيمته من سكان الأقبية المسماة زوراً بغرف السجن، وكل منهم يصب ما في جعبته من ألفاظ نابئة تعلمها في مسيرة حياته والتي بالتأكيد لم تكن سارة، وجاء دورنا وفتح باب الزنزانة وأمهلونا بضع دقائق لقضاء الحاجة. لم تمض دقائق معدودة حتى نودي على اسمي، فخرجت من هذا القبو الكريه إلى ممر اسوء منه، وقلت في نفسي كم من كريم ساقته الأيام إلى هنا، وكم من لئيم ينام الليل على فراش وثير، فلا نامت أعين الجبناء. دخلت إلى غرفة بسيطة عارية الجذران بها فراش ارضي قديم ومتسخ، ويوجد بها منضدة قديمة تناثرت حولها كراسي قديمة متآكلة كالتي كنا نستخدمها في المدارس العامة في أيام الصبا. كان يجلس حول هذه المنضدة عدد من الأشخاص مغطئ الرؤوس وكأنهم أشباح، لا ادري ماذا يخافون، وسألت نفسي هل هو أنا السجين، أم هم السجناء؟، ولم يقطع حبال تفكيري إلا لكمة قوية ومفاجئة بادرني بها احدهم، فخارت قواي وكدت أن افقد الوعي، ولكني تمالكت نفسي، وبدأت بتلاوة القرآن الكريم سراً، والدعاء لله عز وجلا وطلبت منه أن يفرغ على صبراً ويعطيني القوة لمواجهة ما يٌبيت لي ولغيري، وحسبي الله ونعم الوكيل.

ظللت واقفاً رغم ما أصابني أمام المحققين، فسبني احدهم و ووصفني بنعوت لا استطيع ذكرها، ولم يحترم مكانتي العلمية ولا سني ، فكان الصمت هو ردي، ولسان حالي يبتهل بالدعاء، فأحسست بشعور غريب من الراحة وتيقنت بأنني على حق، وأشفقت على الجلادين مردداً الآية الكريمة من سورة يس، " يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين". سٌئلت عن علاقتي بحركة الإخوان المسلمين التي وصفها احدهم بالزندقة، فأنكرت هذه العلاقة ، فقال لي احدهم كيف لا وأنت احد أركانها؟، إن لدينا كل المعلومات عنكم والأحسن لك أن تعترف، فقلت لهم ليس لدي شيء اعترف به وأنا لم ارتكب جرماً ولم أخالف قانوناً، فلكمني احدهم بيمناه حتى سقطت مغشياً على ولثوان، ثم انهالوا علي ضرباً وأرجعت للزنزانة اجر نفسي جراً.

تكومت أنا وزميلي من البرد في هذه الغرفة الباردة والمكونة من ستة جدران إسمنتية ، إذا ما أخذنا في الحٌسبان السقف والأرضية فكلها متشابهة، وأحضرت لنا قطع من الخبز اليابسة وبعض الماء في أوعية تعافها الحيوانات فما بالك بالإنسان وما ارخص قيمته في بلادي وعلى أيدي هؤلاء الجلادين. لقد كانت المعاملة قاسية وكان السجانون يتبارون في إذلالنا إلا ما رحم ربي، وكنا عرضة للضرب والسب كل يوم. يبدأ يومنا عادة بصلاة الفجر، وكنا نطلب الإذن بالوضوء فثارة يٌسمح لنا وفي الأغلب لا يسمح لنا بذلك، ثم يٌرمى لنا بقطع الخبز الجافة مع الماء، وفي كل يوم يقولون لنا سوف نعدمكم فجهزوا أنفسكم ولا أذري ماذا يعنون بذلك. لم يسمح لنا بالخروج من هذه الأقبية ولا نرى بعضنا البعض ولا يسمح لنا بالاستفسار عن سبب وجودنا وأما الوجبات فهي عبارة عن قليل من المكرونة المطبوخة في الماء وقليل من الأرز المكسر والرديء .

التهديد الذي ارتعشت له فرائسي

"كلا إن الإنسان ليطغى"، فسبحان الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لقد كنت وجه لوجه مع هذا الإنسان الطاغية؛ فبعد عدة أيام من المعاملة القاسية، أتى السجان لغرفتي وطلب مني أن اتبعه، فلما سألته إلى أين؟، نهرني وقال: (إلى قطع رقبتك، هيا اتبعني واسكت يا….)، فتبعته إلى حيث يريد حتى أدخلني غرفة غير التي عرفتها في السابق، فكانت أكثر أناقة، واكثر تأثيثا وبها صورة كبيرة وعلى جدرانها بعض الشعارات، مع وجود عدد من الأشخاص بعضهم ملثم والبعض الآخر أكثر جرأة بوجوه عارية ولكني لم أتعرف على احد منهم. ظللت واقفاً طول الوقت، وسألني احد الجالسين عن اسمي ومهنتي وعنواني فأجبته على سؤاله، فقال لي، " يا خسارة قديش صرفنا عليكم هكي نهايتها..كلاب"، فلذت بالصمت. ثم تكلم الشخص الملثم، قائلاً، هل لديك استعداد للكلام؟ فقلت لا.. ليس لذي ما أقول، فنهض من كرسيه وتوجه نحوي والشرر يتطاير من كلماته المنفعلة، قائلاً،" والله إن لم تتكلم وتعترف فسوف نحضر زوجتك هنا". عندها انتابني شعورٌ بالقلق والخوف، وقلت لنفسي، ما يمنع هؤلاء الوحوش من فعل أي شيء؟ وكدت أن انهار واعترف بما يطلبونه مني وقبل أن أتكلم تذكرت إن أرادوا فعل شيئاً فلن تمنعهم اعترافاتي إتيانه، فتمالكت نفسي وطلبت من الله العلي القدير أن يكف أيديهم، وقلت لهم ليس لذي ما أقوله. عندها انفجر المحقق الرئيسي غاضباً، وقال سوف نعلقك من… أن لم تعترف، فعندها حمدت الله على لطفه وتيقنت أن الله قد كفاني وكفى أسرتي شر ما في الغيب.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة.

الانتقال إلى بنغازي.

صالح منصور
________________________________________________

(1) سورة الأنفال / الآية : 17 .
(2) كان الطابع التنظيمي هو الغالب على برامج حركة الإخوان المسلمين وكان النشاط الخيري والاجتماعي محدود ولا يتعدى حدود التنظيم. أما علاقتها بغيرها من التنظيمات كان محدوداً، وكانت عادة ما تتهم الآخرين بالشيوعية، وقد تغير هذا النهج كلياً منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.
(3) تقوقع التنظيمات السياسية داخل شرنقة النخب لم يكن حكراً على حركة الإخوان، وإنما هو السائد لدى أغلبية التنظيمات السياسية الليبية، إذا استثنينا من ذلك الحركة القومية في الستينات والتي تكاد تختفي في القرن الواحد والعشرين من على ساحة العمل الشعبي نتيجة تشويه سمعتها بتبني النظام في البداية لأفكارها ، وكذلك الكوارث الوطنية التي سببتها بعض الحكومات التي تدعي القومية في مناطق مختلفة من الوطن العربي.
(4) لأول مرة في تاريخ ليبيا تنال حركة سياسية الاعتراف المحلي والدولي، ولأول مرة تتفاوض الحكومة الليبية مع رموز حركة وطنية في الداخل، بغض النظر عن النتائج التي توصلت عليها مع هذه الحركة، فهو اعتراف متبادل من الجانبين.
(5) المعروف عن الحكومة الليبية عدم تحمل المسؤولية ولا توجد ضوابط دستورية تحدد المسؤوليات ، وقد انطبق هذا السلوك على الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا والتي تسببت في مآسي كثيرة للشعب الليبي وزجت بأبنائه في مغامرات عبثية كثيرة، راح ضحيتها الكثير من الأرواح وعرض الأمن الوطني للخطر.
(6) وصفتها بالقيادة التاريخية، لأنها أول قيادة للإخوان تتفاوض رسمياً مع الدولة الليبية وتطرح أفكارها بوضوح داخل الوطن وتنال التعاطف من بعض أجنحة النظام واحترام البعض الآخر، وهي أول مجموعة قيادية تنبذ العنف وتعترف بالتعددية السياسية وتتبنى قضايا شعبية خارج نطاق التنظير والمتون الحزبية.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home